المنارات الحسينية

.::||[ آخر المشاركات ]||::.
برنامج جميل جدا يعلمك الانجليز... [ الكاتب : اروا نعيم - آخر الردود : اروا نعيم - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 545 ]       »     أفكار مشاريع تخرج جديدة فى مج... [ الكاتب : اروا نعيم - آخر الردود : اروا نعيم - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 320 ]       »     افكار رائعة لتعلم بناء الروبوت... [ الكاتب : الين عبد - آخر الردود : الين عبد - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 318 ]       »     General English courses online... [ الكاتب : الين عبد - آخر الردود : الين عبد - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 461 ]       »     من خطب الامام علي عليه السلام [ الكاتب : فراس - آخر الردود : فراس - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 1820 ]       »     الحرب على سوريا [ الكاتب : كروي - آخر الردود : كروي - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 2207 ]       »     أصغر مدافع عن السيدة زينب ع [ الكاتب : فرات - آخر الردود : فرات - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 1717 ]       »     كيفية صناعة الانسان الالي ،الر... [ الكاتب : زوهره نجد - آخر الردود : زوهره نجد - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 3073 ]       »     وظائف فى شركات الملاحة والسفن... [ الكاتب : زوهره نجد - آخر الردود : زوهره نجد - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 1250 ]       »     مشاهدة مباراة ريال بيتيس ومايو... [ الكاتب : زوهره نجد - آخر الردود : زوهره نجد - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 1425 ]       »    


من اقوال الامام عليه عليه السلام

Go Back   المنارات الحسينية > المنارات الإسلامية > المنارة الإسلامية > قبة أهل بيت العصمة والإمامة عليهم السلام
رسائل الوسائط حالة مزاجي الرسائل النصيه الإذاعه وقنوات الشيعية المترجم الفوري حالة الطقس قوقل ايرث
Register ╝◄ βļαĆқ βểѓŘү ►╚ الخدمة الشيعية القرآن الكريم FAQ Calendar Mark Forums Read

Notices

Reply
 
Thread Tools Display Modes
Old 28-09-2007, 07:20 PM   #11
معلومات العضو
مناري صديق
 
رقم العضوية : 366
Join Date : Apr 2006
عدد المواضيع : 22
عدد الردود : 296
مجموع المشاركات : 318
النقاط : 50
آعجبنيً: 0
تلقي آعجاب 0 مرة في 0 مشاركة
SMS المزيد ....
My-MMS المزيد ....
imported_إمامي عضو
Default

آراء وتفسيرات حول نشوء التشيع







يتجه بعض الكتاب والباحثين والمؤرخين إلى تفسير التشيع باعتباره ظاهرة طارئة أفرزتها مجموعة عوامل إجتماعية, وسياسية, وتاريخية.

وفي تحديد العوامل التي أنتجت الظاهرة الشيعية, وفي التأريخ لبداياتها تعددت الآراء وتباينت التفسيرات.

ونحاول أن نضع بين يدي القارئ أبرز الآراء والتفسيرات التي تناولت هذه الظاهرة وأرخت لها.


الرأي الأول:

يؤرخ لولادة التشيع بالمرحلة التاريخية المبكرة التي أعقبت وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) مباشرة.

ونلمس هذا الرأي في كلمات بعض الباحثين والمؤرخين منهم:

1- اليعقوبي في تاريخه حيث قال: (وتخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار, ومالوا مع علي بن أبي طالب منهم: العباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس, والزبير بن العوام, وخالد بن سعيد, والمقداد بن عمرو, وسلمان الفارسي, وأبو ذر الغفاري, وعمار بن ياسر, والبراء بن عازب, وأبي بن كعب)(1).

2- الدكتور أحمد أمين في (فجر الإسلام) حيث قال: (وكانت البذرة الأولى للشيعة, الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) أن أهل بيته أولى الناس أن يخلفوه)(2).

3- الدكتور محمد علي أبو ريان في (تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام) حيث قال: (وكان علي بن أبي طالب يرى في الخلافة حقا شرعيا له فهو ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وزوج ابنته فاطمة وأول من آمن بالرسالة, والتف حوله أتباع كانوا يرون الخلافة يجب أن تؤول إلى آل البيت وعلى رأسهم علي بن أبي طالب)(3).

4- المستشرق جولد تسيهر في (العقيدة والشريعة) حيث يرى أن التشيع نشأ بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) وبالضبط بعد حادثة السقيفة, حيث قال: نشأ بين كبار الصحابة, منذ بدأت مشكلة الخلافة, حزب نقم على الطريقة التي انتخب بها الخلفاء الثلاثة الأول وهم أبو بكر وعمر وعثمان, الذين لم يراع في انتخابهم درجة القرابة من أسرة النبي (صلى الله عليه وآله) وقد فضل هذا الحزب بسبب هذا الاعتبار, أن يختار للخلافة علي بن أبي طالب ابن عم النبي (صلى الله عليه وآله) وأدنى قريب له, والذي كان فضلا ع ذلك زوجا لابنته فاطمة. ولم يجد هذا الحزب فرصة مواتية يسمع فيها صوته عاليا(4).


الرأي الثاني:

يفترض ولادة التشيع في عصر الخليفة عثمان بن عفان نتيجة أحداث وتناقضات برزت في داخل المجتمع الإسلامي, هيأت جوا ملائما لنشوء الفرق والأحزاب والانتماءات. (ومن الذاهبين لذلك جماعة من المؤرخين والباحثين منهم: ابن حزم وجماعة آخرون ذكرهم بالتفصيل يحيى هاشم فرغل في كتابه (عوامل وأهداف نشأة علم الكلام ج1/ 105) وقد استند إلى مبررات شرحها)(5).


الرأي الثالث:

ينسب ولادة التشيع إلى أيام خلافة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) حيث توافرت الظروف الملائمة لبروز هذه الحالة، (ومنهم من يرد ظاهرة التشيع إلى عهد خلافة الإمام علي (عليه السلام), وما هيأه ذلك العهد من مقام سياسي واجتماعي على مسرح الأحداث)(6).

ونجد عند ابن النديم في (الفهرست) هذا اللون من التوجه في تفسير الظاهرة الشيعية, حيث قال: (ولما خالف طلحة والزبير عليا (عليه السلام), وأبيا إلا الطلب بدم عثمان بن عفان, وقصدهما علي (عليه السلام), ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله جل اسمه, تسمى من اتبعه على ذلك, الشيعة فكان يقول: شيعتي)(7).

وهناك من الباحثين من يفترض ولادة التشيع يوم واقعة صفين, من هؤلاء عبد العزيز الدهلوي حيث قال: ظهر لقب الشيعة في سنة27 هـ(8). وفي هذا السنة حصلت واقعة صفين(9).


الرأي الرابع:

يعتبر التشيع ظاهرة تمخضت عن الظروف والملابسات التي أنتجتها واقعة كربلاء, وما أفرزته من تطورات جديدة في داخل الساحة الإسلامية.

ويمكن أن نلمس هذا الاتجاه عند:

1- الدكتور مصطفى الشيبي في كتابه (الصلة بين التصوف والتشيع) حيث قال: (على أننا نرى أن التشيع السياسي, وإن ظهر في الفترة التي افترضها الباحثون السابقون, إلا أن دلالة الإصطلاح (شيعة) على الكتلة التي ندرسها من المسلمين وانصرافه إليهم دون غيرهم, قد بدأ بحركة التوابين التي ظهرت سنة 62هـ وانتهت بالفشل سنة 65هـ وكان قائد الحركة يلقب بشيخ الشيعة)(10).

2- (بروكلمان) في كتابه (تاريخ الشعوب الإسلامية): حيث يرى أن مقتل الحسين (عليه السلام) أعطى للفكرة الشيعية طابعا جديدا متطورا, إذ قال: (والحق أن ميتة الشهداء التي ماتها الحسين والتي لم يكن لها أي أثر سياسي, قد عجلت في التطور الديني للشيعة حزب علي, الذي أصبح في ما بعد ملتقى جميع النزعات المناوئة للعرب(11).

وهنا أرى من الضرورة وضع ملاحظتين حول كلام بروكلمان وليس بهدف نقد وتقويم هذا الرأي, فذلك متروك لنتائج وخلاصات البحث, وإنما هو التنبيه العابر الذي يوجه ذهنية القارئ إلى بعض الإلتفاتات الفورية التي لا يحسن إرجاؤها.

الملاحظة الأولى:

لا نتفق مع بروكلمان في نفيه الأثر السياسي لثورة كربلاء, فالواقع التاريخي يؤكد عمق الأثر السياسي الذي أنتجته هذه الثورة في الساحة الإسلامية فمن نتائجها السياسية:

1- الوعي السياسي الجديد الذي بدأ يتكون في ذهنية الأمة وما يحمله هذا الوعي من رؤى وتصورات حول أنظمة الحكم القائمة, والكيانات السياسية المتسلطة.

2- الحس الثوري الذي أخذ يتفاعل مع وجدان الجماهير وينمي في داخل الأمة حالات الرفض والتصدي.

3- الإنتفاضات والثورات التي تفجرت في مراحل تاريخية تالية, عبرت عن صحوة سياسية كبيرة أحدثتها ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء(12).

الملاحظة الثانية:

إننا نرفض مقولة بروكلمان بأن حزب علي أصبح ملتقى جميع النزعات المناوئة للعرب فهي مقولة لا تملك أي مبرر موضوعي ولا تحمل أي مستند علمي وإنما تعبر عن إحدى حالات التحريف التاريخي التي شوشت الكثير من الرؤى والمفاهيم والأفكار.


الرأي الخامس:

يعطي لظاهرة التشيع إنتماء إلى جذور خارجية... وأصحاب هذا الاتجاه ينحون منحيين مختلفين:

المنحى الأول:

يحاول تنسيب الظاهرة إلى الأصول اليهودية.

ومن المؤرخين والباحثين الذي تبنوا هذا المنحى:

1- الطبري في تاريخه حيث قال: (عن سيف عن عطية عن يزيد الفقعسي قال: كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء, أمه سوداء فأسلم زمان عثمان, ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم, فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام)(13)... وتحدث الطبري عن بعض أفكار عبد الله بن سبأ: (ثم قال لهم: إنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي, وكان علي وصي محمد, محمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء)(14).

2- محمد فريد وجدي في (دائرة المعارف) حيث قال: (وكان ابن السوداء (عبد الله بن سبأ) في الأصل يهوديا من أهل الحيرة, فأظهر الإسلام وأراد أن يكون له عند أهل الكوفة سوق ورياسة, فذكر لهم أنه يجد في التوراة أن لكل نبي وصيا, وأن عليا وصي محمد....)(15).

وأمام هذا الرأي أضع الملاحظات العابرة التالية كتنبيهات عاجلة, تاركا الرؤية التقويمية التفصيلية إلى الخلاصات التي يتمخض عنها هذا البحث.. وملاحظاتنا العاجلة على هذا المنحى:

أولا: المصدر التاريخي الأول الذي دون قضية (عبد الله بن سبأ) هو الطبري, ومنه استقت بقية المصادر الأخرى القديمة والحديثة.

ثانيا: الأساس الوحيد الذي اعتمد الطبري في تدوين هذه القضية هو (روايات سيف بن عمر).

ثالثا: فإذا استطاع البحث العلمي:

أ- ان يسقط وثاقة (سيف بن عمر) على مستوى الرواية.

ب- وأن يثبت اسطورية (ابن سبأ) على مستوى الواقع التاريخي فإن هذا المنحى ينهار من أساسه. وفعلا توافر هذا الموضوع على دراسات علمية مستوعبة أكدت الحقيقتين الآنفتين)(16).

المنحى الثاني:

يحاول تنسيب الظاهرة إلى الأصول الفارسية...وهذا الاتجاه نجد له صدى واضحا في كتابات ودراسات أكثر المستشرقين, كما نجد له تلميحات وإيحاءات عند بعض الكتاب من المسلمين كأبي زهرة في كتابه (تاريخ المذاهب الإسلامية), حيث قال: وفي الحق, إنا نعتقد أن الشيعة قد تأثروا بالأفكار الفارسية حول الملك ووراثته, والتشابه بين مذهبهم ونظام الملك الفارسي واضح وزكي، ومن هذا أن أكثر أهل فارس إلى الآن من الشيعة, وأن الشيعة الأولين كانوا من الفرس(17).

ونجد كذلك عند أحمد عطية الله في كتابه (القاموس الإسلامي) حيث قال: تشتمل تعاليم السبئية على جذور العقيدة الشيعية التي نبعت من أصول يهودية وتأثرت بالمزدكية(18) الفارسية, فرأس هذه الفرقة يهودي يمني الأصل, بينما شاعت بعض العقائد الفارسية كالمزدكية إبان الاحتلال الفارسي لبعض أهل الجزيرة العربية لهذا صادفت السبئية هوى لدى بعض أهل العراق المجاورين للفرس.

وقال أيضا: الحق الإلهي, وهي نظرية انتقلت إلى السبئية والشيعة عامة من الفرس, وتقوم على أن عليا هو الخليفة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وأنه استمد حقه من الإمامة من الله وينتقل هذا الحق بالوراثة إلى أهل بيته(19).

وقال فان فلوتن في كتابه السيادة العربية: ظهرت منذ أيام المختار أفكار جديدة كان لها أثر كبير في نفوس الكثيرين من الشيعة.

ويظهر أن هذه الأفكار التي نشأت في مبدأ أمرها في البيئات غير العربية إنما كانت بقية من عبادة الملوك, تلك العبادة التي كانت مشهورة عند قدماء الفرس بعد أن خالطها بعض العقائد الاشراقية(20).


الرأي السادس:

ويؤرخ لولادة التشيع بزمن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) الإمام السادس من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)..

يقول الدكتور محمد عمارة في كتابه (الإسلام وفلسفة الحكم): تاريخ نشأة الشيعة مقترن بالفترة الزمنية التي نشأت فيها عقيدة النص ودعوى الوصية من الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام). ومن هنا كان صواب ما ذهب إليه المعتزلة عندما قالوا: إن فترة إمامة جعفر الصادق (عليه السلام), وهي التي نهض فيها هشام بن الحكم بدور واضع قواعد التشيع ومهندس بنائه الفكري, هي الفترة التي يؤرخ بها لهذه النشأة(21).


مرحلة التأصيل والتجذير

بدأت هذه المرحلة في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله).

أهداف هذه المرحلة:

في هذه المرحلة تم إنجاز هدفين على يدي الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله):

1- تأصيل الصيغة الإصطلاحية.

2- تأصيل الصيغة المضمونية (القيادة والإمامة).


الهدف الأول:

تأصيل الصيغة الإصطلاحية (الكلمة): من خلال قراءة المصادر التاريخية, وكتب الحديث والتفسير واللغة نستطيع أن نتعرف على البدايات الأولى لولادة مصطلح (الشيعة).

ففي مناسبات عدة طرح الرسول (صلى الله عليه وآله) هذا المصطلح, وجذره في وعي الأمة, وأصله في ذاكرتها وعمقه في وجدانها.

وبحجم ما اكدت توجيهات الرسول (صلى الله عليه وآله), وخطاباته هذا المصطلح, فقد تكونت نخبة متميزة من صحابة الرسول (صلى الله عليه وآله) كسلمان الفارسي, وأبو ذر الغفاري, وعمار بن ياسر, والمقداد, تحمل هوى وحبا نحو علي بن أبي طالب, وفي أيام الرسول (صلى الله عليه وآله) حتى أصبح لفظ (الشيعة) لقبا لهؤلاء الصحابة.

ذكر أبو حاتم في كتاب (الزينة): (إن أول اسم لمذهب ظهر في الإسلام هو الشيعة, وكان هذا لقب أربعة من الصحابة: أبو ذر, وعمار, والمقداد, وسلمان الفارسي...)(22).

وقال الخونساري في روضات الجنات: اختص باسم الشيعة أولا سلمان الفارسي, وأبو ذر الغفاري, ومقداد بن الأسود, وعمار بن ياسر في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لملازمتهم علي بن أبي طالب (عليه السلام)(23).

نماذج من النصوص:

1- ابن عساكر في تاريخه: عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي (صلى الله عليه وآله) فأقبل علي (عليه السلام) فقال النبي (صلى الله عليه وآله): (والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة).

فنزل قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية)(24).

2- ابن حجر في (الصواعق المحرقة): عن ابن عباس قال: لما أنزل الله تعالى (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية). قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): (هم أنت وشيعتك تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين, ويأتي عدوك غضابا مقمحين)(25).

3- القندوزي الحنفي في (ينابيع المودة): عن أم سلمة (رضي الله عنها) قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (علي وشيعته هم الفائزون يوم القيامة)(26).

4- الشبلنجي في(نور الأبصار): عن ابن عباس قال: لما نزلت الآية: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية)(27). قال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): (أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيين ويأتي أعدائك غضابا مقمحين)(28).

5- الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل: أخرج بالإسناد إلى علي (عليه السلام), قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (يا علي ألم تسمع قول الله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) هم شيعتك وموعدي وموعدك الحوض يدعون غرا محجلين)(29).

6- الكنجي الشافعي في كفاية الطالب: عن جابر بن عبد الله, قال: كنا عند النبي (صلى الله عليه وآله) فأقبل علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال النبي (صلى الله عليه وآله): قد أتاكم أخي, ثم التفت إلى الكعبة فضربها بيده, ثم قال: والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة, ثم إنه أولكم إيمانا, وأوفاكم بعهد الله, وأقومكم بأمر الله وأعدلكم في الرعية, وأقسمكم بالسوية, وأعظمكم عند الله مزية, قال: ونزلت (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية)(30).

7- الخوارزمي في كتاب المناقب: عن جابر, قال: كنا عند النبي (صلى الله عليه وآله) وأقبل علي (عليه السلام) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قد أتاكم أخي, ثم التفت إلى الكعبة فضربها بيده, ثم قال: والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة, ثم قال: إنه أولكم إيمانا معي وأوفاكم بعهد الله وأقومكم بأمر الله وأعدلكم في الرعية وأقسمكم بالسوية وأعظمكم عند الله مزية, قال: ونزلت فيه (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية), قال: فكان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أقبل علي (عليه السلام) قالوا: قد جاء خير البرية(31).

8- الطبري في تفسيره: عن محمد بن علي, قال: لما نزلت الآية (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية), فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت يا علي وشيعتك(32).

9- السيوطي في الدر المنثور: عن علي, قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لي: ألم تسمع قول الله تعالى (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية), أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب تدعون غرا محجلين(33).

10- المناوي في كنوز الحقائق: ذكر أن شيعة علي هم الفائزون(34).

وذكرت كثير من المصادر هذه الألفاظ منها:

1- ابن الصباغ المالكي: الفصول المهمة ص107/ ط بيروت.

2- الشوكاني: فتح القدير ج5 ص398/ ط بيروت.

3- الزرندي: نظم درر السمطين ص92/ ط بيروت.

4- البلاذري: أنساب الأشراف ص182/ ط بيروت.

5- الألوسي: روح المعاني ج16 ص370/ ط بيروت.

6- السبط بن الجوزي: تذكرة الخواص ص27/ ط بيروت.

7- السيوطي: الدر المنثور ج6 ص379/ ط بيروت.


الهدف الثاني:

تأصيل الصيغة المضمونية (القيادة)، (تأصيل مضمون الإمامة): لتناول هذا الجانب إسلوبان:

الأول: اعتماد النصوص والأحاديث.

الثاني: الدراسة التحليلية العقلية.

ونؤجل الأسلوب الأول, إلى الفصل القادم, ونطرح هنا الأسلوب الثاني, لاستكشاف دور الرسول (صلى الله عليه وآله) في تأصيل الصيغة القيادية الإمتدادية...

الرسول (صلى الله عليه وآله) ومستقبل الدعوة والقيادة: كيف تعامل الرسول (صلى الله عليه وآله) مع مستقبل الدعوة والقيادة؟

نعني بمستقبل الدعوة والقيادة, مرحلة ما بعد انتقال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى... وأمام هذا التساؤل ثلاثة احتمالات:

الأول: السلبية (الصمت واللامبالاة).

الثاني: تفويض الإختيار إلى الأمة (مبدأ الشورى).

الثالث: النص والتعيين.

الإحتمال الأول:

السلبية (الصمت واللامبالاة):

هذا الاحتمال مرفوض, لأنه يستبطن ثلاث دلالات خاطئة:

الدلالة الأولى:

غياب الرؤية المستقبلية عند الرسول (صلى الله عليه وآله): وهذا يتنافى:

1- مع التصور الإيماني لشخصية الرسول (صلى الله عليه وآله) بما تحمله من خصوصية النبوة والإتصال الغيبي.

2- مع الواقع الموضوعي الذي برهن على توافر هذه الرؤية.

وقد أكدت ذلك النصوص التي تحدث عن حالة الإرتداد في داخل الأمة, كما روت مصادر الحديث:

1- البخاري في صحيحه بالإسناد إلى أبي وائل, قال: قال عبد الله: قال النبي (صلى الله عليه وآله): (أنا فرطكم على الحوض ليرفعن إلي رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم إختلجوا دوني فأقول: أي ربي أصحابي, فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك)(35).

2- صحيح البخاري: عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: (أنا فرطكم على الحوض من ورده شرب منه ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا, ليرد علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم)(36).

3- صحيح مسلم: عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (إني على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم وسيؤخذ أناس دوني فأقول: يا رب! مني ومن أمتي, فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك, والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم)(37).

4- صحيح مسلم: عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (أنا فرطكم على الحوض, ولأنازعن أقواما ثم لأغلبن عليهم فأقول: يا رب! أصحابي... أصحابي... فيقال: إنك لا تدري ما احدثوا بعدك)(38).

5- صحيح مسلم: عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رأيتهم ورفعوا إلي, اختلجوا دوني, فلأقولن: أي رب أصحابي أصحابي, فليقالن لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)(39).


الدلالة الثانية:

مستقبل الدعوة والأمة لا يدخل ضمن اهتمامات الرسول (صلى الله عليه وآله) وهذا يتناقض:

1- مع الاعتقاد بخاتمية الرسالة الإسلامية وعالميتها.

2- مع الإيمان بالجانب الرسالي في شخصية الرسول (صلى الله عليه وآله).

3- مع الواقع التاريخي الذي برهن على اهتمامات الرسول (صلى الله عليه وآله) بقضايا الرسالة المستقبلية...

ومن الشواهد التاريخية على هذا الاهتمام:

1- قضية جيش أسامة: (كان (صلى الله عليه وآله) على فراش الموت وقد ثقل مرضه, وهو يحمل هم معركة كان قد خطط لها, وجهز جيش أسامة لخوضها, فكان يقول: (جهزوا جيش أسامة, أرسلوا بعث أسامة... ويكرر ذلك ويغمى عليه بين الحين والحين)(40).

2- قضية الدواة والكتف: دونت هذه القضية أهم مصادر الحديث:

1- صحيح البخاري: وردت قضية الدواة والكتف في عدة مواقع من صحيح البخاري:

أ- صحيح البخاري: عن ابن عباس قال: لما اشتد بالنبي (صلى الله عليه وآله) وجعه, قال: إيتوني بكتاب, أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده, قال عمر: إن النبي (صلى الله عليه وآله) غلبه الوجع, وعندنا كتاب الله, حسبنا, فاختلفوا وكثر اللغط, قال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع, فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين كتابه(41).

ب- صحيح البخاري: عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء, فقال: اشتد برسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعه يوم الخميس فقال: إئتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا, فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع, فقالوا: هجر رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه)(42).

ج- صحيح البخاري: (عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس (رضي الله عنهما): يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بل دمعه الحصى, قلت: يا ابن عباس وما يوم الخميس, قال: اشتد برسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعه فقال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع, فقالوا: ماله أهجر استفهموه فقال: (ذروني فالذي انا فيه خير مما تدعوني إليه)(43).

د- صحيح البخاري: عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب, قال النبي (صلى الله عليه وآله): هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. فقال عمر: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن, حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي (صلى الله عليه وآله) كتابا لن تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر, فلما أكثروا اللغو والإختلاف عند النبي (صلى الله عليه وآله) قال الرسول (صلى الله عليه وآله): قوموا, قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: (إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين ان يكتب لهم الكتاب من اختلافهم ولغطهم)(44).

2- صحيح مسلم: ذكرها بثلاث طرق:

أ- عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: يوم الخميس ما يوم الخميس ثم بكى حتى بل دمعه الحصى, فقلت: يا ابن عباس ما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعه فقال: (ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي). فتنازعوا وما ينبغي عند نبي تنازع وقالوا: ما شأنه؟ أهجر, استفهموا قال (صلى الله عليه وآله): (دعوني فالذي أنا فيه خير)(45).

ب- عن طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: يوم الخميس ما يوم الخميس, ثم جعل تسيل دموعه حتى رؤيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ, قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ايتوني بالكتف والدواة (اللوح والدواة) أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا). فقالوا: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يهجر(46).

ج- عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: (لما حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب, فقال النبي (صلى الله عليه وآله): هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. فقال عمر: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن, حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا, فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتابا لن تضلوا بعده, ومنهم من يقول ما قال عمر, فلما أكثروا اللغو والإختلاف عند رسول الله (صلى الله عليه وآله), قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قوموا)(47).


الدلالة الثالثة:

الإعتقاد بأن الأمة وحدها قادرة على احتواء الموقف بكل تناقضاته الحادة, بنحو يحمي الدعوة من خطر الإنهيار, ويصون المسيرة من منزلقات الإنحراف.

وهذا الإعتقاد غير وارد:

1- لأن خلو الساحة من قائد بمستوى النبي (صلى الله عليه وآله) يضع الأمة أمام صدمة عنيفة تفقدها القدرة على اتخاذ القرار الصائب.

2- الأمة لم تكتمل صياغتها بالدرجة التي تؤهلها أن تمارس دورها بدون ترشيد وتخطيط من قبل القيادة المتمثلة في الرسول (صلى الله عليه وآله).

3- وجود مجموعة أخطار تهدد مستقبل الدعوة والرسالة:

- التناقضات التي تعيش في داخل الأمة.

- طابور المنافقين المتستر.

- إرهاصات الإرتداد وادعاءات النبوة التي بدأت تتحرك هنا وهناك.


الخلاصة:

من خلال ما مر من نقاط, يتضح لنا فساد (الإحتمال الأول).

الإحتمال الثاني:

تفويض الإختيار إلى الأمة (مبدأ الشورى): هذا الاحتمال يفترض أن الرسول (صلى الله عليه وآله) قد منح الأمة صلاحية إختيار القيادة الفكرية والروحية والسياسية التي ترعى المسيرة وتصون التجربة, وذلك من خلال مبدأ الشورى.

ولنا حول هذا الاحتمال عدة مناقشات وإشكالات:

الإشكال الأول: عدم توافر النص الذي يدعم هذا الاتجاه: فليس في الروايات التي بين أيدينا والمدونة في مصادر الحديث المعتمدة ما يشير إلى ذلك, في حين أن المسألة في هذا الاتجاه لو كانت مطروحة من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله) لكان لها وجود واضح في خطابات الرسول (صلى الله عليه وآله) وبياناته لتوافر الدواعي والأسباب لذكرها وعدم إخفائها ومصادرتها:

أ- فهي تخدم الإتجاه الذي تسلم زعامة الأمة.

ب- حداثة هذا المبدأ في ذهنية الأمة مما يفرض توعية مكثفة وطرحا مركزا.

فغياب النص يلغي هذا الاحتمال تماما.

آيات الشورى في القرآن: قد يقال بأن آيات الشورى الي وردت في القرآن تدعم هذا الاتجاه... فأمامنا نصان قرآنيان يتحدثان عن الشورى:

النص الأول:

قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم, ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك, فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر, فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين)(48).

النص الثاني:

قوله تعالى: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة, وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون)(49).

فهل النصان يطرحان (مبدأ الشورى) كصيغة سياسية لاختيار القيادة؟

نجيب عن هذا التساؤل ضمن النقاط التالية:

1- النصان أجنبيان عن موضوع القيادة والخلافة: فالنص الاول توجيه للرسول (صلى الله عليه وآله) ان يدعو المسلمين إلى القتال بأسلوب المشاورة, مع تأكيد النص بأن الموقف مناط بعزم الرسول (صلى الله عليه وآله) وقناعاته لا بمشورة المسلمين, وقد برهنت حالات المشاورة على صوابية إختيار الرسول (صلى الله عليه وآله) كما حدث في غزوة بدر(50).

وأما النص الثاني فلا يستفاد منه أكثر من رجحان التشاور بين المؤمنين في أمورهم(51).

2- التشاور لا يمكن أن يكون في القضايا التي ورد فيها تحديد شرعي, فليس لأحد صلاحية في قبال تشريعات الله تعالى... قال الله تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة)(52).

وقال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم, ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا)(53).

ومسألة الإمامة تدخل ضمن المساحة المحددة شرعا, كما سنثبت ذلك, فهي بالتالي تكون خارجة عن الدائرة التي تعالجها آيات الشورى...

3- قضية القيادة والإمامة لا يمكن أن تناط بالأمة لعدة اعتبارات:

أ- الإعتبار الشرعي: حيث حددت النصوص مسألة الإمامة كما سنرى..

ب- الإعتبار الفكري: حيث تمثل الإمامة (المرجعية) التي تمون الأمة بالرؤى والأفكار والتصورات والتشريعات, فلا يمكن أن يعطى للأمة صلاحية تحديدها وإختيارها.

ج- الإعتبار النفسي: فقضية القيادة تملك حساسية كبيرة وتتأثر بانفعالات الناس وعواطفهم وتوجهاتهم الفكرية والنفسية وإنتماءاتهم العقائدية والإجتماعية والسياسية, فمن الصعب أن تترك لإختياراتهم.

د- الإعتبار العقلي: فالأمة مهما توافرت على أعلى المستويات من النزاهة والموضوعية والتحرر من المؤثرات واللاشعورية, فإنها تبقى محكومة للرؤية العقلية المحدودة العاجزة عن (إختيار الأصلح).

الإشكال الثاني: ويواجه صيغة الشورى إشكال (الغموض التشريعي) ونعني به عدم وضوح المعالم التشريعية لهذه الصيغة, فلا نملك بين أيدينا تحديدا تشريعيا لهذا المبدأ السياسي الجديد.

- معناه وحدوده وتفاصيله؟

- موازينه ومقاييسه وضوابطه؟

- أدواته التنفيذية ووسائله التطبيقية؟

فالقول بأن الرسول (صلى الله عليه وآله) قد طرح هذا المبدأ وألزم الامة بتنفيذه يفرض:

أولا: أن يقوم الرسول (صلى الله عليه وآله) بتحديد معالمه الواضحة.

ثانيا: أن يمارس (صلى الله عليه وآله) إعدادا فكريا وروحيا وسياسيا للتعاطي مع هذا المبدأ.

ثالثا: أن يهيء نماذج متعددة مؤهلة لتولي زعامة التجربة وقيادتها, والإشراف على التشريع وتنفيذه.

فهل نجد في النصوص والأحاديث المدونة في المصادر المعتمدة عند المسلمين ما يجيب عن تلك التساؤلات ويملأ تلك الفراغات؟

نقول بكل جزم أن النصوص لا تسعفنا في الإجابة, ولا نلمس من خلالها أي إشارة تحاول أن تعالج تلك الإبهامات والإشكالات, وتنفي كل ألوان الغموض التي تواجه نظام الشورى, كمبدأ سياسي يمس أخطر قضية في البنية الفكرية والاجتماعية والسياسية.


الإشكال الثالث:

الإشكالية الثالثة التي تواجه أطروحة الشورى أنها لم تتوافر على أي لون من ألوان التطبيق في واقع التجربة التي مارست السلطة وزعامة الأمة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله).

ورغم أن الاتجاه الذي تولى السلطة السياسية في هذه المرحلة هو صاحب التنظير لإطروحة الشورى إلا أننا لا نجد لها أي صدى في الممارسة العملية لاختيار القيادة وتعيين الزعامة.

1- المهاجرون والأنصار الذين حضروا (اجتماع السقيفة) لم يفكروا اطلاقا بذهنية الشورى بل لم يرد هذا المصطلح في الخطابات السياسية التي طرحت في ملتقى السقيفة, وهذا واضح من خلال المداولات والمناقشات والممارسات التي طغت على أجواء هذا اللقاء السياسي الأول من نوعه في تاريخ المسلمين, والذي تمخض عنه اختيار أبي بكر للخلافة وقيادة المسيرة.

وإن قراءة متأنية في الأوراق التاريخية التي احتفظت لنا بالملفات الوثائقية لوقائع اجتماع السقيفة, تمنحنا القناعة بصحة الرؤية المطروحة من قبلنا.

2- الخليفة الأول أبو بكر حينما حدد خليفته في زعامة المسلمين لم يتعاط مع نظام الشورى حيث حكم الضرورة السياسية في الإنفراد باتخاذ القرار في تعيين القيادة والسلطة بالنص المباشر على عمر بن الخطاب.

3- الخليفة الثاني عمر بن الخطاب أولك أمر التعيين إلى ستة من الصحابة, ضمن شروط وضوابط حددها لهم, ولم يجعل لبقية الأمة أي دور حقيقي في الاختيار, بل كان يتمنى إدراك أحد رجلين ليسند إليه الأمر, فحينما طلب منه الناس الاستخلاف قال: (لو أدركني أحد رجلين لجعلت هذا الأمر إليه, لوثقت به, سالم مولى أبي حذيفة, وأبي عبيدة بن الجراح, ولو كان سالم حيا ما جعلتها شورى)(54).

الخلاصة:

في ضوء ما أوردناه من ملاحظات وإشكالات نتجه إلى رفض (الاحتمال الثاني).

وللتعمق أكثر في فهم هذا الاتجاه ومناقشاته يمكن قراءة الكتب التالية:

1- بحث حول الولاية للمفكر الإسلامي الشهيد السيد محمد باقر الصدر.

2- السقيفة للحجة الشيخ محمد رضا المظفر.

3- معالم المدرستين للبحاثة السيد مرتضى العسكري.

4- السقيفة والخلافة للأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود.


الاحتمال الثالث: النص والتعيين

وهذا الاحتمال هو الذي يملك عناصر القبول والاختيار:

أولا: لأنه الاحتمال المتعين بعد إلغاء الاحتمالين الآخرين, فالقسمة العقلية تحصر الاحتمالات في ثلاثة:

أ- السلبية...

ب- التفويض للأمة...

ج- النص والتعيين...

فإذا سقط الاحتمالان الأول والثاني بقي الاحتمال الثالث هو المتعين...

ثانيا: ولتوافر النصوص الصريحة (كما سنرى) الدالة على إمامة علي بن أبي طالب (عليه السلام) والأئمة من ذريتهم (عليهم السلام).

فمن خلال هذين العنصرين:

الأول: الذي يؤكد صحة مبدأ النص والتعيين.

والثاني: الذي يحدد المصاديق القيادية.

نخلص إلى النتيجة التالية وهي: (أن الرسول (صلى الله عليه وآله) مارس دور التأصيل للمضمون القيادي, واتخذ كل الإجراءات اللازمة لحمايته وضمانة بقائه وديمومته).

وسوف نتناول هذا الموضوع بالتفصيل في الفصل القادم إن شاء الله.


مرحلة التجسيد والتطبيق

في المرحلة الأولى من مراحل التشيع والتي عاصرت الرسالة تم انجاز مهمتين:

الأولى: تأصيل الصيغة الاصطلاحية:

ومن خلال هذا التأصيل:

1- تكرس هذا المصطلح في ذهنية المسلمين.

2- وترسخت دلالاته الروحية والعاطفية والإيمانية في الواقع النفسي والشعوري والذهني للأمة.

الثانية: تأصيل المضمون القيادي:

ومن خلاله تم وضع (أطروحة الإمامة) في داخل البنية الإسلامية الفكرية والروحية والسياسية والاجتماعية, وتمثلت هذه الأطروحة في (زعامة الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)) بعد الرسول (صلى الله عليه وآله).

وفي المرحلة الثانية بدأت حالة التجسيد العملي لاطروحة الإمامة حيث اتجه شطر من الأمة يمثله صحابة كبار إلى الالتزام بالنص الشرعي على إمامة أهل البيت (عليهم السلام).

وبدأت المرحلة الثانية بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) مباشرة.


اتجاهان حول الخلافة:

بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) مباشرة تحرك في داخل الساحة الإسلامية اتجاهان حول مسألة الخلافة:

الاتجاه الأول:

الاتجاه التعبدي:

هذا الاتجاه كان يؤمن:

1- بالنص الصادر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حول إمامة علي بن أبي طالب (عليه السلام).

2- وبوجوب التعبد بهذا النص.

ممثلو الاتجاه الأول:

وقد مثل الاتجاه التعبدي نخبة من كبار الصحابة منهم:

1- سلمان الفارسي.

2- أبو ذر الغفاري.

3- عمار بن ياسر.

4- المقداد.

5- أبو أيوب الأنصاري.

6- خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين.

7- أبو الهيثم بن التيهان.

الاتجاه الثاني:

الاتجاه الاجتهادي:

وهذا الاتجاه كان يرى إمكانية الاجتهاد في نصوص الإمامة والتصرف فيها, ما دامت المسألة خارج دائرة العبادات والغيبيات. وقد اضطر هذا الاتجاه إلى تجميد اطروحة زعامة الإمام علي (عليه السلام) وإسناد السلطة إلى غيره حسب القرار الذي أنتجه (اجتماع السقيفة).

ممثلو هذا الاتجاه:

وقد مثل هذا الاتجاه الاجتهادي الذي قدر له أن يحكم ويتسلم زعامة السلطة, ويمتد في داخل الأمة عدد من الصحابة الكبار منهم:

1- أبو بكر.

2- عمر بن الخطاب.

3- عثمان بن عفان.

4- أبو عبيدة بن الجراح.

وللتعرف على المزيد من الإيضاحات حول:

- هذين الاتجاهين: التعبدي والاجتهادي.

- أو هاتين المدرستين: مدرسة أهل البيت ومدرسة الخلفاء.

- أو هاتين الاطروحتين: الإمامة والسقيفة..

تقرأ الكتب التالية:

1- بحث حول الولاية للشهيد محمد باقر الصدر.

2- معالم المدرستين للسيد مرتضى العسكري.

3- السقيفة للشيخ محمد رضا المظفر.


التشيع تجسيد لمبدأ الإمامة:

من خلال الفهم الذي طرحناه حول مسألة الإمامة, ومن خلال تحديد الاتجاه الذي تعاطى مع هذا الفهم يمكن أن نقول:

1- إن التشيع تجسيد لمبدأ الإمامة.

2- وإن التشيع نتاج طبيعي لحركة الدعوة.

3- وإن التشيع ولادة شرعية أنجبتها أحشاء الرسالة.

4- وإن التشيع تعبير أصيل لواقعية التجربة الإسلامية بما تحمله من طموحات كبيرة في استمرارية النمو الثوري والحركة التغييرية..

يقول المفكر الإسلامي الشهيد السيد محمد باقر الصدر: (وهكذا وجد التشيع في إطار الدعوة الإسلامية متمثلا في الأطروحة النبوية التي وضعها النبي (صلى الله عليه وآله) بأمر من الله للحفاظ على مستقبل الدعوة.

وهكذا وجد التشيع لا كظاهرة طارئة على مسرح الأحداث بل كنتيجة ضرورية لطبيعة تكون الدعوة وحاجاتها وظروفها الأصيلة التي كانت تفرض على الإسلام أن يلد التشيع.

وبمعنى آخر: كانت تفرض على القائد الأول للتجربة أن يعد قائدها الثاني, الذي تواصل على يده ويد خلفائه نموها الثوري, وتقترب نحو اكتمال هدفها التغييري في اجتثاث كل رواسب الماضي الجاهلي وجذوره, وبناء أمة جديرة على مستوى متطلبات الدعوة ومسؤولياتها)(55).

وهكذا ولدت الحالة الشيعية كجزء أصيل في مسيرة الرسالة, وكضرورة تحتمها حركة الدعوة.

وإن إلغاء هذه الحالة في جسم الرسالة, وفي كيان الدعوة يعني عملية بتر وتشويه للبنية المتناسقة في هذا الجسم, وعملية استئصال لأجزاء حية أساسية في هذا الكيان, ومحاولة خطيرة لتغيير المسار الطبيعي لحركة الإسلام, وتعطيل واضح لدور القيادة في مسيرة الأمة.

ونحن في فهمنا هذا للحالة الشيعية لا نصدر عن انفعالات مأسورة لتأثيرات انتمائية أو لضغوطات شعورية ولا شعورية وإنما هي القناعات الفكرية التي أنتجتها الرؤية المتأملة في الأدلة, وصاغتها حالة التعاطي الموضوعي مع النصوص.

أو بحسب تعبير الإمام شرف الدين في (مراجعاته) حيث قال: (إن تعبدنا في الأصول بغير المذهب الأشعري وفي الفروع بغير المذاهب الأربعة, لم يكن لتحزب أو لتعصب ولا لريب في اجتهاد أئمة تلك المذاهب ولا لعدم عدالتهم وأمانتهم ونزاهتهم, وجلالتهم علما وعملا, لكن الأدلة الشرعية أخذت بأعناقنا إلى الأخذ بمذهب الأئمة من أهل النبوة وموضع الرسالة, ومختلف الملائكة, ومهبط الوحي والتنزيل, فانقطعنا إليهم في فروع الدين وعقائده, وأصول الفقه وقواعده, ومعارف السنة والكتاب, وعلوم الأخلاق والسلوك والآداب, نزولا على حكم الأدلة والبراهين, وتعبدا بسنة سيد النبيين والمرسلين (صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين).

ولو سمحت لنا الأدلة بمخالفة الأئمة من آل محمد (صلى الله عليه وآله) أو تمكنا من تحصيل نية القربة لله سبحانه في مقام العمل على مذهب غيرهم لقصصنا أثر الجمهور وقفونا أثرهم, تأكيدا لعقد الولاء, وتوثيقا لعرى الإخاء, لكنها الأدلة القطعية تقطع على المؤمن وجهته وتحول بينه وبين ما يروم)(56).


مرحلة الوضوح والإمتداد

كانت البدايات الأولى لهذه المرحلة في عصر الإمام الباقر (عليه السلام) (الإمام الخامس من أئمة أهل البيت (عليهم السلام): 75- 14هـ)(57) حيث توافرت الظروف الموضوعية الملائمة لطرح الأفكار التفصيلية التي تبنتها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

وتنامت هذه الحركة التفصيلية في طرح الأفكار والمفاهيم وإبراز المعالم الواضحة لمدرسة الأئمة (عليهم السلام) في أيام الإمام الصادق (عليه السلام) (الإمام السادس من أئمة أهل البيت (عليهم السلام): 83- 148هـ)(58).

أهم أهداف هذه المرحلة:

توافرت المرحلة الثالثة على مجموعة أهداف, حاول الأئمة (عليهم السلام) من خلالها أن يعطوا لهذه المرحلة طابعها المتميز بالوضوح والامتداد مما أنتج حالة نشطة في الحركة الانتمائية إلى خط أهل البيت (عليهم السلام), بما يحمله هذا الخط من خصائص تجسد المضمون الأصيل للرسالة.

وقد اعتمد الأئمة (عليهم السلام) في هذه المرحلة مسارين متوازيين:

المسار الأول:

تأكيد الحالة الإسلامية العامة:

ويتجسد هذا المسار في الحفاظ على الهوية الإسلامية بكل عناصرها العامة, وتحصين الأمة في مواجهة أساليب التحريف والتمييع, وتأصيل المضامين التوحيدية في حركة المجتمع..

المسار الثاني:

تأكيد الحالة الانتمائية الخاصة:

ويتجسد هذا المسار في التوجه لبناء الكتلة الخاصة المنتمية إلى مدرسة الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام).

ومن خلال هذا المسار أعطى الأئمة (عليهم السلام) للحالة الشيعية خصائصها المتميزة فكريا وروحيا وسياسيا..

ولا يشكل هذا المنحى حالة تناقضية مع المنحى الأول, ولا يمثل تكريسا للصيغة التجزيئية في حركة الأمة, فالأئمة (عليهم السلام) وهم يمارسون بناء (الكتلة الخاصة) أكدوا على حقيقتين هامتين:

الأولى: التأكيد على الصبغة الإسلامية الأصيلة في كل ما يطرحون من أفكار ومفاهيم وتصورات, وهذا يعطي (للجماعة الخاصة) إنتماءها المشدود إلى القرآن والسنة وإلى كل المرتكزات المشتركة في حركة الأمة.

الثانية: التأكيد على حالة التواصل والانفتاح, والحضور الدائم في داخل الأمة.. وهذا يجنب (الجماعة المنتمية) النزعة الانعزالية الانزوائية, ويوفر أجواء مفتوحة أمام الرؤى والتصورات الأصيلة التي يريد الأئمة (عليهم السلام) إيصالها إلى ذهنية الأمة. وفي ضوء المسار الثاني المتمثل في بناء (الكتلة الصالحة) يمكن أن نحدد أهم أهداف المرحلة الثالثة ضمن النقاط التالية:

1- إيضاح المعالم التفصيلية.

2- إعداد الكوادر المؤهلة لحمل مسؤوليات هذه المرحلة.

3- توسيع القاعدة المنتمية إلى خط الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام).

ونحاول أن نتناول هذه الأهداف بشيء من التفصيل..

الهدف الأول:

إيضاح المعالم التفصيلية:

إذا كان التشيع في المرحلة الأولى يمثل نظرية, وفي المرحلة الثانية يمثل حالة تطبيقية لم تتوافر لها الظروف الموضوعية للوضوح والتجلي, فإنه في المرحلة الثالثة يمثل الحالة التطبيقية الواضحة في معالمها وأفكارها وأهدافها.

ولإبراز هذا الجانب نتناول مسألتين:

الأولى: مسألة الإمامة.

الثانية: مسألة الفقه والحديث.

المسألة الأولى:

مسألة الإمامة:

هذه المسألة كانت تملك وضوحا منذ تم وضع (اطروحة الإمامة) في داخل البنية الإسلامية على يد الرسول (صلى الله عليه وآله)... إلا أن الصيغة السياسية البديلة التي قدر لها أن تحكم زعامة الأمة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله), قد جمدت (اطروحة الإمامة) المتمثلة في زعامة الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام).

ومن خلال هذا التجميد والإلغاء, اختفت الكثير من معالم هذه الأطروحة, وبعثرت الأوراق الإثباتية التي كانت تملكها.. وقد تصدى أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم للدفاع عن هذه الأطروحة والحفاظ على مستنداتها ووثائقها التاريخية..

ويمثل موقف التصدي والدفاع عن مسألة الإمامة دورا مشتركا مارسه الأئمة من اهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم في كل المراحل التاريخية.

فمنذ اليوم الأول لتجميد أطروحة الإمامة عقب (قرار السقيفة) برزت مواقف التصدي والدفاع.

ولعل موقف الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمثل أبرز وأجرأ المواقف المتصدية لقرار السقيفة, حيث قالت: بعد كلام طويل: ففرض الله الإيمان تطهيرا لكم من الشرك, والصلاة تنزيها عن الكبر, والصيام تثبيتا للإخلاص, والزكاة تزييدا في الرزق, والحج تسلية للدين, والعدل تنسكا للقلوب, وطاعتنا نظاما, وإمامتنا أمنا من الفرقة, وحبنا عزا للإسلام(59).

المرحلة الثالثة ومسألة الإمامة:

من خلال ما توافرت عليه هذه المرحلة من إمكانات ملائمة لطرح مفاهيم مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) فقد حظيت مسألة الإمامة باهتمام كبير من قبل الأئمة (عليهم السلام) وأتباعهم, والشواهد على هذا الاهتمام كثيرة نذكر منها:

1- الأحاديث المكثفة الصادرة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) حول مسألة الإمامة.

2- الاحتجاجات العقائدية والمناظرات الكلامية التي مارستها الكوادر المنتمية إلى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).


3- الكتابات حول مسألة الإمامة.

1- الأحاديث المكثفة حول مسألة الإمامة:

فقد أكد أئمة هذه المرحلة في أحاديثهم وكلماتهم على قضية الإمامة, للحفاظ على منطلقاتها الأصيلة في مسار الرسالة وحركة الدعوة والتصدي لمحاولات المصادرة التي ألغت خط الإمامة في واقع السلطة وفي واقع الأمة..

ونضع بين يدي القارئ نماذج محدودة كعينات من النصوص الصادرة عن الأئمة (عليهم السلام) في هذه المرحلة:

1- أحاديث صادرة عن الإمام الباقر (عليه السلام).

2- أحاديث صادرة عن الإمام الصادق (عليه السلام).

أحاديث صاردة عن الإمام الباقر (عليه السلام):

1- قال (عليه السلام): (إن الائمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كعدد نقباء بني إسرائيل, وكانوا اثني عشر, الفائز من والاهم, والهالك من عاداهم)(60).

2- وقال (عليه السلام): (نحن اثنا عشر إماما, منهم حسن وحسين, ثم الأئمة من ولد الحسين (عليه السلام))(61).

3- وقال (عليه السلام): (الأئمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) اثنا عشر, الثاني عشر هو القائم (عليه السلام))(62).

4- وقال (عليه السلام): (تكون تسعة أئمة بعد الحسين بن علي تاسعهم قائمهم)(63).

5- وقال (عليه السلام): (إن الله عز وجل أرسل محمدا (صلى الله عليه وآله) إلى الجن والإنس وجعل من بعده اثني عشر وصيا)(64).


أحاديث صادرة عن الإمام الصادق (عليه السلام):

1- وقال (عليه السلام): (الأئمة اثنا عشر....)(65).

2- وقال (عليه السلام): (نحن اثنا عشر مهديا).

3- عن عبد الله بن أبي الهذيل سأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن الإمامة في من تجب؟ وما علامة من تجب له الإمامة؟

فقال (عليه السلام): (إن الدليل على ذلك, والحجة على المؤمنين, والقائم بأمور المسلمين والناطق بالقرآن, والعالم بالأحكام, أخو نبي الله (صلى الله عليه وآله), وخليفته على أمته, ووصيه عليهم, ووليه الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى, المفروض الطاعة بقول الله عز وجل: (ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)(67).

الموصوف بقوله عز وجل: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)(68). المدعو إليه بالولاية, المثبت له الإمامة يوم غدير خم بقول الرسول (صلى الله عليه وآله) عن الله عز وجل: (ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى, قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه, اللهم وال من والاه, وعاد من عاداه, وانصر من نصره, واخذل من خذله, وأعن من أعانه).

ذلك علي بن أبي طالب, أمير المؤمنين, وإمام المتقين, وقائد الغر المحجلين, وأفضل الوصيين, وخير الخلق أجمعين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ثم الحسنان سبطا رسول الله, وابنا خيرة النسوان, ثم علي بن الحسين, ثم محمد بن علي, ثم جعفر بن محمد, ثم موسى بن جعفر, ثم علي بن موسى, ثم محمد بن علي, ثم علي بن محمد, ثم الحسن بن علي, ثم ابن الحسن (عليه السلام)...

وهم عترة الرسول (صلى الله عليه وآله), المعروفون بالوصية والإمامة, لا تخلو الأرض من حجة, والحجة على أهل الدنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, وكل من خالفهم ضال مضل تارك للحق والهدى, وهم المعبرون عن القرآن, والناطقون عن الرسول (صلى الله عليه وآله) بالبيان, وأن من مات ولا يعرفهم مات ميتة جاهلية, ودينهم الورع والعفة والصدق, والصلاح والاجتهاد...)(69).


2- الاحتجاجات العقائدية والمناظرات الكلامية:

في الفترة التي عاصرت هذه المرحلة من مراحل التشيع نشطت الحركة الكلامية بما زخرت به من حوارات ومناظرات عقائدية ومذهبية, أعطت للخلاف بين الفرق والمذاهب طابعا جديدا طغت عليه الصنعة الجدلية والعقلية.

وقد خاضت الكوادر التي أنتجتها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في هذه المرحلة معركة الحوارات والمناظرات بما تملكه من مؤهلات علمية متميزة صاغتها الرعاية الخاصة التي مارسها الأئمة (عليهم السلام) في إعداد هذه الكوادر.

ونطرح مثالا واحدا من تلك المناظرات لواحد من كوادر مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وهو(هشام بن الحكم)، هشام بن الحكم من متكلمي الشيعة المتميزين بقوة البديهة والحجة, كان مناظرا حاذقا, ومحاورا جريئا, ومدافعا صلبا عن عقيدة الإمامة.

قال ابن النديم في الفهرست: (هشام بن الحكم من متكلمي الشيعة, ممن فتق الكلام في الإمامة, وهذب المذهب والنظر, وكان حاذقا بصناعة الكلام, حاضر الجواب)(70).

وقال الزركلي: (هشام بن الحكم الشيباني بالولاء, الكوفي, أبو محمد: متكلم مناظر, كان شيخ الإمامية في وقته, ونشأ بواسط, وسكن بغداد, وكان حاضر الجواب, وصنف كتبا منها: (الإمامة) و(القدر) و(الشيخ والغلام) و(الدلالات على حدوث الأشياء) و(الرد على المعتزلة في طلحة والزبير) و(الرد على الزنادقة) و(الرد على من قال بإمامة المفضول))(71).

وقال الدكتور أحمد أمين: (أما هشام بن الحكم فيظهر أنه أكبر شخصية شيعية في علم الكلام, كان من تلاميذ جعفر الصادق (عليه السلام), وكان جدلا قوي الحجة, ناظر المعتزلة وناطروه, ونقلت له في كتب الأدب مناظرات كثيرة تدل على حضور بديهته وقوة حجته)(72).

وقد وردت في حق هشام بن الحكم روايات مدح وثناء من قبل الأئمة (عليهم السلام):

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (يا هشام لا زلت مؤيدا بروح القدس)(73).

وقال (عليه السلام): (هذا ناصرنا بقلبه ولسانه)(74).

وقال الإمام الرضا (عليه السلام) عنه: (رحمه الله ما كان أذيه عن هذه الناحية)(75).

المناظرة بين هشام بن الحكم وزعيم المعتزلة:

(يحدثنا هشام بن الحكم عن المناظرة الكلامية التي دارت بينه وبين عمرو بن عبيد زعيم المعتزلة...

يقول هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة, وعظم ذلك علي, فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم الجمعة, وأتيت مسجد البصرة, فإذا أنا بحلقة كبيرة, وإذا بعمرو بن عبيد عليه شملة سوداء مؤتزر بها من صوف, وشملة مرتدي بها, والناس يسألونه, فاستفرجت الناس فأفرجوا لي, ثم قعدت في آخر القوم على ركبتي ثم قلت: أيها العالم أنا رجل غريب أتأذن لي فأسألك عن مسألة؟

قال: سل.

قلت: ألك عين؟

قال: يا بني أي شيء هذا السؤال؟

فقلت: هذه مسألتي.

قال: سل وإن كانت مسألتك حمقى.

قلت: أجبني فيها.

فقال لي: سل.

فقلت: ألك عين؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع بها؟

قال: أرى بها الألوان والأشخاص.

قلت: ألك أنف؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟

قال: أشم به الرائحة.

قلت: ألك لسان؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟

قال: أتكلم له.

قلت: ألك أذن؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع بها؟

قال: أسمع بها الأصوات.

قلت: ألك يدان.

قال: نعم.

قلت: فما تصنع بهما؟

قال: أبطش بهما, وأعرف بهما اللين من الخشن.

قلت: ألك رجلان؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع بهما؟

قال: أنتقل بهما من مكان إلى مكان.

قلت: ألك فم؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟

قال: أعرف به المطاعم والمشارب على اختلافها.

قلت: ألك قلب؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟

قال: أميز به كل ما ورد على هذه الجوارح.

قلت: أفليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟

قال: لا.

قلت: وكيف ذاك وهي صحيحة سليمة؟

قال: يا بني إن الجوارح إذا شكت في شيء شمته او رأته أو ذاقته ردته إلى القلب, فيتيقن بها اليقين وأبطل الشك.

قلت: فإنما أقام الله القلب لشك الجوارح؟

قال: نعم.

قلت: لا بد من القلب وإلا لم تستيقن الجوارح؟

قال: نعم.

قلت: يا أبا مروان إن الله تبارك وتعالى لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماما يصحح لها الصحيح وينفي ما شكت فيه, ويترك هذا الخلق كله في حيرتهم وشكهم واختلافهم, لا يقيم لهم إماما يردون إليه شكهم وحيرتهم, ويقيم لك إماما لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكك..

قال: فسكت ولم يقل شيئا(76).


3- الكتابات حول مسألة الإمامة:

وتمثل هذه الظاهرة إحدى الدلالات التي عبرت عن اهتمام المرحلة الثالثة بمسألة الإمامة, ففي هذه المرحلة تحركت مجموعة فعاليات فكرية وثقافية للدفاع عن قضية الإمامة والحفاظ على نصوصها وأدلتها, وقد أنتجت المرحلة عدة مؤلفات تناولت مسالة الإمامة, ومن أمثلتها:

1- كتاب(الإمامة)

المؤلف: أبو جعفر محمد بن علي الكوفي الملقب (بمؤمن الطاق) وهو من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام).

2- كتاب (الإمامة)

المؤلف: الخليل بن أحمد النحوي العروضي (ت 160 أو170هـ) وهو من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام).

3- كتاب(الإمامة)

المؤلف: هشام بن الحكم الكوفي (ت179هـ) وهو من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام).

4- كتاب(الإمامة)

المؤلف: أبو جعفر السكاك (تلميذ هشام بن الحكم).

5- كتاب (الإمامة)

المؤلف: أبو جعفر أحمد بن الحسين الصيقل الكوفي من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام).

6- كتاب (الإمامة)

المؤلف: عبد الله بن مسكان وهو من أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام).

7- كتاب (الإمامة)

المؤلف: أبو يوسف يعقوب بن نعيم الكاتب وهو من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام).

المسألة الثانية:

الفقه والحديث:

توافرت المرحلة الثالثة على مجموعة عوامل ساهمت في انتشار علوم آل محمد (صلى الله عليه وآله), ومن هذه العوامل:

1- التزامن مع المرحلة التاريخية التي شهدت نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية, وتمتد هذه الفترة التاريخية من سنة (95هـ) حتى سنة (170هـ) وقد عاصر هذه الفترة ثلاثة من أئمة أهل البيت (عليهم السلام):

أ- الإمام الباقر (عليه السلام)(57- 114هـ).

ب- الإمام الصادق (عليه السلام)(83- 148هـ).

ج- الإمام الكاظم (عليه السلام)(128- 183هـ)(77).

2- نمو الحركة العلمية بما أفرزته من انفتاحات فكرية على آفاق مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وعلوم الأئمة (عليهم السلام).

3- حركة التأليف والكتابة:

وقد ساهمت الحركة الكتابية في الاحتفاظ بنتاجات مدرسة أهل البيت في شتى المجالات العقائدية والفكرية والفقهية والعلمية..

علامات بارزة:

ومن الشواهد التي تؤكد حالة التميز لهذه المرحلة في مجالات الفقه والحديث:

1- عدد الرواة:

قال الشيخ المفيد وهو يتحدث عن الإمام الصادق (عليه السلام): (فإن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه (عليه السلام) من الثقات على الختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف رجل)(78).

وقال ابن شهر آشوب في المناقب:

(نقل عن الصادق (عليه السلام) من العلوم ما لا ينقل عن أحد, وقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات وكانوا أربعة آلاف رجل)(79).

وقال الحسن الوشاء:

أدركت في هذا المسجد (مسجد الكوفة) تسعمائة شيخ كل يقول: (حدثني جعفر بن محمد)(80).

وقال الطبرسي في أعلام الورى: (ولم ينقل عن أحد من سائر العلوم ما نقل عنه. وإن أصحاب الحديث قد جمعوا أسامي الرواة عنه من الثقاة على اختلافهم من المقالات والديانات فكانوا أربعة آلاف رجل(81).

ونص الشيخ شمس الدين محمد بن مكي الشهيد في أول الذكرى أنه كتب من أجوبة مسائل أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أربعة آلاف رجل من العراق والحجاز وخراسان والشام(82).

وقال المحقق الحلي في المعتبر:

(روى عن الصادق (عليه السلام) ما يقرب أربعة آلاف رجل)(83).

2- كبار أئمة الحديث والفقه من رواد مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام): ومن العلامات البارزة في هذه المرحلة, وجود عدد من كبار أئمة الحديث والفقه المنتمين إلى مختلف الفرق والمذاهب ضمن تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام), ومن هؤلاء:

1- أبو حنيفة - إمام المذهب الحنفي (80- 150هـ):

انقطع إلى مجلس الإمام الصادق (عليه السلام) طوال عامين قضاهما بالمدينة, وفيهما يقول: (لولا السنتان لهلك النعمان)(84).

قال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي في كتابه (مطالب السؤول) وهو يتحدث عن الإمام الصادق (عليه السلام): نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من الأئمة وأعلامهم مثل يحيى بن سعيد الأنصاري وابن جريح ومالك بن أنس والثوري وابن عيينة وشعبة وأيوب وغيرهم(85).

وقال ابن حجر المكي في الصواعق المحرقة وهو يتحدث عن الإمام الصادق (عليه السلام): (ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان, وروى عنه الأئمة الكبار كيحيى بن سعيد وابن جريح ومالك والسفياني وأبو حنيفة وشعبة...)(86).

وجاء في هوامش الصواعق: (وله (للإمام الصادق) منزلة رفيعة في العلم, أخذ عنه جماعة, منهم الإمام أبو حنيفة ومالك, ولقب بالصادق لأنه لم يعرف عنه الكذب قط, كان جريئا صداعا بالحق)(87).

2- مالك بن أنس- إمام المذهب المالكي (93- 179هـ): وكان من رواد مجلس الإمام الصادق (عليه السلام) وممن نهلوا من علومه, واستفادوا من دروسه, كما صرح بذلك ابن طلحة الشافعي في كتابه (مطالب السؤول): نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من الأئمة وأعلامهم مثل يحيى بن سعيد الأنصاري وابن جريح ومالك بن أنس والثوري وابن عيينة وشعبة وأيوب وغيرهم(88).

وابن حجر في كتابه (الصواعق المحرقة), حيث قال: ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان, وروى عنه الأئمة الاكابر كيحيى بن سعيد وابن جريح ومالك والسفيانيين وأبي حنيفة وأيوب والسختياني(89).

وأكد ذلك الكثير من الباحثين والدارسين والعلماء والكتاب.

ملاحظة:

الشافعي يعد من تلامذة مالك بن أنس, كما أن أحمد بن حنبل (إمام المذهب الحنبلي) يعد من تلامذة الإمام الشافعي وبناء على ذلك فإن الإمام الصادق (عليه السلام) يعتبر أستاذ الأئمة الأربعة.

3- سفيان الثوري (95- 161هـ)

وهو أحد الأعلام الكبار ومن رؤساء المذاهب الفقهية التي لم يكتب لها الانتشار, وقد حضر مجلس الإمام الصادق واستفاد من علومه وروى حديثه كما صرح بذلك ابن حجر حيث قال: ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان, وروى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد وابن جريح ومالك والسفيانيين وأبي حنيفة وأيوب والسختياني(90).

وقال أسد حيدر:

(سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي المتوفي سنة161هـ, أحد الأعلام ومن رجال الصحاح الستة, ورؤساء المذاهب البائدة, كان كثير التردد على الإمام الصادق, وله أخبار كثيرة يرويها عنه ابن داوود والحلبي والكشي)(91).

3- الأصول المعتمدة في الحديث:

وفي هذه المرحلة دونت (الأصول الأربعمائة) التي ضمت الأحاديث الصادرة عن الإمام الصادق (عليه السلام) في شتى المجالات العقائدية والفقهية ومختلف العلوم الإسلامية.

فكان أصحابه (عليه السلام) وتلامذته إذا سمعوا منه حديثا بادروا إلى إثباته وتدوينه وكتابته, وبذلك استطاعوا أن يحتفظوا بجميع ما صدر عن الإمام (عليه السلام) من أحاديث ومسائل في عدة مصنفات سميت (بالأصول الأربعمائة).

قال الشيخ الطبرسي في (أعلام الورى): روى عن الصادق (عليه السلام) في أبوابه من مشهوري أهي العلم أربعة آلاف إنسان وصنف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب وهي معروفة بكتب الأصول, رواها أصحابه وأصحاب أبيه من قبله وأصحاب ابنه أبي الحسن موسى (عليه السلام) ولم يبق فن من فنون العلم إلا روي عنه فيه أبواب(92).

وقال المحقق الحلي في (المعتبر): (كتبت من أجوبة مسائل جعفر بن محمد أربع مئة مصنف سموها أصولا)(93).

وقال الشهيد الأول في (الذكرى): (انه كتبت من أجوبة الإمام الصادق (عليه السلام) أربع مئة مصنف لأربع مئة مصنف)(94).

وقال الشيخ حسين بن عبد الصمد في (الدراية): (قد كتبت من أجوبة مسائل الإمام الصادق (عليه السلام) فقط أربع مئة مصنف لأربع مئة مصنف تسمى الأصول في أنواع العلوم(95).

وقال المحقق الداماد في (رواشحه): (المشهور أن الأصول أربع مئة مصنف لأربع مئة مصنف من رجال أبي عبد الله الصادق (عليه السلام))(96).

وقال الشهيد الثاني في (شرح الدراية): (استقر أمر المتقدمين على أربع مئة مصنف لأربع مئة مصنف سموها أصولا فكان عليها اعتمادهم)(97).

موسوعات الحديث عند الشيعة: وقد اعتمدت (الأصول الأربعمائة) في إنجاز (موسوعات الحديث) الأولى عند الشيعة وهي:

1- الكافي

المؤلف: ثقة الإسلام أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني المتوفى سنة 328هـ أو329هـ.

عدد أحاديث الكتاب: (16099 حديثا)

2- من لا يحضره الفقيه

المؤلف: محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بـ(الصدوق) المتوفى سنة 381هـ.

عدد أحاديث الكتاب: (9044 حديثا)

3- التهذيب

المؤلف: أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المعروف بـ(شيخ الطائفة) المتوفى سنة 460هـ.

عدد أحاديث الكتاب: (13590 حديثا)

4- الاستبصار

المؤلف: شيخ الطائفة الطوسي

عدد أحاديث الكتاب: (5511 حديثا)

وبعد الكتب الأربعة صدرت عدة موسوعات كبيرة للحديث عند الشيعة منها:

5- بحار الأنوار

المؤلف: العلامة المجلسي

المتوفى سنة1111هـ

6- الوافي

المؤلف: الفيض الكاشاني

المتوفى سنة 1091هـ

7- وسائل الشيعة

المؤلف: الحر العاملي

المتوفى سنة1104هـ

عدد أجزاء الكتاب: (20 جزءا)

8- مستدرك الوسائل

المؤلف: العلامة النوري

المتوفى سنة 1320هـ

9- العوالم

المؤلف: الشيخ عبد الله بن نور الدين البحراني (من معاصري العلامة المجلسي).

10- جامع الأحكام

المؤلف: السيد عبد الله شبر

المتوفى سنة 1242هـ.

11- جامع أحاديث الشيعة

بإشراف السيد حسين البروجردي (ت1380هـ).

الهدف الثاني:

إعداد الكوادر المؤهلة لحمل مسؤوليات المرحلة:

ونظرا لاتساع مسؤوليات هذه المرحلة فقد اتجه الأئمة (عليهم السلام) إلى بناء وإعداد كوادر بمستوى مسؤوليات وأهداف المرحلة.

ونحاول أن نستعرض نماذج لنمطين من كوادر هذه المرحلة: 1- كوادر الحديث والفقه.

2- كوادر المناظرة وعلم الكلام.

1- كوادر الحديث والفقه:

1- أبان بن تغلب (ت 141هـ).

2- أبان بن عثمان (ت 200هـ).

3- أبو بصير الأسدي (ت 150هـ).

4- أبو حمزة الثمالي (ت 150هـ).

5- بريد العجلي (ت 150هـ).

6- بكير بن أعين (ت في حياة الإمام الصادق (عليه السلام)).

7- جابر بن يزيد الجعفي (ت 128هـ).

8- جميل بن دراج (ت في أيام الرضا(عليه السلام)).

9- حماد بن عثمان الكوفي(ت 190هـ).

10- حماد بن عيسى الكوفي(ت 209هـ).

11- زرارة بن أعين(ت 150هـ).

12- عبد الله بن مسكان(ت في أيام الإمام الكاظم (عليه السلام)).

13- الفضيل بن يسار (ت في أيام الإمام الصادق (عليه السلام)).

14- محمد بن مسلم الثقفي (ت 150هـ).

15- المعلى بن خنيس (ت في أيام الإمام الصادق(عليه السلام)).

16- معاوية بن عمار (ت 175هـ).

2- كوادر المناظرة والكلام:

1- حمران بن أعين (من أصحاب الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)).

2- مؤمن الطاق محمد بن علي بن النعمان (من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)).

3- هشام بن الحكم الكوفي (من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام)).

4- المفضل بن عمر الكوفي (من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)).

5- فضال بن الحسن الكوفي (من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)).

6- قيس بن الماصر(من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام)).

7- السكاك محمد بن خليل البغدادي (تلميذ هشام بن الحكم).

8- هشام بن سالم (من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام)).

9- أبو مالك الضحاك الحضرمي (أدرك الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام)).

10- يونس بن يعقوب (أدرك الأئمة: الصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام)).

ملاحظة:

للإطلاع على تراجم هؤلاء الرجال يقرأ:

1- رجال النجاشي.

2- رجال الطوسي.

3- معجم رجال الحديث للسيد الخوئي.


الهوامش:

1- البعقوبي: تاريخ اليعقوبي ج2/ 124/ ط بيروت.

2- أحمد أمين: فجر الإسلام ص266/ ط بيروت.

3- محمد علي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام ص125/ ط بيروت.

4- جولد تسيهر: العقيدة والشريعة في الإسلام ص169/ ط القاهرة.

5- الوائلي: هوية التشيع ص25/ ط بيروت.

6- محمد باقر الصدر: بحث حول الولاية ص10/ ط بيروت.

7- ابن النديم: الفهرست ص223/ ط طهران.

8- ابن حجر: الصواعق المحرقة, المقدمة/ ط القاهرة.

9- الترمانيني: احداث التاريخ الإسلامي ج1 ص360/ ط دمشق.

10- الشيبي: الصلة بين التصوف والتشيع ج1 ص22/ ط بيروت.

11- بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية ص128/ ط بيروت.

12- يقرأ: شمس الدين: ثورة الحسين(عليه السلام)/ ط بيروت.

13- الطبري: تاريخ الطبري ج3/ 378/ ط القاهرة.

14- المصدر نفسه.

15- وجدي: دائرة المعارف القرن العشرين ج5 ص17/ ط بيروت.

16- يقرأ: أ- السيد العسكري: عبد بن سبأ ج1 ص29- 73/ ط طهران.

ب- الدكتور الوائلي: هوية التشيع ص129/ ط بيروت.

ج- الدكتور طه حسين: الفتنة الكبرى ج2 ص98/ ط مصر.

17- أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية ج1 ص41/ ط بيروت.

18- المزدكية هم أصحاب المزدك ومزدك هو الذي ظهر في أيام قباذ والد انوشروان, ودعا قباذ إلى مذهبه فأجابه واطلع انوشروان على خزيه وافترائه فطلبه فوجده فقتله.

- ومن عقائدهم: أن معبوده قاعد على كرسيه في العالم الأعلى, على هيئة قعود خسرو في العالم الأسفل, وبين يديه أربع قوى: قوة التمييز, الفهم, الحفظ, والسرور, كما بين يدي خسرو أربعة أشخاص: موبز, موبذان والهربد. عن الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص249/ ط بيروت.

19- عطية الله: القاموس الإسلامي ج3 ص249- 250/ ط القاهرة.

20- فان فلوتن: السيادة العربية ص75/ ط مصر.

21- محمد عمارة: الإسلام وفلسفة الحكم ص158/ ط بيروت.

22- أبو حاتم الرازي: الزينة في الكلمات الإسلامية ج3 ص10/ ط مصر.

23- الخونساري: روشات الجنات في أحوال العلماء والسادات ص334/ ط بيروت.

24- ابن عساكر: التاريخ ترجمة علي(عليه السلام) ج2 ص442/ ط بيروت.

25- ابن حجر: الصواعق المحرقة: باب11 الفصل الاول الآية 11/ ط بيروت.

26- القندوزي: ينابيع المودة ج2 ص61/ ط بيروت.

27- سورة البينة: الآية 7.

28- الشبلنجي: نور الأبصار ص78/ ط المكتبة الشعبية .

29- الحاكم الحسكاني: شواهد التنزيل ج2 ص356/ ط بيروت.

30- الكنجي الشافعي: كفاية الطالب ص214/ ط بيروت.

31- الخوارزمي: المناقب ص111/ ط قم.

32- الطبري: تفسير الطبري ج3 ص365/ ط بيروت.

33- السيوطي: الدر المنثور ج6 ص379/ ط بيروت.

34- المناوي: كنوز الحقائق ج1 ص150/ ط بيروت.

35- صحيح البخاري: كتاب الفتن, باب 1068 (الباب الأول) ج9 ص673 ح1878/ ط بيروت.

36- المصدر نفسه.

37- صحيح مسلم: باب إثبات حوض نبينا(صلى الله عليه وآله) وصفاته ج4 ص1794 ح2293/ ط بيروت.

38- المصدر نفسه: ج4 ص1796 ح2297.

39- المصدر نفسه ج4 ص1800 ح2304/ ط بيروت.

40- المتقي الهندي: منتخب العمال ج4 ص180/ ط المكتب الإسلامي.

41- صحيح البخاري: كتاب العلم: باب كتابة العلم ج1 ص119- 120 ح112/ ط بيروت.

42- صحيح البخاري: كتاب الجهاد والسير: باب 814: ج1 ص490 ح1229/ ط بيروت.

43- المصدر نفسه: كتاب الجزية: باب 861 ج4 ص531 ح1335/ ط بيروت.

44- صحيح البخاري: كتاب المرضى والطب: باب357: ج7 ص225 ج574/ ط بيروت.

45- صحيح مسلم: كتاب الوصية: باب5: ج3 ص1257, 1259/ ط بيروت.

46- المصدر السابق نفسه.

47- المصدر نفسه.

48- سورة آل عمران: الآية159.

49- سورة الشورى: الآية38.

50- العسكري: معالم المدرستين ج1 ص357/ ط طهران.

51- المصدر السابق نفسه ج1 ص357.

52- سورة القصص: الآية68.

53- سورة الأحزاب: الآية36.

54- الطبقات الكبرى: لابن سعد ج3 ص343/ ط بيروت.

55- محمد باقر الصدر: بحث حول الولاية ص69- 70/ ط بيروت.

56- شرف الدين: المراجعات ص60- 61 المراجعة4/ ط إيران.

57- محسن الأمين: أعيان الشيعة ج1 ص578/ ط بيروت.

58- المصدر نفسه: ج1 ص650.

59- أحمد بن طيفور: أعلام النساء ص26/ ط الكويت.

60- الشيخ عبد الله البحراني: العوالم ج15 ص262/ ط قم.

61- الصدوق: عيون أخبار الرضا ج1 ص45/ ط النجف.

62- الشيخ عبد الله البحراني: العوالم ج15 باب3 ص263/ ط قم.

63- الصدوق: الخصال ص419/ ط قم.

64- المصدر نفسه, ص478.

65- الصدوق: كمال الدين ج1 ص281/ ط قم.

66- المصدر نفسه ج2 ص335.

67- سورة النساء: الآية59.

68- سورة المائدة: الآية55.

69- الصدوق: عيون أخبار الرضا ج1 ص45/ ط النجف.

70- ابن النديم: الفهرست ص223/ ط طهران.

71- الزركلي: الأعلام ج9 ص82.

72- أحمد أمين: ضحى الإسلام ج3 ص268/ ط بيروت.

73- اسد حيدر: الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج2 ص99/ ط طهران.

74- المجلسي: البحار ج10 ص295 باب18 ح4/ ط إيران.

75- المصدر نفسه ج56 ص46.

76- الطبرسي: الاحتجاج ج2/ 125- 128/ ط النجف.

77- الترمانيني: أحداث التاريخ الإسلامي, أحداث سنة: 144,148, 183هـ/ ط دمشق.

78- المفيد: الارشاد ص271/ ط بيروت.

79- ابن شهر آشوب: المناقب ج4 ص247/ ط إيران.

80- المامقاني: تنقيح المقال ج1 ص294 مخطوط.

81- الطبرسي: أعلام الورى ص284/ ط ايران.

82- الصدر: تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ص287/ ط ايران.

83- المحقق الحلي: المعتبر ص5/ مخطوط.

84- الجندي: الإمام جعفر الصادق ص162/ ط القاهرة.

85- ابن طلحة الشافعي: مطالب المسؤول ص81/ مخطوط.

86- ابن حجر: الصواعق المحرقة ص201/ ط القاهرة.

87- ابن حجر: هامش الصواعق المحرقة ص305/ ط بيروت.

88- ابن طلحة الشافعي: مطالب السؤول ص55/ مخطوط.

89- ابن حجر: الصواعق المحرقة ص201/ ط القاهرة.

90- المصدر نفسه.

91- اسد حيدر: الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج1 ص406, 407/ ط بيروت.

92- الطبرسي: أعلام الورى ص410/ ط إيران.

93- المحقق الحلي: المعتبر ص5/ مخطوط.

94- آقا بزرك الطهراني: الذريعة ج2 ص129/ ط بيروت.

95- المصدر نفسه.

96- آقا بزرك الطهراني: الذريعة ج2 ص129- 130/ ط بيروت.

97- الشهيد الثاني: شرح الدراية ص17/ ط النجف.

imported_إمامي is offline   Reply With Quote
Old 28-09-2007, 07:37 PM   #12
معلومات العضو
مناري صديق
 
رقم العضوية : 366
Join Date : Apr 2006
عدد المواضيع : 22
عدد الردود : 296
مجموع المشاركات : 318
النقاط : 50
آعجبنيً: 0
تلقي آعجاب 0 مرة في 0 مشاركة
SMS المزيد ....
My-MMS المزيد ....
imported_إمامي عضو
Default

عائشة في ميزان التاريخ







محمد التيجاني السماوي

عائشة التي بلغت من المرتبة السّامية والمكانة العالية والشهرة الكبيرة ما لم تبلغه أيّة زوجة أخرى للنبي (صلى الله عليه وآله)، لا ولا حتّى لو جمعنا فضائلهنّ بأجمعهنّ ما بلغنَ عشر معشار عائشة بنت أبي بكر، هذا ما يقوله أهل السنة فيها والذين يعتبرون أنّ نصف الدّين يؤخذ عنها وحدها.

وإذا ما تجرّدنا للحقيقة بدون تعصّب ولا انحياز، فهل من المعقول أن يحكم العقل بأنها مطهّرة من الذنوب والمعاصي؟ أم أنّ الله سبحانه رفع عنها حصانته المنيعة بعد موت زوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فلننظر معاً إلى الواقع.


عائشة في حياة النّبي (صلى الله عليه وآله)

وإذا ما بحثنا حياتها مع زوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وجدنا الكثير من الذنوب والمعاصي فكانت كثيراً ما تتآمر مع حفصة على النبي حتّى اضطرّته إلى تحريم ما أحل الله له كما جاء ذلك في البخاري ومسلم وتظاهرتا عليه أيضاً كما أثبت ذلك كل الصحاح وكتب التفسير وقد ذكر الله الحادثتين في كتابه العزيز.

كما كانت الغيرة تسيطر على قلبها وعقلها فتتصرف بحضرة النبي تصرّفاً بغير احترام ولا أدب، فمرّة قالت للنبي (صلى الله عليه وآله) عندما ذكر عندها خديجة: مالي ولخديجة إنها عجوز حمراء الشدقين أبدلك الله خيراً منها، فغضب لذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى اهتزّ شعره (1) ومرّة أُخرى بعث إحدى أمهات المؤمنين للنبي (وكان في بيتها) بصحفة فيها طعام كان النبي (صلى الله عليه وآله) يشتهيه، فكسّرت الصحفة أمامه بطعامها (2) وقالت للنبي مرة أخرى: أنت الذي تزعم أنك نبي الله (3) ومرّة غضبت عنده فقالت له: اعدل وكان أبوها حاضراً فضربها حتى سال دمها (4) وبلغ بها الأمر من كثرة الغيرة أن تكذب على أسماء بنت النعمان لمّا زُفّت عرساً للنبي (صلى الله عليه وآله)، فقالت لها: أن النبي (صلى الله عليه وآله) ليعجبُه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له أعوذ بالله منك، وغرضها من وراء ذلك هو تطليق المرأة البريئة الساذجة والتي طلقها النبي بسبب هذه المقالة (5). وقد بلغ من سوء أدبها مع حضرة الرسول (صلى الله عليه وآله)، أنّه كان يصلّي وهي باسطة رجليها في قبلته فإذا سجد غمزها فقبضت رجليها وإذا قام أعادت بسطتها في قبلته (6).

وتآمرت هي وحفصة مرّة أخرى على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى اعتزل نساءه بسببها لمدّة شهر كامل ينام على حصير (7). ولمّا نزل قول الله تعالى: «ترجي من تشاء منهنّ وتؤوي إليك من تشاء…» قالت للنبي في غير حياء: ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك (8) وكانت عائشة إذا غضبت (وكثيراً ما كانت تغضب) تهجر اسم النبي (صلى الله عليه وآله) فلا تذكر اسم محمد وإنما تقول وربّ إبراهيم (9).

وقد أساءت عائشة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) كثيراً وجرّعته الغصص ولكن النبي (صلى الله عليه وآله) رؤوف رحيم، وأخلاقه عالية وصبره عميق، فكان كثيراً ما يقول لها: «ألبسك شيطانك يا عائشة» وكثيرا ما كان يأسى لتهديد الله لها ولحفصة بنت عمر، وكم من مرّة ينزل القرآن بسببها فقد قال تعالى لها ولحفصة: «وإن تنوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما» ، أي أنها زاغت وانحرفت عن الحق (10) وقوله: «إن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيراً» هو تهديد صريح من رب العزة لها ولحفصة التي كانت كثيراً ما تنصاع لها وتعمل بأوامرها. وقال الله لهما: «عسى ربّه إن طلّقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكنّ مسلمات مؤمنات» وهذه الآيات نزلت في عائشة وحفصة بشهادة عمر بن الخطاب كما جاء في البخاري (11). فدلّت هذه الآية لوحدها على وجود نساء مؤمنات في المسلمين خير من عائشة.

ومرّة بعثها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا أراد أن يخطب لنفسه شراف أخت دحية الكلبي، وطلب من عائشة أن تذهب وتنظر إليها ولما رجعت كانت الغيرة قد أكلت قلبها فسألها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما رأيت يا عائشة؟ فقالت: ما رأيت طائلاً! فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): لقد رأيت طائلاً، لقد رأيت خالاً تجدها اقشعرت منه ذوائبك. فقالت: يا رسول الله ما دونك سرّ، ومن يستطيع أن يكتمك (12).

وكل ما فعلته عائشة مع حضرة النبي (صلى الله عليه وآله) من مؤامرات كانت في أغلب الأحيان تجرّ معها حفصة بنت عمر والغريب أننا نجد تفاهماً وانسجاماً تامّاً بين المرأتين عائشة وحفصة كالانسجام والتفاهم بين أبويهما أبو بكر وعمر غير أنّه في النّساء كانت عائشة دائماً هي الجريئة والقوية وصاحبة المبادرة وهي التي كانت تجرّ حفصة بنت عمر وراءها في كل شيء. بينما كان أبوها أبو بكر ضعيفاً أمام عمر الذي كان هو الجريء والقوي وصاحب المبادرة في كل شيء ولقد رأينا هذا الأمر في خلافته حيث كان ابن الخطاب هو الحاكم الفعلي ـ وقد حدث بعض المؤرخين أنّ عائشة لما همّت بالخروج إلى البصرة لمحاربة الإمام علي (عليه السلام) فيما سُمّي بحرب الجمل أرسلت إلى أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) أمهات المؤمنين تسألهن الخروج معها فلم يستجب لها منهن إلاّ حفصة بنت عمر التي تجهّزت وهمّت بالخروج معها لكن أخاها عبد الله بن عمر هو الذي منعها وعزم عليها فحطّت رحلها (13) ومن أجل ذلك كان الله سبحانه يتهدد عائشة وحفصة معاً في قوله: «وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا» وكذلك قوله: «إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما» ولقد ضرب الله لهما مثلاً خطيراً في سورة التحريم ليعلمهما وبقية المسلمين الذين يعتقدون بأنّ أم المؤمنين تدخل الجنّة بلا حساب ولا عقاب لأنها زوجة الرسول (صلى الله عليه وآله) كلاّ، فقد أعلم الله عباده ذكوراً وإناثاً بأن مجرد الزوجية لا تضر ولا تنفع حتّى ولو كان الزوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإنما الذي ينفع ويضرُّ عند الله هو فقط أعمال الإنسان. قال تعالى: «ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل أدخلا النار مع الدّاخلين» [سورة التحريم: الآية 10].

وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذا قالت: «رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجنّي من فرعون وعمله ونجّني من القوم الظالمين. ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربّها وكتبه وكانت من القانتين» [سورة التحريم: الآيتان 11 ـ 12].

وبهذا يتبين لكل الناس بأن الزوجية والصّحبة وإن كانت فيهما فضائل كثيرة إلا أنهما لا يغنيان من عذاب الله إلاّ إذا اتسمتا بالأعمال الصالحة، وإلاّ فإن العذاب يكون مضاعفاً. لأن عدل الله سبحانه يقتضي أن لا يعذّب البعيد الذي لم يسمع الوحي كالقريب الذي ينزل القرآن في بيته والإنسان الذي عرف الحق فعانده كالجاهل الذي لم يعرف الحق.

وإليك الآن أيها القارئ بعض رواياتها بشيء من التفصيل لكي تتعرف على شخصية هذه المرأة التي لعبت أكبر الأدوار في إبعاد الإمام علي عن الخلافة وحاربته بكل ما أوتيت من قوة ودهاء.

ولكي تعرف أيضاً بأنّ آية إذهاب الرجل والتطهير بعيدة عنها بعد السماء عن الأرض، وأنّ أهل السنة أكثرهم ضحايا الدسّ والتزوير فهم أتباع بني أمية من حيث لا يشعرون.


أم المؤمنين عائشة تشهد على نفسها

ولنستمع إلى عائشة تروي عن نفسها وكيف تفقدها الغيرة صوابها، فتتصرّف بحضرة النبي (صلى الله عليه وآله) تصرفاً لا أخلاقياً، قالت: «بعثت صفية زوج النبي إلى رسول الله بطعام قد صنعته له، وهو عندي، فلما رأيت الجارية أخذتني رعدة حتّى أستقلّني أفكل، فضربت القصعة ورميت بها، قالت: فنظر إليّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعرفت الغضب في وجهه، فقتل: أعوذ برسول الله أن يلعنني اليوم، قالت، قال: أوِّلي، قلت وما كفّارته يا رسول الله؟ قال: طعام كطعامها وإناء كإنائها (14).

ومرة أخرى تروي عن نفسها، قالت: قلت للنبي حسبُك من صفيّة كذا وكذا، فقال لي النبي (صلى الله عليه وآله): لقد قلتِ كلمة لو مُزجتْ بماء البحر لمزجته (15).

سبحان الله! أين أم المؤمنين من الأخلاق وأبسط الحقوق التي فرضها الإسلام في تحريم الغيبة والنّميمة؟ ولا شكّ بأن قولها: «حسبك من صفية كذا وكذا»، وقول الرسول بأنها كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته بأنّ ما قالته عائشة في ضرّتها أمّ المؤمنين صفية أمرٌ عظيم. وخطبٌ جسيم.

وأعتقد بأنّ روّاة الحديث استفضعوها واستعظموها فأبدلوها بعبارة (كذا وكذا) كما هي عادتهم في مثل هذه القضايا.

وها هي عائشة أم المؤمنين تحكي مرة أخرى عن غيرتها من أمهات المؤمنين قالت: ما غرت على امرأة إلاّ دون ما غرت على مارية، وذلك أنها كانت جميلة جعدة وأعجب بها رسول الله، وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيت حارثة بين النعمان، وفزعنا لها فجزعت، فحوّلها رسول الله إلى العالية فكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشدّ علينا ثم رزقه الله الولد منها وحرمناه (16).

كما أنّ عائشة تعدت غيرتها دائرة مارية ضرّتها إلى إبراهيم المولود الرضيع البريء! قالت لما ولد إبراهيم جاء به رسول الله إليّ، فقال: أنظري إلى شبهه بي، فقلت: ما أرى شبهاً. فقال رسول الله: ألا ترين إلى بياضه ولحمه؟ قالت فقلت: من سقي ألبان الضّان إبيضّ وسمن (17).

وقد تعدّت غيرتها كل الحدود وفاقت كل تعبير عندما وصلت بها الظّنون والوساوس إلى الشك في رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكانت كثيراً ما تتظاهر بالنّوم عندما يبات عندها رسول الله ولكنّها ترقب زوجها وتتحسّس مكانه في الظلام وتتعقّبه أين ما ذهب وإليك الرواية عن لسانها والتي: أخرجها مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده وغيرهم قالت: لمّا كانت ليلتي التي كان النبي (صلى الله عليه وآله) فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلاّ ريثما ظنّ أن قد رقدتُ فأخذ رداءه رويداً وانتعل رويداً وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويداً فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرّات ثم انحرف فانحرفت فأسرع فاسرعت فهرول فهرولت فأحضر فأحضرت فسبقته فدخلت فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال: مالك يا عائش حشياً رابيهً؟ قالت فقلت: لا شيء قال: لتخبريني أو ليخبرني اللّطيف الخبير قالت قلت: يا رسول الله بأبي أنت واُمّي فأخبرته قال: فأنت السّواد الذي رأيت أمامي قلت: نعم، فلهدني في صدري لهدة أوجعتني ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله… (18).

ومرة أخرى قالت فقدت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فظننت أنّه أتى بعض جواريه، فطلبته فإذا هو ساجد يقول: رب اغفر لي (19) وأخرى قالت: إن رسول الله خرج من عندي ليلاً، قالت: فغرت عليه، قالت فجاء فرأى ما أصنع فقال: مالك يا عائشة، أغرتِ؟ فقلت: ومالي أن لا يغار مثلي على مثلك! فقال رسول الله: أفأخذك شيطانك… (20).

وهذه الرواية الأخيرة تدلّ دلالة واضحة على أنها عندما تغار تخرج عن أطوارها وتفعل أشياء غريبة كأن تكسّر الأواني أو تمزّق الملابس مثلاً. ولذلك تقول في هذه الرواية فلمّا جاء ورأى ما أصنع قال: أفأخذكِ شيطانكِ؟

ولا شك أنّ شيطان عائشة كان كثيراً ما يأخذها أو يلبسها وقد وجد لقلبها سبيلاً من طريق الغيرة وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «الغيرة للرّجل إيمان وللمرأة كفرٌ». باعتبار أن الرّجل يغار على زوجته لأنّه لا يجوز شرعاً أن يشاركه فيها أحد ـ أما المرأة فليس من حقّها أن تغارٍ على زوجها لأنّ الله سبحانه أباح له الزواج بأكثر من واحدة، فالمرأة الصالحة المؤمنة التي أذعنت لأحكام الله سبحانه تتقبّل ضرّتها بنفس رياضية كما يقال اليوم وخصوصاً إذا كان زوجها عادلاً مستقيماً يخاف الله، فما بالك بسيّد الإنسانية ورمز الكمال والعدل والخلق العظيم؟ على أنّنا نجد تناقضاً واضحاً في خصوص حبّ النبي (صلى الله عليه وآله) لعائشة وما يقوله أهل السنّة والجماعة من أنّها كانت أحبّ نسائه إليه وأعزّهم لديه حتّى أنّهم يروون أنّ بع نسائه وهبْنَ نوبتهنّ لعائشة لمّا علمن بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) يحبّها ولا يصبر عليها، فهل يمكن والحال هذه أن نجد مبرّراً وتفسيراً لغيرة عائشة المفرطة؟ والمفروض أن العكس هو الصحيح. أي أن تغار بقية أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) من عائشة لشدّة حبه إياها وميله معها كما يروون ويزعمون، وإذا كانت هي المدلّلة عند الرسول (صلى الله عليه وآله) فما هو مبرّر الغيرة؟

والتاريخ لم يحدّث إلا بأحاديثها وكتب السيرة طافحة إلاّ بتمجيدها وأنها حبيبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) المدلّلة التي كان لا يطيق فراقها.

واعتقد بأنّ كل ذلك من الأموّيين الذين أحبّوا عائشة وفضّلوها لمّا خدمت مصالحهم وروت لهم ما أحبّوا وحاربت عدّوُّهم علي بن أبي طالب.

وكما أعتقد بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكن يحبّها لما فعلته معه كما قدّمنا! وكيف يحبّ رسول الله من تكذب وتغتاب وتمشي بالنميمة وتشكّ في الله ورسوله وتظنّ منهما الحيف ـ كيف يحبّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من تتجسّس عليه وتخرج من بيتها بدون إذنه لتعلم أين يذهب ـ كيف يحبّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من تشتم زوجاته بحضرته ولو كنّ أمواتاً ـ كيف يحبّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من تبغض إبنه إبراهيم وترمي أمّه مارية بالإفك (21) ـ كيف يحبّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من تتدخّل بينه وبين زوجاته بالكذب مرّة وبإثارة الأحقاد أخرى وتتسبب في طلاقهنّ ـ كيف يحبّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من تبغض إبنته الزهراء وتبغض أخاه وابن عمّه علي بن أبي طالب إلى درجة أنها لا تذكر اسمه ولا تطيب له نفساً بخير (22). كلّ هذا وأكثر في حياته (صلى الله عليه وآله) أمّا بعد وفاته فحدّث ولا حرج.

وكل هذه الأفعال يمقُتها الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) ولا يحبّان فاعلها، لأنّ الله هو الحق ورسوله (صلى الله عليه وآله) يمثل الحق، فلا يمكن له أن يُحب من كان على غير الحق.

وسوف نعرف خلال الأبحاث القادمة بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكن يحبّها، بل إنّه حذّر الأمة من فتنتها (23).

سألت بعض شيوخنا مرّة عن سبب حبّ النبي المفرط لعائشة بالذّات دون سواها؟ فأجابوني بأجوبة عديدة كلّها مزيّفة.

قال أحدهم: لأنها جميلة وصغيرة وهي البكر الوحيدة التي دخل بها ولم يشاركه فيها أحد سواه. وقال آخر: لأنها ابنة أبي بكر الصدّيق صاحبه في الغار.

وقال ثالث: لأنها حفظت عن رسول الله نصف الدّين فهي العالمة الفقيهة. وقال رابع: لأنّ جبرئيل جاءه بصورتها وكان لا يدخل على النبي إلاّ في بيتها.

وأنت كما ترى أيها القارئ بأن كلّ هذه الدّعايات لا تقوم على دليل ولا يقبلها العقل والواقع، وسوف نأتي على نقضها بالأدلة، فإذا كان الرسول يحبّها لأنها جميلة وهي البكر والوحيدة التي دخل بها، فما الذي يمنعه من الزواج بالأبكار الجميلات اللآتي كن بارعات في الحسن والجمال وكنّ مضرب الأمثال في القبائل العربية وكنّ رهن إشارته، على أنّ المؤرخين يذكرون غيرة عائشة من زينب بنت جحش ومن صفية بنت حيي ومن مارية القبطية لأنهن كنّ أجمل منها.

روى ابن سعد في طبقاته: 8/148 وابن كثير في تاريخه: 5/299 أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله) تزوّج مليكة بنت كعب، وكانت تعرف بجمال بارع، فدخلت عليها عائشة، فقالت لها: أما تستحين أن تنكحي قاتل أبيك، فاستعاذت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فطلّقها فجاء قومها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله إنّها صغيرة وإنها لا رأي لها، وإنها خُدعت فارتجِعْها، فأبى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان أبوها قد قُتل في يوم فتح مكة، قتله خالد بن الوليد بالخندمة.

وهذه الرواية تدلّنا بوضوح بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما كان همّه من الزواج الصغر والجمال وإلاّ لما طلّق مليكة بنت كعب وهي صغيرة وبارعة في الجمال، كما تدلّنا هذه الرواية وأمثالها على الأساليب التي إتّبعتها عائشة في خداع المؤمنات البريئات وحرمانهن من الزواج برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد سبق لها أن طلّقت أسماء بنت النّعمان لمّا غارت من جمالها وقالت لها: إن النبيّ (صلى الله عليه وآله) ليعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له: أعوذ بالله منك. وهذه مليكة، تُثير فيها حساسية مقتل أبيها وأنّ قاتله هو رسول الله وتقول لها: أما تستحين أن تنكحي قاتل أبيك. فما كان جواب هذه المسكينة إلاّ أنها استعاذت من رسول الله! وما عساها أن تقول غير ذلك والناس لا يزالون حديثي عهد بالجاهلية الذين يأخذون بالثأر ويعيّرون من لا يثأر لأبيه؟

بقي أن نتساءل ويحق لنا أن نتساءل: لماذا يطلّق الرسول (صلى الله عليه وآله) هاتين المرأتين البريئتين واللّتين ذهبتا ضحية مكر وخداع عائشة لهنّ؟

وقبل كل شيء لابدّ لنا أن نضع في حسابنا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) معصوم ولا يظلم أحداً ولا يفعل إلاّ الحق فلا بدّ أن يكون في تطليقهنّ حكمة يعلمها الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) كما إن عدم تطليق عائشة رغم أفعالها فيه أيضاً حكمة، ولعلّنا نقف على شيء منها في الأبحاث المقبلة.

أما بالنسبة للمرأة الأولى وهي أسماء بنت النعمان فقد ظهرت سذاجتها عندما انطلت عليها حيلة عائشة فأول كلمة قابلت بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما مدّ يده إليها هي: «أعوذ بالله منك». ورغم جمالها البارع فلم يبقها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبلاهتها يقول ابن سعد في طبقاته في: 8/145 وغيره عن ابن عبّاس: قال: «تزوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) أسماء بنت النعمان وكانت من أجمل أهل زمانها وأتمّه». ولعلّه (صلى الله عليه وآله)؟ أراد أن يعلّمنا أنّ رجاحة العقل أولى من الجمال. فكم من امرأة جميلة جرّها غباؤها للفاحشة.

أمّا بالنسبة للمرأة الثانية وهي مليكة بنت كعب والتي عيّرتها عائشة بأن زوجها هو قاتل أبيها، فلم يرد النبي (صلى الله عليه وآله) أن تعيش هذه المسكينة (والتي هي صغيرة السنّ ولا رأي لها كما شهد بذلك قومها) على هواجس ومخاوف قد تُسبّب مصائب كبرى خصوصاً وأنّ عائشة سوف لن تتركها ترتاح مع رسول الله (صلى الله عليه وآله). ولا شك أنّ هناك أسباباً أخرى يعلمها رسول الله وغابت عنّا.

والمهم أن نعرف بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكن يجري وراء الجمال والشهوات الجسدية والجنسية كما يتوهّمه بعض الجاهلين وبعض المستشرقين الذين يقولون كان همّ محمّد هو النساء الحسناوات.

وقد رأينا كيف طلّق رسول الله (صلى الله عليه وآله) هاتين المرأتين رغم صغرهما وجمالهما فكانتا أجمل أهل زمانهما وأتمّه كما جاء

في كتب التاريخ وكتب الحديث ـ فقول من يدّعي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحبّ عائشة لصغرها وجمالها مردود ولا يقبل.

أمّا القائلين بان حبّه إيّاها لأنها إبنة أبي بكر، فهذا غير صحيح، ولكن يمكننا أن نقول بأنّه تزوّجها من أجل أبي بكر، لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) تزوّج من عدّة قبائل زواجاً سيّاسياً لتأليف القلوب ولتسُود المودة والرحمة في تلك القبائل بدلاً من التنافر والتّباغض فقد تزوّج النبي (صلى الله عليه وآله) بأمّ حبيبة أخت معاوية وهي بنت أبي سفيان العدوّ الأول للنبيّ (صلى الله عليه وآله) وذلك لأنّه لا يحقد وهو رحمة للعالمين، وقد تعدّى عطفه وحنانه القبائل العربية إلى مصاهرة اليهود والنصارى والأقباط ليقرّب أهل الأديان بعضهم من بعض.

وبالخصوص إذا عرفنا من خلال ما نقرأه في كتب السّيرة بأنّ أبا بكر هو الذي طلب من النبيّ (صلى الله عليه وآله) بأن يتزوج من ابنته عائشة، كما طلب عمر من النبي (صلى الله عليه وآله) بأن يتزوج إنته حفصة، وقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأن قلبه يسع أهل الأرض كلّهم.

قال تعالى: «ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك» [سورة آل عمران: الآية 159].

وإذا رجعنا إلى الرواية التي روتها عائشة وقالت فيها بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يلبث إلاّ ريثما ظنّ أن قد رقدت فأخذ رداءه رويداً وفتح الباب فخرج ثم أجافه، عرفنا كذب الزعم بأنه (صلى الله عليه وآله) لا يصبر عنها (24).

وهذا الاستنتاج ليس استنتاجاً عفوياً ألّفه خيالي، كلاّ فإنّ له أدلّة في صحاح السنّة، فقد روى مسلم في صحيحه وغيره من صحاح أهل السنّة، أنّ عمر بن الخطاب قال: لمّا اعتزل نبي الله (صلى الله عليه وآله) نساءه قال دخلت المسجد فإذا النّاس ينكتون بالحصى ويقولون طلّق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نساءه وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب، فقال عمر: فقلت لأعلمنّ ذلك اليوم قال: فدخلت على عائشة فقلت: يا بنت أبي بكر أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقالت: مالي ومالك يا ابن الخطاب عليك بعيبتك! قال: فدخلت على حفصة بنت عمر فقلت لها: يا حفصة أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والله لقد علمت أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يحبّك، ولولا أنا لطلّقك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فبكت أشدّ البكاء… الحديث (25).

إنّ هذه الرواية تدلّنا بوضوح لا يقبل الشكّ في أن زواج النبي (صلى الله عليه وآله) من حفصة بنت عمر لم يكن عن محبّة، ولكنّه لمصلحة سياسية اقتضتها الظروف.

وممّا يزيدنا يقيناً بصحّة ما ذهبنا إليه في هذا الاستنتاج أنّ عمر بن الخطاب يُقسمُ بالله بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يحبّ حفصة ويزيدنا عمر يقيناً جديداً بأنّ ابنته حفصة تعلم هي الأخرى هذه الحقيقة المؤلمة، إذ يقول لها: «والله لقد علمت بأنّ رسول الله لا يحبّك».

ثم لا يبقي لنا أدنى شكّ في أنّ الزواج منها كان لمصلحة سياسيّة عندما قال: «ولولا أنا لطّلقك رسول الله (صلى الله عليه وآله)».

فهذه الرواية تعطينا أيضاً فكرة على زواج النبيّ (صلى الله عليه وآله) بعائشة بنت أبي بكر، وأنّه صبر وتحمّل كل أذاها من أجل أبي بكر أيضاً، وإلاّ فإنّ حفصة أولى بحبّ الرسول وتقديره، لأنّه لم يصدر منها ما يسيء للنبي (صلى الله عليه وآله) عشر معشار ما فعلته عائشة بنت أبي بكر.

وإذا بحثنا في الواقع العملي بقطع النّظر عن الروايات الموضوعة الّتي نمّقها بنو أميّة في فضائل عائشة لوجدنا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان كثيراً ما يتأذّى منها وكثيراً ما يغضب عليها، وها نحن ننقل رواية واحدة أخرجها البخاري وكثير من المحدّثين من أهل السنّة، تعرب عن مدى النفور الذي كانت تشعر به أم المؤمنين عائشة من قبل زوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله).

أخرج البخاري في صحيحه في الجزء السابع في باب قول المريض إنّي وجع، أو وارأساه.

قال: سمعت القاسم بن محمد قال قالت عائشة: وا رأساه! فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ذاك لو كان وأنا حيّ فأستغفر لك وأدعو لك» فقالت عائشة: واثكلياه، والله إنّي لأظنّك تحبّ موتي، ولو كان ذاك لظلت آخر يومك معرِّساً ببعض أزواجك (26).

فهل تدلّك هذه الرواية على حبّ النبيّ لعائشة؟؟

ونخلص بالأخير إلى أنّ بني أميّة وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان، يبغضون رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ومنذ أن آلت إليهم الخلافة عملوا على تقليب الحقائق ظهراً على عقب، ورفعوا أقواماً إلى القمّة من المجد والعظمة بينما كانوا في حياة النبيّ أناساً عاديّين وليس لهم شان كبير، ووضعوا آخرين كانوا في قمة الشرف والعزّ أيام النبيّ (صلى الله عليه وآله).

وأعتقد أنّ ميزانهم الوحيد في الرفع والوضع هو فقط عداؤهم الشديد وبغضهم اللاّمحدود لمحمد وأهل بيته علي وفاطمة والحسن والحسين، فكل شخص كان ضد الرسول (صلّى الله عليه وآله) وضد أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً رفعوا من شأنه واختلقوا له روايات وفضائل وقرّبوه وأعطوه المناصب والعطايا فأصبح يحظى بتقدير النّاس واحترامهم.

وكل شخص كان يحب الرسول (صلى الله عليه وآله) ويدافع عنه، عملوا على انتقاصه وخلق المعايب الكاذبة له واختلاق الروايات التي تنكر فضله وفضائله.

وهكذا أصبح عمر بن الخطاب الذي كان يعارضه في كل أوامره حتّى رماه بالهجر في أواخر أيام حياته (صلى الله عليه وآله). أصبح هذا الرجل هو قمّة الإسلام عند المسلمين زمن الدولة الأمويّة.

أمّا علي بن أبي طالب الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى والذي يحبّ الله ورسوله ويُحبّه الله ورسولُه والذي هو ولي كلّ مؤمن أصبح يلعنُ على منابر المسلمين ثمانين عاماً.

وهكذا أصبحت عائشة الّتي جرّعت رسول الله الغصص وعصت أوامره كما عصت أمر ربّها، وحاربت وصيّ رسول الله وتسبّبت في أكبر فتنة عرفها المسلمون والتي قُتل فيها الآلف المسلمين، أصبحت هذه المرأة هي أشهر نساء الإسلام وعنها تؤخذ الأحكام ـ أمّا فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين التي يغضب ربّ العزّة لغضبها ويرضى لرضاها، أصبحت نسياً منسيّاً ودفنت في الليل سرّاً بعد ما هددّوها بالحرق وعصروا على بطنها بالباب حتى أسقطت جنينها ولا أحد من المسلمين من أهل السنّة يعرف رواية واحدة تنقلها عن أبيها.

وهكذا أصبح يزيد بن معاوية وزياد بن أبيه وابن مرجانة وابن مروان والحجّاج وابن العاص وغيرهم من الفسّاق الملعونين بنص الكتاب على لسان نبي الله. نعم أصبح هؤلاء أمراء المؤمنين وولاّة أمورهم ـ أمّا الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة وريحانتا النبي من هذه الأمّة، والأئمة من عترة الرسول الذين هم أمان الأمة، أصبحوا مشرّدين مسجونين مقتولين مسمومين.

وهكذا أصبح أبو سفيان المنافق الذي ما وقعت حربٌ ضدّ الرّسول إلاّ وكان هو قائدها، أصبح محموداً مشكوراً حتّى قيل من دخل داره كان آمناً أمّا أبو طالب حامي النبي وكفيله والمدافع عنه بكل ما يملك، والذي قضى حياته مناوئاً لقومه وعشيرته من أجل دعوة ابن أخيه حتّى قضى ثلاث سنوات في الحصار مع النبيّ في شعب مكة وكتم إيمانه لمصلحة الإسلام أي لإبقاء بعض الجسور مفتوحة مع قريش فلا يؤذون المسلمين كما يريدون ـ وذلك كمؤمن آل فرعون الذي كتم إيمانه. أما هذا فكان جزاؤه ضحضاح من نار يضع فيها رجله فيغلي منها دماغه، وهكذا أصبح معاوية بن أبي سفيان الطليق بن الطّليق واللعين بن اللعين ومن كان يتلاعب بأحكام الله روسوله ولا يقيم لها وزناً ويقتل الصلحاء والأبرياء في سبيل الوصول إلى أهدافه الخسيسة ويسبّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) على مرأى ومسمع من المسلمين (27)، أصبح هذا الرّجل يسمّى كاتب الوحي ويقولون بأن الله إئتمن على وحيه جبرئيل ومحمداً ومعاوية وأصبح يوصف بأنه رجل الحكمة والسياسة والتدبير.

أما أبو ذر الغفاري الذي ما أقلّت الخضراء ولا أظلت الغبراء أصدق ذي لهجة منه، فأصبح صاحب فتنة يضربُ ويشرّد ويُنفى إلى الربذة وأمّا سلمان والمقداد وعمّار وحذيفة وكل الصحابة المخلصين الذين والوا عليّا وتشيّعوا له فقد لا قوا التعذيب والتشريد والقتل.

وهكذا أصبح أتباع مدرسة الخلفاء وأتباع معاوية وأصحاب المذاهب الذين أوجدتهم السلطة الجائرة، أصبحوا هم أهل السنّة والجماعة وهم

الذين يمثّلون الإسلام ومن خالفهم كان من الكافرين. ولو اقتدى بأئمة أهل البيت الطيبين الطاهرين.

أمّا أتباع مدرسة أهل البيت الذين اتّبعوا باب مدينة العلم وأول النّاس إسلاماً ومن كان الحق يدور معه حيث دار، وتشيّعوا لأهل البيت واتّبعوا الأئمة المعصومين، أصبحوا هم أهل البدعة والضلالة ومن خالفهم وحاربهم كان من المسلمين * فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم وصدق الله إذ يقول: «وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون» [سورة البقرة: الآية 13].

وإذا رجعنا إلى موضوع حبّ الرسول صلّى الله عليه وآله لعائشة لأنها حفظت عنه نصف الدّين وكان يقول خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء، فهذا حديث باطل لا أساس له من الصّحة ولا يستقيم مع ما روي عن عائشة من أحكام مضحكة مبكية يتنّزه عن ذكرها رسول الله (صلى الله عليه وآله). ويكفينا مثلاً على ذلك قضية رضاعة الكبير التي كانت ترويها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والتي أخرجها مسلم في صحيحه ومالك في موطّأه والتي وافينا البحث فيها في كتابنا «لأكون مع الصادقين» فمن أراد التفصيل والوقوف على جلية الأمر فليراجعه.

ويكفي في هذه الرواية الشنيعة أن زوجات النبي كلّهن رفضن العمل بها وأنكرنها. وحتّى أنّ راويها بقي عامّاً كاملاً يتهيّب أن يذكرها لفظاعتها وقلّة حيائها.

وإذا ما رجعنا إلى صحيح البخاري في باب يقصر من الصّلاة إذا خرج من موضعه، قال: عن الزهريّ عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: الصلاة أوّل ما فُرضت ركعتان فأقرّت صلاة السّفر وأتمّت صلاة الحضر، قال الزهري: فقلت لعروة فما بال عائشة تتّم؟ قال: تأوّلت ما تأوّل عثمان ـ وأخرجها مسلم في صحيحه في باب صلاة المسافرين وقصرها وبعبارة أوضح ممّا في البخاري. قال عن الزهري عن عروة عن عائشة أنّ الصلاة أوّل ما فرضت ركعتين فأقرّت صلاة السفر وأتمّت صلاة الحضر، قال الزهري فقلت لعروة: ما بال عائشة تتمّ في السفر؟ قال: إنّها تأولت كما تأوّل عثمان.

إنّه التناقض الصريح، فهي التي تروي بأن صلاة المسافر فرضت ركعتين ولكنّها تخالف ما افترضه الله وعمل به رسوله (صلى الله عليه وآله) وتتأوّل لتغيّر أحكام الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) إحياء لسنّة عثمان ولهذه الأسباب نجد كثيراً من الأحكام في صحاح أهل السنّة والجماعة ولكن لا يعملون بها لأنهم في أغلب الأحيان يأخذون بتأوّل أبي بكر وتأوّل عمر وتأوّل عثمان وتأوّل عائشة وتأوّل معاوية بن أبي سفيان وغيرهم من الصحابة.

فإذا كانت الحميراء التي يؤخذ عنها نصف الدّين تتأوّل في أحكام الله كيف تشاء، فلا أعتقد بأن زوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله) يرضى منها هذا ويأمر النّاس بالإقتداء بها، على أنّه ورد في صحيح البخاري وصحاح أهل السنّة إشارة إلى أن في اتّباعها معصية لله، وسنُوافيك بذلك في أوانه إن شاء الله.

وأمّا القائلون بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يُحبّها لأن جبرئيل أتاه بصورتها قبل الزواج وأنّه لا يدخل عليه إلاّ في بيتها فهذه روايات تضحك المجانين ولست أدري أكانت الصورة التي جاء بها جبرئيل فوتوغرافية أم لوحة زيتية، على أنّ صحاح أهل السنّة يروون بأن أبا بكر بعث بعائشة إلى النّبي (صلى الله عليه وآله) ومعها طبق من التمر لينظر إلهيا وهو الذي طلب من النّبي (صلى الله عليه وآله) أن يتزوج ابنته، فهل هناك داع لنزول جبرئيل بصورتها وهي تسكن على بعد بضع أمتار من مسكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأعتقد أن مارية القبطية التي كانت تسكن مصر وهي بعيدة عن رسول الله صلّى الله عليه وما كان أحد يتصور مجيئها، هي أولى بأن ينزل جبرئيل بصورتها ويبشّر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأنّ الله سيرزقه منها إبراهيم.

ولكن هذه الروايات هي من وضع عائشة التي كانت لا تجد شيئاً تفتخر به على ضرّاتها إلاّ الأساطير التي يخلقها خيالها، أو أنها من وضع بني أمية على لسانها ليرفعوا من شأنها عند بسطاء العقول.

وأمّا أن جبرئيل كان لا يدخل على محمد (صلى الله عليه وآله) وهو مضطجع إلاّ في بيت عائشة فهي أقبح من الأولى والمعلوم من القرآن الكريم أنّ الله هدّدها عندما تظاهرت على رسوله، هدّدها بجبرئيل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيراً.

فما أقوال شيوخنا وعلمائنا إلاّ ضربٌ من الظنّ والخيال وإنّ الظنّ لا يغني من الحق شيئاً ـ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتّبعون إلاّ الظن وإن أنتم إلاّ تخرصون.


عائشة فيما بعد النبي (صلى الله عليه وآله)

أمّا إذا درسنا حياة أمّ المؤمنين عائشة إبنة أبي بكر بعد لحوق زوجها بالرفيق الأعلى روحي له الفداء. وبعد ما خلاّ لها الجوّ وأصبح أبوها هو الخليفة والرئيس على الأمّة الإسلامية وأصبحت هي حينذاك المرأة الأولى في الدولة الإسلامية لأنّ زوجها رسول الله وأبوها هو خليفة رسول الله.

ولأنّها كما تعتقد هي أو توهم نفسها بأنها أفضل أزواج النّبي (صلى الله عليه وآله)، لا لشيء إلاّ لأنّه تزوجها بكراً وما تزوج بكراً غيرها، وقد توفي عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي في عزّ شبابها وزهرة عمرها فكان عمرها يوم وفاة زوجها ثمانية عشر عاماً على أكثر التقادير وأشهر الروايات، ولم تعاشر رسول الله (صلى الله عليه وآله) سوى ستّ أو ثمان سنوات على اختلاف الرّواة قضت السنوات الأولى منها تعلب ألعاب الأطفال وهي زوجة النبيّ (صلى الله عليه وآله) وهي كما وصفتها بريرة جارية رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما قالت في عائشة «إنها جارية حديثة السنّ تنام عن العجين فتأتي الدّاجن فتأكله» (28).

نعم ثمانية عشر عاماً لفتاة بلغت سن المراهقة كما يقال اليوم وقضت نصف عمرها مع صاحب الرسالة وبين ضرّاتٍ يبلغ عددهن عشر أو تسع زوجات وهناك امرأة أخرى أغفلنا ذكرها في حياة عائشة وكانت أشدّ عليها من كل ضرّة لأن حب الرسول (صلى الله عليه وآله) لها فاق التصور وهذه المرأة هي فاطمة الزهراء ربيبة عائشة إبنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من خديجة وما أدراك ما خديجة الصدّيقة الكبرى التي سلّم عليها جبرئيل وبشرها ببيت لها في الجنّة لا صخب فيه ولا نصب (29).

والتي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يدع مناسبة تفوته إلاّ ويذكر خديجة فيتفطر كبد عائشة ويحترق قلبها غيرة فتثور ثائرتها وتخرج عن أطوارها فتشتم بما يحلو لها ولا تبال بعواطف زوجها ومشاعره. ولنستمع إليها تحدث عن نفسها بخصوص خديجة كما روى البخاري وأحمد والترمذي وابن ماجة قالت: ما غرت على امرأة لرسول الله كما غرت على خديجة (30) لكثرة ذكر رسول الله إياها وثنائه عليها، فقلت ما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشّدقين هلكت في الدّهر قد أبدلك الله خيراً منها، قالت: فتغيّر وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) تغيّراً ما كنتُ أراه إلاّ عند نزول الوحي، وقال: لا ما أبدلني الله خيراً منها، قد آمنت بي إذ كفر بي النّاس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بما لها إذ حرمني النّاس، ورزقني الله عز وجلّ ولدها إذ حرمني أولاد النساء.

وليس هناك شك أنّ ردّ الرسول (صلى الله عليه وآله) يبطل دعوى من يقول بأن عائشة هي أحب وأفضل أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) وأكيد أيضاً أن عائشة إزدادت غيرة وكرهاً لخديجة عندما قرّعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذا التوبيح وأعلمها بأنّ ربّه لم يبدله خيراً من خديجة، ومرّة أخرى يعلّمنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأنّه لا يميل مع الهوى ولا يحبّ الجمال والبكارة، لأن خديجة سلام الله عليها تزوجت قبلة مرّتين وكانت تكبره بخمسة عشرة عاماً، ومع ذلك فهو يحبّها ولا ينثني عن ذكرها، وهذا لعمري هو خُلق النبي (صلى الله عليه وآله) الذي يحب في الله ويبغض في الله. وهناك فرق كبير بين هذه الرواية الحقيقة وتلك المزيّفة التي تدّعي بأن الرسول يميل إلى عائشة حتّى بعثن إليه نساؤه ينشدنه العدل في ابنة أبي قحافة.

وهل لنا أن نسأل أمّ المؤمنين عائشة التي ما رأت يوماً في حياتها السيدة خديجة ولا التقت بها كيف تقول عنها عجوز حمراء الشّدقين؟ وهل هذه هي أخلاق المؤمنة العادية الّتي يحرمُ عليها أن تغتاب غيرها إذا كان حيّاً؟ فما بالك بالميّت الذي أفضى إلى ربّه، فما بالك إذا كان ضحية الغيبة زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) والتي ينزل جبرئيل في بيتها ويبشّرها ببيت في الجنّة لا صخب فه ولا نصب (31).

وبالتأكيد أنّ ذلك البغض وتلك الغيرة التي تاجّجت في قلب عائشة من اجل خديجة لابدّ لها من فورة ومتنفّس وإلاّ انفجرت، فلم تجد عائشة أمامها إلاّ فاطمة إبنة خديجة ربيبتها والتي هي في سنّها أو تكبرها قليلاً على اختلاف الرّواة.

وبالتأكيد أيضاً أن ذلك الحبّ العميق من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لخديجة تجسّد وقوي في ابنته ووحيدته فاطمة الزهراء، فهي الوحيدة التي عاشت مع أبيها تحمل في جنباتها أجمل الذكريات التي كان يحبّها رسول الله في خديجة فكان يسمّيها أمّ أبيها.

وزاد في غيرة عائشة أن ترى رسول الله يمجّد إبنته ويسمّيها سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة (32) ثم يرزقه الله منها سيدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين فترى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يذهب ويبات عند فاطمة ساهراً على تربية أحفاده ويقول: ولداي هذان ريحانتي من هذه الأمة ويحملهما على كتفيه فتزداد بذلك عائشة غيرة لأنها عقيم، ثم ازدادت الغيرة أكثر عندما شملت زوج فاطمة أبا الحسنين لا لشيء إلاّ لحبّ الرسول (صلى الله عليه وآله) إيّاه وتقديمه على أبيها في كل المواقف، فلا شك أنّها كانت تعيش الأحداث.

وترى ان أبي طالب يفوز في كل مرّة على أبيها ويمضي بحب الرّسول (صلى الله عليه وآله) له وتفضيله وتقديمه على من سواه، فقد عرفت أن أبوها رجع مهزوماً في غزوة خيبر بمن معه من الجيوش وأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) تألّم لذلك وقال: لأعطين غداً الراية إلى رجل يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله كرّاراً ليس فراراً. وكان ذلك الرجل هو علي بن أبي طالب زوج فاطمة، ثم رجع علي بعد ما فتح خيبر بصفية بنت حيي التي تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونزلت على قلب عائشة كالصاعقة.

وقد عرفت أيضاً أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث أبوها بسورة براءة ليبلّغها إلى الحجيج ولكنّه أرسل خلفه علي بن أبي طالب فأخذها منه ورجع أبوها يبكي ويسأل عن السبب فيجيبه رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إن الله أمرني أن لا يبلّغ عني إلاّ أنا أو أحد من أهل بيتي».

وقد عرفت أيضاً بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نصّب ابن عمّه علي خليفة المسلمين من بعده وأمر أصحابه وزوجاته بتهنئته بإمرة المؤمنين فجاءه أبوها في مقدمة النّاس يقول: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.

وقد عرفت بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمّر على أبيها شاباً صغيراً لا نبات بعارضيه عمره سبعة عشر عاماً وأمره بالسّير تحت قيادته والصلاة خلفه.

ولا شك بأنّ أم المؤمنين عائشة كانت تتفاعل مع هذه الأحداث فكانت تحمل في جنباتها همَّ أبيها والمنافسة على الخلافة والمؤامرة التي تدور عند رؤساء القبائل في قريش، فكانت تزداد بُغضاً وحنقاً على علي وفاطمة وتحاول بكل جهودها أن تتدخّل لتغيير الموقف لصالح أبيها بشتّى الوسائل كلّفها ذلك ما كلّفها ـ وقد رأيناها كيف أرسلت إلى أبيها على لسان زوجها تأمره ليصلّي بالنّاس عندما علمت بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أرسل خلف علي ليكلفّه بتلك المهمّة ولمّا علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتلك المؤامرة اضطرّ للخروج فأزاح أبا بكر عن موضعه وصلّى بالنّاس جالساً، وغضب على عائشة وقال لها إنّكنّ أنتنّ صويحبات يوسف (يقصد أن كيدها عظيم) (33).

والباحث في هذه القضية التي روتها عائشة بروايات مختلفة ومتضاربة يجد التناقض واضحاً وإلاّ فإنّ أباها عبّأه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في جيش وأمره بالخروج تحت قيادة أسامة بن زيد قبل تلك الصلاة بثلاثة أيام، ومن المعلوم بالضرورة أنّ قائد الجيش هو إمام الصلاة فأسامة هو إمام أبي بكر في تلك السرية، فلمّا أحسّت عائشة بتلك الإهانة وفهمت مقصود النبي (صلى الله عليه وآله) منها خصوصاً وأنها تفطّنت بأنّ علي بن أبي طالب لم يعيّنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك الجيش الذي عبّأ فيه وجوه المهاجرين

والأنصار والذين لهم في قريش زعامة ومكانة، وقد علمت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما علم أكثر أصحابه بأن أيّامه أصبحت معدودة ولعلّها كانت على رأي عمر بن الخطاب في أنّ رسول الله أصبح يهجر ولا يدري ما يفعل، فدفعتها غيرتها القاتلة أن تتصرّف بما تراه يرفع من شأن أبيها وقدره مقابل منافسه علي، ولكلّ ذلك أنكرت أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) أوصى لعلي ولذلك حاولت إقناع البسطاء من النّاس بأن رسول الله (صلّى الله عليه آله) مات في حجرها بين سحرها ونحرها ـ ولذلك حدّثت بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال لها وهو مريض ادع لي أباك وأخاك لأكتب لهم كتاباً عسى أن يدّع مدّع وأبى الله ورسوله والمؤمنون إلاّ أبا بكر فهل من سائل يسألها: ما الذي منعها من دعوتهم؟


موقف عائشة ضد علي أمير المؤمنين

والباحث في موقفها تجاه أبي الحسن يجد أمراً عجيباً وغريباً. ولا يجد له تفسيراً إلاّ الغيرة والعداء لأهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) وقد سجّل لها التاريخ كرهاً وبغضاً للإمام علي لم يعرف له مثيل وصل بها إلى حدّ أنّها لا تطيق ذكر إسمه (34) ولا تطيق رؤيته وعندما تسمع بأنّ الناس قد بايعوه بالخلافة بعد قتل عثمان، تقول: وددت لو أنّ السّماء انطبقت على الأرض قبل أن يليها ابن أبي طالب. وتعمل كل جهودها للإطاحة به وتقود ضدّه عسكراً جرّاراً لمحاربته، وعندما يأتيها خبر موته تسجد شكراً لله.

ألا تعجبون معي لأهل السنّة والجماعة الذين يروون في صحاحهم بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «يا علي لا يُحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق» (35)، ثم يروون في صحاحهم ومسانيدهم وتواريخهم بأن عائشة تبغض الإمام علي ولا تطيق ذكر اسمه، أليس ذلك شهادة منهم على ماهية المرأة؟ كما يروي البخاري في صحيحه أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: فاطمة بضعة منّي من أغضبها أغضبني ومن أغضبني فقد أغضب الله (36). ثم يروي البخاري نفسه بأن فاطمة ماتت وهي غاضبة على أبي بكر فلم تكلّمه حتى ماتت (37) ـ أليس ذلك شهادة منهم بأنّ الله ورسوله غاضبان على أبي بكر؟ فهذا ما يفهمه كلّ العقلاء، ولذلك أقول دائماً بأنّ الحق لا بدّ أن يظهر مهما ستره المُبطلون ومهما حاول أنصار الأمويين التمويه والتلفيق فإنّ حجة الله قائمة على عباده من يوم نزول القرآن إلى قيام الساعة والحمد لله رب العالمين.

حدّث الإمام أحمد بن حنبل أنّ أبا بكر جاء مرّة واستأذن على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقبل الدّخول سمع صوت عائشة عالياً وهي تقول للنبي (صلى الله عليه وآله): «والله لقد عرفتُ أنّ علياً أحبّ إليك منّي ومن أبي تعيدها مرتين أو ثلاثاً…» الحديث (38).

وبلغ من أمر عائشة وبغضها للإمام علي، أنّها كانت تحاول دائماً إبعاده عن النبي (صلى الله عليه وآله) ما استطاعت لذلك سبيلاً.

قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج. أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) استدني عليّاً فجاء حتّى قعد بينه وبينها وهما متلاصقان، فقالت له: أما وجدت مقعداً لكذا إلاّ فخذي.

وروي أيضاً أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ساير يوماً الإمام علي وأطال مناجاته، فجاءت عائشة وهي سائرة خلفهما حتى دخلت بينهما، وقالت لهما: فيم أنتما فقد أطلتما، فغضب لذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) (39).

ويروي أيضاً أنها دخلت مرّة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يناجي عليّاً فصرخت وقالت: مالي ولك يا بن أبي طالب؟ إنّ لي نوبة واحدة من رسول الله ـ فغضب النبي (صلى الله عليه وآله).

وكم من مرّة أغضبت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتصرّفاتها الناتجة عن الغيرة الشديدة وعن حدّة طبعها وكلامها اللاّذع.

وهل يرضى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على مؤمن أو مؤمنة ملأ قلبه كرهاً وبغضاً لابن عمّه وسيد عترته، الذي قال فيه «يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله» (40) وقال فيه «من أحبّ علياً فقد أحبّني ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني» (41).


وقرن في بيُوتكنّ ولا تبرجن

أمر الله سبحانه نساء النبي (صلى الله عليه وآله) بالاستقرار في بيوتهنّ وأن لا يخرجن متبرّجات وأمرهنّ بقراءة القرآن وإقامة الصّلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة الله ورسوله (صلى الله عليه وآله).

وعمل نساء النبي (صلى الله عليه وآله)، وكلّهن امتثلن أمر الله وأمر رسوله الذي نهاهنّ هو الآخر (صلى الله عليه وآله) قبل وفاته وحذّرهن بقوله: أيّتكن تركب الجمل وتنبحها كلاب الحوأب، كلّهن ما عدا عائشة فقد اخترقت كل الأوامر وسخرت من كل التحذيرات ويذكر المؤرخون أنّ حفصة بنت عمر أرادت الخروج معها ولكن أخاها عبد الله حذّرها وقرأ عليها الآية فرجعت عن عزمها، أما عائشة فقد ركبت الجمل ونبحتها كلاب الحوأب يقول طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى: مرّت عائشة في طريقها بماء فنبحتها كلابه وسألت عن هذا الماء فقيل لها إنّه الحوأب، فجزعت جزعاً شديداً وقالت: ردّوني ردّوني، قد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول وعنده نساؤه: أيّتكنّ تنبحها كلاب الحوأب: وجاء عبد الله بن الزبير فتكلّف تهدئتها وجاءها بخمسين رجلاً من بني عامر يحلفون لها كذباً أنّ هذا الماء ليس بماء الحوأب.

وأنا أعتقد بأنّ هذه الرّواية وضعت في زمن بني أميّة ليخفّفوا بها عن أم المؤمنين ثقل معصيتها ظنّاً منهم بأنّ أمّ المؤمنين أصبحت معذورة بعد أن خدعها ابن أختها عبد الله بن الزّبير وجاءها بخمسين رجلاً يحلفون بالله ويشهدون شهادة زوراً بأنّ الماء ليس هو ماء الحوأب. إنها سخافة هزيلة يريدون أن يموّهوا بمثل هذه الروايات على بسطاء العقول ويُقنعونهم بأنّ عائشة خدعت لأنها عندما مرّت بالماء وسمعت نباح الكلاب فسألت عن هذا الماء فقيل لها إنّه الحوأب فجزعت وقالت ردّوني ردّوني. فهل لهؤلاء الحمقى الذين وضعوا الرواية أن يلتمسوا لعائشة عذراً في معصيتها لأمر الله وما نزل من القرآن بوجوب الاستقرار في بيتها، أو يلتمسوا لها عذراً في معصيتها لأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بوجوب لزوم الحصير وعدم ركوب الجمل، قبل الوصول إلى نباح الكلاب في ماء الحوأب، وهل يجدون لأم المؤمنين عذراً بعدما رفضت نصيحة أم المؤمنين أمّ سلمة التي ذكرها المؤرخون إذ قالت لها: أتذكرين يوم أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحن معه حتى إذا هبط من قديد ذات الشمال فخلا بعلي يناجيه فأطال، فأردت أن تهجمي عليهما فنهيتك فعصيتني وهجمت عليهما، فما لبثت أن رجعت باكية، فقلت: ما شأنك؟ فقلت: أتيتهما وهما يتناجيان، فقلت لعلي: ليس لي من رسول الله إلاّ يوم من تسعة أيام أفما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي، فأقبل رسول الله عليَّ وهم محمّر الوجه غضباً فقال: ارجعي وراءك والله لا يبغضه أحد من النّاس إلا وهو خارج من الإيمان، فرجعت نادمةً ساخطة، فقالت عائشة: نعم أذكر ذلك. قالت: وأذكّرك أيضاً كنت أنا وأنت مع رسول الله، فقال لنا: «أيتكنّ صاحبة الجمل الأدب تنبحها كلاب الحوأب فتكون ناكبة عن الصراط؟» فقلنا نعوذ بالله وبرسوله من ذلك فضرب على ظهرك وقال: «إيّاك أن تكونيها يا حميراء» قالت عائشة أذكر ذلك. فقالت أم سلمة: أتذكرين يوم جاء أبوك ومعه عمر، وقمنا إلى الحجاب، ودخلا يحدثانه فيما أراد إلى أن قالا: يا رسول الله، إنّا لا ندري أمد ما تصحبنا، فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعاً فقال لهما: «أما أني قد أرى مكانه ولو فعلت لتفرقتم عنه كما تفرّق بنو إسرائيل عن هارون»، فسكتا ثم خرجا، فلما خرجا خرجنا إلى رسول الله فقلت له أنت وكنت أجرأ عليه منّا: يا رسول الله مَنْ كنت مستخلفاً عليهم؟ فقال: خاصف النّعل، فنزلنا فرأيناه عليّاً. فقلتِ يا رسول الله ما أرى إلاّ علياً. فقال: هو ذاك.

قالت عائشة: نعم أذكر ذلك، فقالت لها أم سلمة: فأي خروج تخرجين بعد هذا يا عائشة. فقالت: إنّما أخرج للإصلاح بين الناس (42) فنهتها أمّ سلمة عن الخروج بكلام شديد وقالت لها: إن عمود الإسلام لا يثأب بالنساء إن مال، ولا يَرْأبُ بهن إن صُدِعَ، حماديات النساء غض الأطراف، وخفر الأعراض، ما كنت قائلة لو أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عارضك في بعض هذه الفلوات، ناصّة قلوصا من منهل إلى آخر؟ والله لو سرت سيرك هذا ثم قيل لي أدخلي الفردوس، لاستحييت أن ألقى محمّداً هاتكةً حجاباً ضربه عليّ (43)…

كما لم تقبل أمّ المؤمنين عائشة نصائح كثير من الصحابة المخلصين روى الطبري في تاريخ أن جارية بن قدامة السعدي قال لها: يا أمّ المؤمنين والله قتل عثمان ن عفان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسّلاح، إنّه قد كان لك من الله سترٌ وحرمة فهتكت سِتْرَكِ وأبحت حرمتك، إنه من يرى قتالك فإنه يرى قتلك إن كنت أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك وإن أتيتنا مستكرهة فاستعيني بالنّاس (44).


أم المؤمنين هي القائدة

ذكر المؤرخون بأنها كانت هي القائدة العامة وهي التي تولّي وتعزل وتصدر الأوامر حتى أن طلحة والزبير اختلفا في إمامة الصلاة وأراد كلّ منهما أن يصلّي بالنّاس، فتدخّلت عائشة وعزلتهما معاً وأمّرت عبد الله بن الزبير ابن أختها أن يصلّي هو بالنّاس. وهي التي كانت ترسل الرّسل بكتبها التي بعثتها في كثير من البلدان تستنصرهم على علي بن أبي طالب وتثير فيهم حميّة الجاهلية.

حتّى عبّأتْ عشرين ألفاً أو أكثر من أوباش العرب وأهل الأطماع لقتال أمير المؤمنين والإطاحة به. وأثارتها فتنة عمياء قتل فيها خلق كثير باسم الدّفاع عن أمّ المؤمنين ونصرتها ويقول المؤرّخون أن أصحاب عائشة لمّا غدروا بعثمان بن حنيف والي البصرة وأسروه هو وسبعين من أصحابه الذين كانوا يحرسون بيت المال جاؤوا بهم إلى عائشة فأمرت بقتلهم فذبحوهم كما يذبح الغنم. وقيل كانوا أربعمائة رجل يقال أنهم أول قوم من المسلمين ضربت أعناقهم صبراً (45).

روى الشعبي عن مسلم بن أبي بكرة عن أبيه قال: لمّا قدم طلحة والزبير البصرة، تقلدت سيفي وأنا أريد نصرهما، فدخلت على عائشة فإذا هي تأمر وتنهي وإذا الأمر أمرها، فتذكرت حديثاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كنت سمعته يقول: «لن يفلح قوم تدبّر أمرهم امرأة» فانصرفت عنهم وأعتزلتهم.

كما أخرج البخاري عن أبي بكرة قوله: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل، لمّا بلغ النبي (صلى الله عليه وآله) أنّ فارساً ملّكوا ابنة كسرى قال: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» (46).

ومن المواقف المُضحكة والمبكية في آنٍ واحدٍ أنّ عائشة أمّ المؤمنين تخرج من بيتها عاصية لله ولرسوله ثم تأمر الصّحابة بالاستقرار في بيوتهم، إنه حقّاً أمرٌ عجيب!!

فكيف وقع ذلك يا ترى؟

روى ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج وغيره من المؤرّخين أنّ عائشة كتبت ـ وهي في البصرة ـ إلى زيد بن صوحان العبدي رسالة تقول له فيها: من عائشة أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق، زوجة رسول الله، إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان، أمّا بعد فأقم في بيتك وخذّل الناس عن أبن أبي طالب، وليبلغني عنك ما أحبّ إنك أوثق أهلي عندي والسّلام.

فأجابها هذا الرجل الصالح بما يلي: من زيد بن صوحان إلى عائشة بنت أبي بكر، أما بعد فإنّ الله أمركِ بأمر، وأمرنا بأمرٍ، أمرك أن تقرّي في بيتك، وأمرنا أن نجاهد، وقد أتاني كتابك تأمريني أن أصنع خلاف ما أمرني الله به، فأكون قد صنعت ما أمرك الله به، وصنعت أنت ما به أمرني، فأمرك عندي غير مطاع، وكتابك لا جواب له.

وبهذا يتبيّن لنا بأن عائشة لم تكتف بقيادة جيش الجمل فقط وإنّما طمحت في إمرة المؤمنين كافة في كل بقاع الأرض ولكلّ ذلك كانت هي التي تحكم طلحة والزبير اللذين كانا قد رشّحهما عمر للخلافة، ولكل ذلك أباحات لنفسها أن تراسل رؤساء القبائل والولاة وتطمعهم وتستنصرهم.

ولكلّ ذلك بلغت تلك المرتبة وتلك الشّهرة عند بني أمية فأصبحت هي المنظور إليها والمُهابة لديهم جميعاً والتي يُخشى سطوتها ومعارضتها فإذا كان الأبطال والمشاهير من الشجعان يتخاذلون ويهربون من الصفِّ إزاء علي بن أبي طالب ولا يقفون أمامه فإنها وقفت وألّبتْ واستصرخت واستفزّت.

ومن أجل هذا حيرت العقول وأدهشت المؤرّخين الذين عرفوا مواقفها في حرب الجمل الصغرى قبل قدوم الإمام علي وفي حرب الجمل الكبرى بعد مجيء الإمام علي ودعوتها لكتاب الله فأبت وأصرّت على الحرب في عنادٍ لا يمكن تفسيره إلا إذا عرفنا عمق وشدة الغيرة والبغضاء التي تحملها أمّ المؤمنين لأبنائها المخلصين لله ورسوله (صلى الله عليه وآله).


تحذير النّبي (صلى الله عليه وآله) من عائشة وفتنتها

لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يدرك عمق وخطورة المؤامرة التي تدار حوله من جميع جوانبها، ولا شكّ بأنّه عرف ما للنساء من تأثير وفتنة على الرّجال، كما أدرك بأنّ كيدهن عظيم تكاد تزول منه الجبال، وعرف بالخصوص بأن زوجته عائشة هي المؤهلة لذلك الدور الخطير لما تحمله في نفسها من غيرة وبغض لخليفته علي خاصة، ولأهل بيته عامّة، كيف وقد عاش بنفسه أدواراً من مواقفها وعداوتها لهم، فكان يغضب حيناً ويتغير وجهه أحياناً، ويحاول إقناعهم في كل مرة بأنّ حبيب علي هو حبيب الله والذي يبغض عليّاً هو منافق يبغضه الله ـ ولكن هيهات لتلك الأحاديث أن تغوص في أعماق تلك النّفوس التي ما عرفتْ الحقّ حقّاً إلاّ لفائدتها وما عرفت الصّواب صواباً إلاّ إذا صدر عنها.

ولذلك وقف الرسول (صلى الله عليه وآله) لمّا عرف بأنها هي الفتنة التي جعلها الله في هذه الأمة ليبتليها بها كما ابتلى سائر الأمم السّابقة. قال تعالى: «ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون» [سورة العنكبوت: الآية 2].

وقد حذّر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمّته منها في مرّات متعدّدة حتى قام في يوم من الأيام واتّجه إلى بيتها وقال: ههنا الفتنة، ههنا الفتنة حيث يطلع قرن الشيطان، وقد أخرج البخاري في صحيحه في باب ما جاء في بيوت أزواج النبي: قال عن نافع عن عبد الله رضي الله عنه قال: قام النبي (صلى الله عليه وآله) خطيباً فأشار نحو مسكن عائشة فقال: ههنا الفتنة ثلاثاً، من حيث يطلع قرن الشيطان (47).

كما أخرج مسلم في صحيحه أيضاً عن عكرمة بن عمّار عن سالم عن ابن عمر قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بيت عائشة، فقال: رأس الكفر من ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان (48).

ولا عبرة بالزّيادة التي أضافوها بقولهم: يعني المشرق، فهي واضحة الوضع ليخفّفوا بها عن أم المؤمنين ويبعدوا هذه التهمة عنها.

وقد جاء في صحيح البخاري أيضاً: قال لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة، بعث علي عمّار بن ياسر وحسن بن علي فقدما علينا الكوفة فصعدا المنبر فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه وقام عمّار أسفل من الحسن فاجتمعنا إليه فسمعت عماراً يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة ووالله إنها لزوجة نبيّكم (صلى الله عليه وآله) في الدنيا والآخرة، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إيّاه تطيعون أم هي (49).

الله أكبر فهذا الخبر يدلّ أيضاً أنّ طاعتها معصية لله وفي معصيتها هي والوقوف ضدّها طاعةً لله.

كما نلاحظ أيضاً في هذا الحديث أنّ الروّاة من بني أمية أضافوا عبارة والآخرة، في (أنها لزوجة نبيّكم في الدنيا والآخرة) ليموّهوا على العامّة بأنّ الله غفر لها كل ذنب اقترفته أدخلها جنّته وزوجها حبيبه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ وإلاّ من أين عَلِمَ عمّار بأنّها زوجته في الآخرة؟

وهذه هي أخر الحيل التي تفطّن لها الوضّاعون من الروّاة في عهد بني أميّة عندما يجدون حديثاً جرى على ألسنة النّاس فلا يمكنهم بعد نكرانه ولا تكذيبه فيعمدون إلى إضافة فقرة إليه أو كلمة أو تغيير بعض ألفاظه ليخفّفوا من حدّته أو يفقدوه المعنى المخصوص له، كما فعلوا ذلك بحديث، أنا مدينة العلم وعلي بابها الذي أضافوا وأبوا بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها.

وقد لا يخفى ذلك على الباحثين المنصفين فيبطلون تلك الزيادات التي تدلّ في أغلب الأحيان على سخافة عقول الوضّاعين وبُعدهم عن حكمة ونور الأحاديث النبويّة، فيلاحظون أنّ القول بأن أبا بكر أساسها، معناه أنّ علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كله من علم أبي بكر، وهذا كفر. كما أنّ القول بأنّ عمر حيطانها فمعناه بأنّ عمر يمنع الناس من الدخول للمدينة أعني يمنعهم من الوصول للعلم والقول بأن عثمان صفقها، فباطل بالضرورة لأنه ليس هناك مدينة مسقوفة وهو مستحيل. كما يلاحظون هنا بأنّ عماراً يقسم بالله على أنّ عائشة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) في الدنيا والآخرة، وهو رجماً بالغيب فمن أين لعمّار أن يقسم على شيء يجهله؟ هل عنده آية من كتاب الله، أم هو عهد عهده إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

فيبقى الحديث الصحيح هو إنّ عائشة قد سارت إلى البصرة، وإنها لزوجة نبيّكم، ولكنّ الله ابتلاكم بها ليعلم إيّاه تطيعون أم هي.

والحمد لله ربّ العالمين على أن جعل لنا عقولاً نميّز بها الحق من الباطل وأوضح لنا السبيل ثم ابتلانا بأشياء عديدة لتكون علينا حجّةً يوم الحساب.


خاتمة البحث

والمهمّ في كل ما مرّ بنا من الأبحاث وإن كانت مختصرة أنّ عائشة بنت أبي بكر أمّ المؤمنين وزوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم تكن معدودة من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، والذين عصمهم الله من كلّ الذّنوب وطهّرهم من كل رجس فأصبحوا بعد ذلك معصومين.

ويكفي عائشة أنّها قضت آخر أيّام حياتها في بكاء ونحيب وحسرة وندامة، تذكر أعمالها فتفيض عيناها ولعلّ الله سبحانه يغفر لها خطاياها فهو وحده المطّلع على أسرار عباده والذي يعلم صدق نواياها، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. فلا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السّماء، وليس لنا ولا لأي أحدٍ من النّاس أن يَحكُم بالجنّة أو بالنّار على مخلوقاته فهذا تكلّف وتطفّلٌ على الله، قال تعالى: «لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء والله على كل شيء قدير» [سورة البقرة: الآية 284].

وبهذا لا يمكن لنا أن نترضّى عليها ولا أن نلعنها ولكن لنا أن لا نقتدي بها ولا نبارك أعمالها، ونتحدّث بكل ذلك لتوضيح الحقيقة إلى النّاس، عسى أن يهتدوا لطريق الحق.

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تكونوا سبّابين ولا لعّانين، ولكن قولوا: كان من فعلهم كذا وكذا لتكون أبلغ في الحجّة.


الهوامش:

1- صحيح البخاري: 4/231 باب تزويج النبي (صلى الله عليه وآله) خديجة وكذلك صحيح مسلم.

2- صحيح البخاري: 6/157 في باب الغيرة.

3- إحياء علوم الدين للإمام الغزالي: 2/29 كتاب أدب النكاح.

4- كنز العمّال: 7/116 وكذلك إحياء العلوم للغزالي.

5- الطبقات الكبرى لابن سعد: 8/145. الإصابة لابن حجر: 4/233. تاريخ اليعقوبي: 2/69.

6- صحيح البخاري: 1/101 باب الصلاة على الفراش.

7- صحيح البخاري: 3/105 في باب الغرفة والعلية المشرفة من كتاب المظالم.

8- صحيح البخاري: 6/24 و128 باب هل للمرأة ان تهب نفسها لأحدٍ. صحيح مسلم باب جواز هبة المرأة نوبتها لضرّتها.

9- صحيح البخاري: 6/158 باب غيرة النساء ووجدهنّ.

10- صحيح البخاري: 3/106 باب الغرفة والعلية من كتاب المظالم.

11- صحيح البخاري: 6/69 و71 باب وإذا أسرّ النبي إلى بعض أزواجه.

12- طبقات ابن سعد: 8/115. كنز العمال: 6/294.

13- ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة: 2/80.

14- مسند الإمام أحمد بن حنبل: 6/277. وسنن النسائي: 2/148.

15- صحيح الترمذي وقد رواه عنه الزركشي في صفحة 73.

16- الطبقات الكبرى لأبن سعد: 8/212، أنساب الأشراف: 1/449، الإصابة في معرفة الصحابة للعسقلاني أخرجها في ترجمة مارية القبطية.

17- الطبقات الكبرى لابن سعد: 1/37 ترجمة إبرايم بن النبي ـ وكذلك في أنساب الأشراف.

18- صحيح مسلم: 3/64 باب ما يقال عند دخول القبور. مسند أحمد بن حنبل: 6/221.

19- مسند الإمام أحمد: 6/147.

20- مسند أحمد بن حنبل: 6/115.

21- يراجع في هذا الموضوع كتاب حديث الإفك للعلاّمة جعفر مرتضى العاملي.

22- الطبقات الكبرى لابن سعد: 2/29.

23- صحيح البخاري: 4/46 باب ما جاء في بيوت أزواج النبي من كتاب الجهاد والسير.

24- صحيح مسلم: 3/64. ومسند الإمام أحمد: 6/221.

25- صحيح مسلم: 4/188 في باب الإيلاء واعتزال النّساء وتخييرهنّ وقوله تعالى: «وإن تظاهرا عليه» .

26- صحيح البخاري: 7/8 من كتاب المرضى والطبّ.

27- يقول الشاعر في هذا المعنى:

عاندوا «أحمد» وعادوا عليّاً * وتولّوا منافقاً وغويّاً وأسروا سبّ النبي نفاقاً * حين سبّوا جهراً أخاه عليّاً

28- صحيح البخاري: 3/156 باب تعديل النساء بعضهن بعضهاً.

29- صحيح البخاري: 4/231. صحيح مسلم باب فضائل أم المؤمنين خديجة: 7/133.

30- قد مرّ بنا سابقاً قولها ما غرت على امرأة كما غرت على صفية وقولها ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على مارية، لك الله يا عائشة فهل سلمت واحدة من أزواج النبي من غيرتك وأذيّتك؟

31- صحيح البخاري: 4/231. صحيح مسلم باب فضل خديجة أمّ المؤمنين.

32- صحيح البخاري: 4/209 و7/142.

33- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/197 ينقل ذلك عن الإمام علي.

34- صحيح البخاري: 1/162 و3/135 و5/140.

35- صحيح مسلم: 1/61. صحيح الترمذي: 5/306. سنن النسائي: 8/116.

36- البخاري: 4/210.

37- صحيح البخاري: 5/82 و8/3.

38- الإمام أحمد في مسنده: 4/275.

39- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/195.

40- البخاري ومسلم في فضائل علي بن أبي طالب: 7/130.

41- المستدرك للحاكم: 3/130 صحّحه على شرط الشيخين البخاري ومسلم وعشرات المصادر.

42- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 2/77.

43- ابن قتيبة في كتابه المصنف في غريب الحديث وكذلك في الإمامة والسياسة.

44- تاريخ الطبري: 6/482.

45- الطبري في تاريخه: 5/178. وشرح النهج: 2/501 وغيرهم.

46- صحيح البخاري: 8/97 باب الفتن. والنسائي: 4/305. والمستدرك: 4/525.

47- صحيح البخاري: 4/46.

48- صحيح مسلم: 8/181.

49- صحيح البخاري: 8/97.

imported_إمامي is offline   Reply With Quote
Old 28-09-2007, 07:39 PM   #13
معلومات العضو
مناري صديق
 
رقم العضوية : 366
Join Date : Apr 2006
عدد المواضيع : 22
عدد الردود : 296
مجموع المشاركات : 318
النقاط : 50
آعجبنيً: 0
تلقي آعجاب 0 مرة في 0 مشاركة
SMS المزيد ....
My-MMS المزيد ....
imported_إمامي عضو
Default

تدوين السنة النبوية الشريفة







مروان خليفات

السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع ، وقد شرع النبي (صلى الله عليه وآله) بتدوينها تزامناً مع جمع القرآن، وكان تدوين السنّة عملاً مشتركاً بين النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، حيث كان (صلى الله عليه وآله) يملي وعلي (عليه السلام) يكتب، وبوفاة النبي (صلى الله عليه وآله) كانت السنة مجموعة في كتاب أو عدة كتب وقد أودعها النبي (صلى الله عليه وآله) أهل بيته (عليهم السلام) فكانت عند علي بن أبي طالب (عليه السلام).

قالت أم سلمة: « دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأديم وعلي بن أبي طالب عنده، فلم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يملي وعلي يكتب حتى ملا بطن الاديم وظهره وأكارعه »(1).

وعُرف الكتاب الذي يحوي السنة بالجامعة أو صحيفة علي (عليه السلام):

قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) لأحد أصحابه وهو أبو نصير: « يا أبا محمد وإنّ عندنا ( الجامعة ) وما يدريهم ما الجامعة!

قال: قلت جعلت فداك، وما الجامعة ؟

قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإملائه من فلق فيه، وخط علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام، وكل شيء يحتاج إليه الناس حتّى الارش في الخدش»(2).

وهذا الكتاب الذي عُرِف بالجامعة من أكبر الكتب التي كانت بحوزة آل البيت (عليهم السلام)(3).

ونقل عنها غير واحد من علماء أهل السنة أمثال:

1- ابن سعد في آخر كتابه الجامع.

2- البخاري، ذكرها في ثمانية مواضع من ( الصحيح )، ورواها بثمان طرق.

3- الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب، جمع ما نقل عنها في كتاب مستقل عنونه بـ ( صحيفة علي بن أبي طالب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): دراسة توثيقية فقهية »(4).

وبالرغم من ذِكْر الكتب السنيّة لصحيفة علي (عليه السلام) إلاّ أنّها لم تعطها حقّها من البيان، بل قد يكون هذا البيان اليسير لصحيفة علي (عليه السلام) فيه ظلم وتزوير لأسباب سياسية وأُخرى مذهبية، ولنأخذ هذه الرواية التي رواها البخاري ونقف عندها قليلاً:

أخرج البخاري عن أبي جحيفة، قال: «قلت لعلي (عليه السلام): هل عندكم كتابٌ؟

قال: لا، إلاّ كتاب الله، أو فَهْمٌ أعطيه رجلٌ، أو ما في هذه الصحيفة.

قال: قلت: فما في هذه الصحيفة ؟

قال: العقلُ، وفكاك الاسير، ولا يُقتلُ مسلمٌ بكافر »(5).

يفهم من هذه الرواية وروايات أخرى لم نذكرها(6) أنّه كان هناك تساؤلٌ يدور بين الناس حول أهمية وحقيقة امتلاك آل البيت (عليهم السلام) كتاباً خاصاً أم لا، مما دعا أبا جحيفة أن يسأل علياً (عليه السلام): « هل عندكم كتاب ؟ » وأجابه الامام أنّه عندهم صحيفة فضلاً عن كتاب الله.

وقد وصفت الرواية الصحيفة بشكل فيه امتهانٌ وتنقيص لأمير المؤمنين (عليه السلام).

فلماذا يحمل علي (عليه السلام) صحيفة فيها هذه المسائل الثلاث ؟ وما الحكمة من ذلك ؟ والواقع أّنه كانت عنده (عليه السلام) صحيفة كبيرة.

وفي أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وصف دقيق لهذه الصحيفة:

روى أبو الحسن ابن بابويه، بسنده، عن الإمام الباقر (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام)، قال: « قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام): أكتب ما أملي عليك.

فقال: يا نبي الله، وتخاف علىَّ النسيان ؟

فقال: لستُ أخاف عليك النسيان، وقد دعوت الله لك أن يحفظك ولا يُنسيك، ولكن، أكتب لشُركائك.

قال: قلت: ومن شُركائي، يا نبي الله ؟

قال: الأئمة من وُلدك...»(7).

وعن عذافر الصيرفي، قال: « كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر(8)(عليه السلام) فجعل يسأله، وكان أبو جعفر (عليه السلام) له مكرماً، فاختلفا في شيء.

فقال أبو جعفر (عليه السلام): يا بني قم فأخرج كتاب علي (عليه السلام)، فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً، ففتحه، وجعل ينظر حتّى أخرج المسألة.

فقال أبو جعفر (عليه السلام): هذا خط علي (عليه السلام) وإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وأقبل على الحكم، وقال: يا أبا محمّد اذهب أنت وسلمه وأبو المقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبريل (عليه السلام) »(9).

قالت أم سلمة: « دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأديم وعلي بن أبي طالب عنده، فلم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يملي وعلي يكتب حتى ملابطن الاديم وظهره وأكارعه »(10).

وبتدوين النبي (صلى الله عليه وآله) لسنته يكون قد وضع الضمان الثاني لحفظ دعوته، ولكنّ جمع القرآن وتدوين السنّة لا يكفي لحفظ الدعوة، فترك القرآن والسنة بأيدي الأمة مدعاة للاختلاف والفرقة، فالأمة لا تستطيع بيان القرآن والسنة وتوضيح دلالتهما بياناً قائماً على الجزم واليقين، وحديث « اختلاف أمتي رحمة » الذي قد يحتج علينا البعض فيه حديث كما يقول الالباني لا أصل له، فقد قال فيه: « لا أصل له، ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفّقوا...».

ونقل المناوي عن السبكي أنه قال: « وليس بمعروف عند المحدثين، ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف » وأقرّه الشيخ زكريا الانصاري في تعليقه على تفسير البيضاوي ( ق 92 / 2 ) »(11)، وقال فيه ابن حزم: « باطل مكذوب »(12).

فكما أنّ حكم الله كان واحداً في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) فكذا يجب أن يكون فبعد مماته، وكما أنّ الناس كانوا يرجعون لشخص النبي لحل مشاكلهم ومسائلهم الدينية فكذا يجب أن يخلف النبي من ينوب عنه ويقوم بمهامه ـ ما عدا الوحي ـ ويرجع الناس إليه ويبقى حكم الله واحداً، ومن أجل تحقيق هذا الهدف اتخذ النبي (صلى الله عليه وآله) خطوة ثالثة.


الهوامش:

1- « المحدث الفاصل » للرامهرمزي 601.

2- « الوافي » للفيض الكاشاني.

3- وقد يقال: ولماذا لم يخرج أئمة آل البيت (عليهم السلام) هذا الكتاب ليستفيد منه المسلمون ؟

والجواب: أنّ الأمة هي السبب إذ نحّتهم عن مركزهم الذي جعلهم الله فيه كما سيأتي.

4- « تاريخ التشريع الإسلامي » للدكتور عبد الهادي الفضلي 35.

5- « صحيح البخاري » كتاب العلم، باب كتابة العلم.

6- راجع « الرحلة إلى طلب الحديث » للخطيب البغدادي.

7- « تدوين السنة الشريفة » للسيّد محمد رضا الجلالي 73 ـ 74، نقلاً عن « الامامة والتبصرة من الحيرة » 183 ح38، « بصائر الدرجات » للصفّار 167...

وراجع كتاب السيّد الجلالي المذكور لترى تصريحات بعض العلماء بامتلاك أهل البيت (عليهم السلام) صحيفة أو صحفاً.

8- هو محمد الباقر الإمام الخامس من أئمة آل البيت (عليهم السلام).

9- « فهرست النجاشي » 2 / 261.

10- « المحدث الفاصل » للرامهرمزي 601، « تدريب الراوي ».

11- « سلسلة الأحاديث الضعيفة » 1 / 76 ح57.

12- « الأحكام في أصول الأحكام » 5/61.

imported_إمامي is offline   Reply With Quote
Old 28-09-2007, 07:40 PM   #14
معلومات العضو
مناري صديق
 
رقم العضوية : 366
Join Date : Apr 2006
عدد المواضيع : 22
عدد الردود : 296
مجموع المشاركات : 318
النقاط : 50
آعجبنيً: 0
تلقي آعجاب 0 مرة في 0 مشاركة
SMS المزيد ....
My-MMS المزيد ....
imported_إمامي عضو
Default

الصحابة في حجمهم الحقيقي






الهاشمي بن علي رمضان


كلمة الصحبة ومشتقاتها في القرآن

قبل الخوض في هذا الموضوع بتفاصيله وأبعاده نرى لزاماً علينا أن نأتي على كلمة الصحبة ومشتقاتها من القرآن الكريم، لنرى أنّها استعملت في معان عديدة مختلفة.

يقول تعالى في كتابه المجيد مخاطباً مشركي قريش: (مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّة)( سورة سبأ: الآية 46)، فأنت ترى أن الله جعل عتاة قريش الذين اتهموا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالجنون، تراه يخاطبهم بأنهم أصحابه، وهذا المعنى لا يخفى على كل فطن، إذ معناه رسولكم الذي أُرسل إليكم.

نفس هذا المعنى تجده في قوله تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى)( سورة النجم: الآية 2).

ويتكرّر هذا المعنى في قوله تعالى: (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون)( سورة التكوير: الآية 22).

كذلك يطلق لفظ الصاحب أو الصحابي في القرآن على النسبة إلى مكان ، كقوله تعالى : (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ)( سورة يوسف: الآية 39)، فبالرغم من أنّ رفيقي يوسف (عليه السلام) كانا كافرين بدليل قوله تعالى: (أَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ)( سورة يوسف: الآية 39).

لكن لانّه جمعهما مكان واحد مع يوسف، صارا صاحبين له نسبة إلى المكان الذي اجتمعوا فيه.

هذا المعنى موجود أيضاً في قوله تعالى: (وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)( سورة البقرة: الآية 275)، وأصحاب النار كما هو معلوم بالبداهة أهلها وساكنوها.

ونفس المعنى أيضاً موجود في الآيات التالية:

(أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً (سورة الفرقان: الآية 24).

(أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً)(سورة الكهف: الآية 9).

(وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ)(سورة التوبة: الآية 70).

(وَنَادَى أَصْحَابُ الاَعْرَافِ)(سورة الأعراف: الآية 48).

(وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الاَيْكَةِ لَظَالِمِينَ)(سورة الحجر: الآية 78).

(وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ)(سورة الحجر: الآية 80).

(وَأَصْحَابَ مَدْيَنَ)(سورة الحج: الآية 44).

(أَصْحَابَ القَرْيَةِ)(سورة يس: الآية 13).

(أَصْحَابِ القُبُورِ)(سورة الممتحنة: الآية 13).

(أَصْحَابُ الاُخْدُودِ)( سورة البروج: الآية 4).

هذا وقد تُطلق كلمة الصاحب أو الصحابي أو الأصحاب نسبة إلى زمان كقوله تعالى: (... كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ)( سورة النساء: الآية 47).

وقد يطلق لفظ الصحبة نسبة إلى حيوان كقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ)(سورة الفيل: الآية 1) و: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الحُوتِ)(سورة القلم: الآية 48).

كذلك يطلق لفظ الصحبة نسبة إلى آلة كقوله تعالى : (وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ)(سورة العنكبوت: الآية 15).

كما يطلق لفظ الصحبة أو الصاحبة على الزوجة كما في قوله تعالى:

(أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ)( سورة الأنعام: الآية 101)، و : (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً)( سورة الجن: الآية 3)، و : (يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمَئِذ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيِهِ)( سورة المعارج: الآية 12).

وقد يطلق معنى الصحبة على رجل يحاور آخر بغض النظر عن كفر أو إيمان الصاحب كقوله تعالى: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذي خَلَقَكَ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً)( سورة الكهف: الآية 37).

كذلك يُطلق لفظ الصحبة نسبة إلى الحق أو الباطل كقوله تعالى: (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنْ اهْتَدَى)( سورة طه: الآية 135).

(فَأَصْحَابُ المَيْمَنَةِ)( سورة الواقعة: الآية 8).

(وَأَصْحَابُ المَشْئَمَةِ)( سورة الواقعة: الآية 9).

(وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ)( سورة الواقعة: الآية 41).

ويطلق لفظ الصحبة كذلك نسبة إلى شخص كقوله تعالى: (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى)( سورة الشعراء: الآية 61).

(فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطى فَعَقَرَ)( سورة القمر: الآية 29).

وهكذا ترى أن لفظ الصحبة ومشتقاتها ليس له أىّ فضل في ذاته ولا أىّ مزيّة، بل نستطيع أن نقول إنّه لفظ محايد.

بعد هذا الاستعراض لهذه الآيات القرآنية نأتي إلى تعريف الصحابي لغة:

يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي في مادة «صحب»: «الصحاب يُجمع بالصَّحب والصحبان والصحبة والصحاب. والأصحاب: جماعة الصحب والصحابة مصدر قولك: صاحبك الله وأحسن صِحابتك. ويقال عند الوداع: مصاحباً معافى... إلى أن يقول: «وكلّ شيء لائم شيئاً فقد استصحبه»(1).

هذا وقد أعرضنا عن بقية كتب اللغة خشية التطويل.


الصحابي اصطلاحاً :

يقول ابن حجر العسقلاني في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة: «الصحابي من لقي النبي (صلى الله عليه وسلم) مؤمناً به ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعُمي، ويخرج بقيد الإيمان من لقيه كافراً ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أُخرى...»(2).

وقال الإمام البخاري في تعريف الصحابي ما يلي: «ومن صحب النبي (صلى الله عليه وسلم) أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه»(3).

وعلى هذين التعريفين يكون كلّ شعب رسول الله (صلى الله عليه وآله) صحابة من الطفل الصغير إلى الشيخ الكبير إلى المرأة.

وياليت الأمر وقف عند هذا الحدّ، بل إنّ علماء السنّة أجمعوا على أن كل الصحابة عدول ثقات!!


عدالة الصحابة :

يقول ابن الأثير في مقدمة كتابه أُسد الغابة في معرفة الصحابة ما يأتي: «والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلاّ الجرح والتعديل، فإنهم كلّهم عدول لا يتطرق الجرح إليهم، لانّ الله عزّ وجلّ ورسوله زكّياهم وعدّلاهم، وذلك مشهور لا نحتاج لذكره»(4).

أما ابن حجر العسقلاني فيقول عن عدالة الصحابة: «اتفق أهل السنّة أنّ الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة، وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلاً نفيساً في ذلك فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)( سورة آل عمران: الآية 110) وقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ اُمَّةً وَسَطاً)( سورة البقرة: الآية 143)، وقوله: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)( سورة الفتح: الآية 18)، وقوله: (وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)( سورة التوبة: الآية 100)، وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ)( سورة الأنفال: الآية 64 )، وقوله: (لِلْفُقَراءِ المُهَاجِرينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) إلى قوله: (إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)( سورة الحشر: الآية 8)، في آيات كثيرة يطول ذكرها وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها... ، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله لهم إلى تعديل أحد من الخلق...، إلى أن يقول إلى أن روى بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به حق، وإنما أدّى إلينا ذلك كلّه الصحابة وهؤلاء (وهم) يريدون أن يجرحوا شهودنا ليُبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة انتهى...»(5).

فعلى رأي علماء أهل السنّة كل شعب رسول الله الذي آمن به صحابة، وهم أيضاً عدول كلّهم لا يتطرق الشك إليهم أبداً حتّى إلى واحد منهم.

وقالوا: من يطعن في صحابي واحد فهو زنديق، وقالوا: إنّ الله طهرهم وزكّاهم جميعاً.

وحتّى يتبيّن لك الأمر تعال إلى كلام الله المجيد وانظر رأي القرآن في الصحابة أو فقل رأيه في كثير منهم.


الصحابة في القرآن :

يقول تعالى في سورة الفتح: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاِنْجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً»( سورة الفتح: الآية 29).

فمن ينظر إلى أول الآية يرى أن الممدوحين مع رسول الله هم عموم الصحابة، لكن انظر إلى قوله تعالى: (وَعَدَ اللهُ الَّذينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ...).

فلم يَعِدْ الله جميع الصحابة بالمغفرة والأجر، بل فقط مَنْ آمن وعمل صالحاً، ولو كان الوعد للجميع لقال: (وعدهم الله...) فتأمل.

ويقول تعالى في نفس هذه السورة: (إِنَّ الَّذينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)( سورة الفتح: الآية 10).

وأنت ترى في هذه الآية أنّ الله تعالى يحذّر الناكثين بأنهم إنّما ينكثون على أنفسهم وليسوا بضارّي الله تعالى شيئاً.

ولدى قراءة سورة الحجرات تصادف هذه الآية: (إِنَّ الَّذينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وراء الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَروُا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)( سورة الحجرات: الآيات 4 ـ 5).

فانظر لوصف الله تعالى هذه الفئة من المسلمين حيث وصفهم بأبشع وصف وهو أنهم لا يعقلون، وقد وصفهم الله في صدر السورة بأنهم يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي مع أنهم مؤمنين به (صلى الله عليه وآله) .

ويقول في سورة الحجرات أيضاً: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)( سورة الحجرات: الآية 6).

ومن المعلوم والمشهور أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة، وهو أخو عثمان بن عفان لامه، عندما بعثه إلى بني المصطلق فرجع وكذب على النبي (صلى الله عليه وآله) (6)، فالله يصف الوليد بالفاسق، وأئمة السنّة يقولون إنّه عدل؟!

ويقول تعالى في سورة التوبة: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَة وَيَوْمَ حُنَيْن إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرينَ)( سورة التوبة: الآية 25).

في هذه الآية يذكر الله ويشنّع على المسلمين فرارهم يوم حنين حيث تركوا النبي مع ثلة قليلة عدد أصابع اليد وفرّوا، وقد اغترَّ المسلمون في حنين بكثرتهم حتّى قال أبو بكر: «لن نُغلَب اليوم من قلّة»(7).

وقال الله أيضاً مخاطباً الصحابة: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيْلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الاَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِل قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(8).

فالله هنا يقرّع الصحابة بسبب تثاقلهم عن الغزو وكما لا يخفى فإن الله تعالى توعّد الصحابة في هذه الآية بالعذاب الأليم وباستبدالهم بقوم آخرين ـ الفرس على رأي ـ إذا لم ينفروا في سبيله، فأين مدح الله للصحابة هنا؟!

وفي نفس سورة التّوبة هذه تقرأ قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يُلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)( سورة التوبة: الآيات 75 ـ 77).

المشهور أن هذه الآية نزلت في أحد الصحابة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) ، وهو ثعلبة بن حاطب الأنصاري، الذي شكا لرسول الله الفقر وطلب أن يدعو له الرسول (صلى الله عليه وآله) بالغنى والثروة، ولمّا أعطاه الله سؤله رفض دفع الزكاة وقال: إنّها الجزية أو أخت الجزية، فأنزل الله فيه هذه الآية.

إنّ ثعلبة صحابي أنصاري عاش مسلماً مؤمناً بالله ورسوله لكنه يوصف بالنفاق كما قال تعالى; فأين عدالة الصحابة جميعاً ؟! وأين ما يدّعيه علماء أهل السنة وأئمتهم ؟! ثم يأتي من يقول: إذا انتقصت أحداً من الصحابة فأنت زنديق !! فها هو الله ينتقص بعضهم بل كثير منهم، أفتونا بعلم إن كنتم صادقين.

ويقول تعالى في سورة الأحزاب: (وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً)( سورة الأحزاب: الآية 12).

قد يقول كثير من علماء أهل السنة: إنّ هذه الآية خاصة بالمنافقين ولا دخل لها بالصحابة (وسنُبيّن أن المنافقين هم صحابة كذلك فيما بعد) ولكن من ينظر مليّاً إلى الآية فسيجدها تقصد فئتين، المنافقين ثم فئة أُخرى غير المنافقين وهم الذين في قلوبهم مرض.

يقول الله تعالى عزّ وجلّ في سورة الأحزاب أيضاً: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ امنوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَام غَيْرَ نَاظِرينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيث إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْي مِنْكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْي مِنَ الحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاء حِجَاب ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً)( سورة الأحزاب: الآية 53).

وقد قال الإمام الفخر الرازي في تفسيره: «القائل هو طلحة بن عبيد الله الذي قال: لئن عشتُ بعد محمّد لا نكحنّ عائشة»(9).

ويقول تعالى في آية أُخرى من سورة الأحزاب: (يَا نِسَاءَ النَّبِيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً)( سورة الأحزاب: الآية 30).

نعم هذا هو منطق القرآن لا قرابة بين الله وبين أحد من خلقه ولا مجاملة من الله ولا من رسوله لاحد، لا لصحابي ولا لزوجة النبيّ، إنّ أكرم الخلق عند الله اتقاهم بما في ذلك الأنبياء والمرسلين، بل إنّ صحبة الرسول مسؤولية خطيرة وكذلك الزوجيّة له (صلى الله عليه وآله)، فمن لم يراعها حقّ رعايتها كان عذابه مضاعفاً لما رأى من الحق ومن هدي الرسول الكريم، فهل بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هاد وهل بعده من عظيم؟! ولولا رسول الله لأخذ عذاب الله كثيراً من الصحابة كما أخذ السامريّ ومن كان قبل الصحابة من أتباع وأصحاب الأنبياء، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)(سورة الأنفال: الآية 33).

ويقول الله تعالى في سورة الأحزاب: (إِنَّ الَّذينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُّهِيناً)( سورة الأحزاب: الآية 57).

إنّ الله لا يتأذّى ولكن أذى الله من أذى الرسول، وعليه فكلّ من آذى الرسول (صلى الله عليه وآله) صحابيّاً أو غيره فقد آذى الله، وهذا نظير قوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ)( سورة النساء: الآية 80)، وما أكثر من آذى الرسول من الصحابة والصحابيّات، ومن أراد اليقين فليبحث فسيرى عجباً.

ويقول الله تعالى في سورة آل عمران: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الُمؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللهُ وَلِيَّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنونَ)( سورة آل عمران: الآيات 121 ـ 122).

ويقول الفخر الرازي في تفسيره: «أنها نزلت في حيّين من الأنصار همّا بترك القتال في أُحد والعودة إلى المدينة أُسوة برأس النفاق عبد الله بن أُبي بن أبي سلول»(10).

ويقول تعالى في سورة آل عمران حول معركة أُحد: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الاَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُريدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُريدُ الآخِرَةَ...)( سورة آل عمران: الآية 152).

ويقول كذلك: (إذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَد وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)( سورة آل عمران: الآية 153).

ويقول أيضاً: (إِنَّ الَّذينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمَ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)( سورة آل عمران: الآية 155).

مرحى لهؤلاء الصحابة الذين يفرّون من ساحة المعركة ويتركون الرسول خلفهم والرسول يناديهم في ذلك الموقف الشديد.

وقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره: «أنّ عمر بن الخطاب كان من المنهزمين، إلاّ أنّه لم يكن في أوائل المنهزمين!! ومن الذين فرّوا يوم أُحد عثمان بن عفان ورجلين من الأنصار يقال لهما سعد وعقبة، انهزموا حتّى بلغوا موضعاً بعيداً ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام فقال لهم النبيّ (صلى الله عليه وآله): لقد ذهبتم بها عريضة»(11)!

ثم لنأت إلى سورة الجمعة ولنقرأ هذه الآية: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)( سورة الجمعة: الآية 11).

وقد نزلت هذه الآية في الصحابة الذين كانوا يصلون الجمعة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حتّى إذا دخل دحية الكلبي ـ وكان مشركاً ـ المدينة بتجارة من الشام فترك الصحابة المسجد وخرجوا إليه ولم يبق معه (صلى الله عليه وآله) إلاّ اثنا عشر رجلاً على رواية، حتّى قال النبي (صلى الله عليه وآله) فيهم: «لو اتّبع آخرهم أوّلهم لالتهب الوادي عليهم ناراً»(12).

ونأتي إلى سورة التحريم حيث ترى عجباً، إذ فضحت هذه السورة زوجتين من زوجات الرسول وهما عائشة وحفصة، حيث جاء في سبب نزولها أن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان يأتي زينب بنت جحش ويأكل عندها عسلاً، فاتفقت عائشة مع حفصة على أن تقولا للرسول (صلى الله عليه وآله) إنّ فيك رائحة مغافير (الثوم)، وهكذا كان إلى أن قال الرسول (صلى الله عليه وآله): «لقد حرّمتُ العسل على نفسي»، فنزلت سورة التحريم ومنها قوله تعالى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)( سورة التحريم: الآية 4).

وصالح المؤمنين كما رواه البعض هو علي بن أبي طالب (عليه السلام)(13).

ومعنى صغت كما قال الفخر الرازي في تفسيره: مالت عن الحقّ.

وتواصل السورة: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَات مُؤْمِنَات قَانِتَات تَائِبَات عَابِدَات سَائِحَات ثَيِّبَات وَأَبْكَاراً)( سورة التحريم: الآية 5).

فالله يقول لعائشة وحفصة لا تظنّا أنكما أفضل النّساء لانكما زوجتا الرسول، بل يستطيع الله أن يبدله نساءاً خيراً منكنّ.

ثم يقارن الله تعالى عائشة وحفصة بامرأة نوح وامرأة لوط ليحذّرهنّ أنّ كونهما زوجتين لمحمّد (صلى الله عليه وآله) لا يدرأ عنهما عذاب النار ولا يجعلهنّ بالضرورة من أهل الجنة، يقول تعالى: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوح وَامْرَأَةَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)( سورة التحريم: الآية 10).

ثم يأتي علماء أهل السنة بعد كلّ هذه الأدلة ليقولوا: إنّ عائشة أحبّ النّاس لرسول الله (صلى الله عليه وآله) والويل لمن يقول غير ذلك!(14).

ثم تعال معي إلى سورة النور، حيث يقول العزيز الحكيم: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بالاِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الاِثْمِ وَالَّذي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ)( سورة النور: الآية 11).

فتأمّل قوله تعالى: (عُصْبَةٌ مِنْكُمْ)، ألا يعني ذلك أنهم داخلون في دائرة الصحابة، وقد ورد في التفاسير أنّ الذين جاؤوا بالإفك (اتهام عائشة) هم زيادة على رأس النفاق عبد الله بن أبي سلول، حسان بن ثابت شاعر الرسول (صلى الله عليه وآله) والإسلام ، وزيد بن رفاعة ومسطح بن أُثاثة وحمنة بنت جحش(15).

وقد يدّعي الكثير من البسطاء أنّ هذه فضيلة لعائشة حيث برّأها الله وأنزل فيها قرآناً من فوق سماواته، لكن من يتأمّل الحالة جيّداً يجد أنّ الاية نزلت لتبرأة ساحة النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله) وتنزيهه، ولو كانت عائشة زوجة لغير رسول الله ما كان ينزل فيها حرف واحد، لانّ الله تعالى بيّن أحكامه وأحكام السرقة والخمر وغيرها في كتابه، لكن نظراً لحساسية موقع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومنزلته العظمية برأ الله ساحته ونزّهها.

ويقول الله تعالى في سورة الأنفال: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظيمٌ)( سورة الأنفال: الآيات 67 ـ 68).

في هذه الآيات خطاب شديد للصحابة الذين حاربوا في بدر لأنهم أخذوا أسرى، وليس هذا من شأن الرسول (صلى الله عليه وآله) كما ليس من شأن الأنبياء السابقين، لكن الله سمح لهم بعد ذلك بأخذ الفداء، والعجيب أنّ كثيراً من المفسّرين أدخلوا الرسول (صلى الله عليه وآله) في هذا التهديد مع أنّ ظاهر الآية واضح في مخاطبة الصحابة، ثم أنّ رسول الله ما كان ليقوم بفعل أو قول دون إذن الله فلماذا يدخل في دائرة التهديد؟! نعم هذا ما فعلته أيدي بني أُمية الحاقدة على النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته فينطبق عليهم قول الله تعالى: (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ)( سورة المائدة: الآية 41).

وتقرأ في سورة الأنعام هذه الآية: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ...)( سورة الأنعام: الآية 93)(16).

وفي قول نزلت هذه الآية في عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخو عثمان بن عفان والذي أهدر النبي (صلى الله عليه وآله) دمه لأنّه قال إنني أستطيع أن أقول مثل ما أنزل الله، والعجيب أنّ هذا الأفّاك الأثيم يصبح في زمن عثمان أحد وزراء الدولة وقادة الجيش؟!

هذا غيض من فيض، ولولا أنّ المجال لا يتّسع لأكثر من هذا لأتينا على كلّ الآيات النازلة في شأن الصحابة والتي كانت تفضح بعضاً منهم أو تُقرّع البعض الآخر أو تهدّدهم وتتوعّدهم.

وهكذا ترى أنّ القرآن يضع الصحابة في محلّهم الطبيعي.

والعجب أنّ علماء أهل السنّة كما أشرنا إلى ذلك سابقاً يزعمون أنّ الله والقرآن عدّلا الصحابة جميعاً، وعليه إنّ أيّ قدح في أيّ واحد منهم هو خروج عن الإسلام وزندقة، فها هو القرآن يكذّب آراءهم النابعة من الهوى ويقول غير ما قالوا، ولا كلام بعد كلام الله وإن كره الكارهون.

ثمّ دعنا من الصحابة ولنأت إلى أشرف ولد آدم وأفضل رسل الله ورأس أُولي العزم (عليهم السلام) حيث إنّه (صلى الله عليه وآله) لم يكتسب تلك المنزلة العظيمة بالأماني بل بأعماله، وها هو القرآن يشير إلى هذه الحقيقة قائلاً: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ)( سورة الزمر: الآية 65).

وحاشا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يشرك، لكن هذا هو مقياس الله، لا مجاملة ولا محاباة مع أيّ أحد في أحكامه وشرائعه.

ثم انظر إلى قوله تعالى في سورة الحاقة: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلَ لأََخَذْنَا مِنْهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ)( سورة الحاقة: الآيات 44 ـ 46).

فليس معنى كون الرسول (صلى الله عليه وآله) نبيّاً يحجزه عن العقاب إذا خرج عن حدود الله، فما بالك بعد هذا بالصحابة؟!

إنّ الصحابة هم أوّل المكلّفين في الإسلام وأوّل المسؤولين.

فهم إذن تحت الشرع وليسوا فوقه، وليس عندهم جواز عبور إلى الجنّة، هيهات ليس الأمر بالأماني.

إنّ الصحابة في موضع خطير حيث أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) كان بين أظهرهم ولا حجّة لمن تعدّى حدود الله منهم غداً يوم القيامة، فقد شاهدوا نور النبوّة وآيات الله نزلت بينهم وقد تمت عليهم الحجّة والويل لمن لم يُنجِه كلّ ذلك.


رأي الرسول (صلى الله عليه وآله) في الصحابة :

بعد استعراضنا لكثير من الآيات الموضحة والمبيّنة لرأي القرآن في الصحابة، نأتي الآن لنرى رأي الرسول (صلى الله عليه وآله) في أصحابه.

نفتح صحيح البخاري ونقرأ: عن عقبة (رضي الله عنه) أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) خرج يوماً فصلّى على أهل أُحد صلاته على الميّت ثم انصرف على المنبر فقال: «إنّي فرط لكم وأنا شهيد عليكم وإنّي والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإنّي أُعطيتُ مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض، وإنّي والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها»(17).

وجاء هذا الحديث بألفاظ أُخرى منها هذا الحديث التالي: عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «بينا أنا قائم إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال هلمّ، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمّ، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل هَمَلِ النَّعم»(18).

فإذا نظرت إلى الحديث الأوّل ترى أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) قال: «وأنا شهيد عليكم» أي على أفعال أصحابه، وهذا يذكرنا بقول عيسى بن مريم (عليه السلام) حيث قال: (... وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ)( سورة المائدة: الآية 117).

فالرسول (صلى الله عليه وآله) ليس مسؤولاً عن أفعال أصحابه بعد حياته.

ثم انظر إلى قوله (صلى الله عليه وآله): «لكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها».

نعم هكذا كان، حيث صار الصحابة بعد فتح البلدان من أغنى الناس كطلحة والزبير وغيرهما، ولهذا حاربوا علىّ بن أبي طالب (عليه السلام) لأنّه كان أشد الناس في الحق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وتأمّل هذه المفردة في الحديث (حتّى إذا عرفتهم) وهذا يعني أنهم عاشوا مع الرسول (صلى الله عليه وآله) وليسوا أفراداً من أُمّته متأخرين أو المنافقين كما يدّعى البعض.

ثم تأمّل هذه المفردة (إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى).

نعم هكذا كان، وانظروا كتب التواريخ وما فعله كثير من الصحابة من كنز الأموال وقتل النفوس وتعطيل حدود الله وتغيير سنّة الرسول (صلى الله عليه وآله) لترى عجباً!!


مخالفات الصحابة للرسول (صلى الله عليه وآله):

إنّ الباحث المتجرّد سيكتشف أنّ الصحابة هم أوّل من خالف الله ورسوله ولم يكونوا جميعاً مطيعين متهالكين في طاعته (صلى الله عليه وآله) كما يدّعي البعض، وإليك غيض من فيض من هذه المخالفات:

عن البراء بن عازب (رضي الله عنه) قال: «جعل النبي (صلى الله عليه وآله) على الرجّالة يوم أُحد ـ وكانوا خمسين رجلاً ـ عبد الله بن جبير فقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتّى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هَزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتّى أرسل إليكم، فهزموهم (هزيمة المشركين)، قال فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهنّ وأسوُقُهنّ رافعات ثيابهنّ، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة أيْ قوم الغنيمة، ظَهرَ أصحابكم فما تنتظرون، فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قالوا: والله لنأتيّن الناس فلنصيبنّ من الغنيمة، فلمّا أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أُخراهم، فلم يبق مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) غير اثني عشر رجلاً فأصابوا منّا سبعين»(19).

أُنظر إلى هؤلاء الصحابة يخالفون أوامر الرسول (صلى الله عليه وآله) علانية حتّى تسببوا في هزيمة المسلمين وشهادة خيار الصحابة كمصعب بن عمير وحمزة وغيرهما، ولو لم ينزلوا من الجبل لكانت معركة أُحد الضربة القاضية للمشركين، ولما تجّرأوا بعدها على خوض حروب أُخرى ضد الرسول (صلى الله عليه وآله) كغزوة الخندق وغيرها.

ويا ليته كان فرارهم الأوّل بعد هزيمتهم، لكن أعادوا نفس الفعلة في غزوة حنين.

وإليك حادثة أُخرى وقعت قبل أربعة أيام من وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وهي المعروفة برزيّة يوم الخميس: عن ابن عباس قال: «يومُ الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتّى خضب دمعه الحَصْبَاء، فقال: اشتدّ برسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعه يوم الخميس فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبدا، فتنازعوا ـ ولا ينبغي عند نبيّ تنازع ـ فقالوا: هَجَر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، قال: دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه، وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ونسيت الثالثة»(20).

مرحى لهؤلاء الصحابة يأمرهم الرسول فيقولون إنّ النبيّ يهجر (يخرّف)!! ولا يطيعونه حتّى يُعرض عنهم.

ويا حسرة على ذلك الكتاب الذي لم يُكتَب والذي قال عنه الرسول (لَنْ تضلّوا بعده) ولو فعل الصحابة ما أُمروا به لما اختلف مسلمان إلى يوم القيامة، فانظر إلى ما جناه علينا الصحابة من الضلال وما حرمونا منه.

حديث آخر فخذه: «عن عليّ (رضي الله عنه) قال: بعث النبي (صلى الله عليه وآله) سريّة وأمّر عليهم رجلاً من الأنصار وأمرهم أن يُطيعوه، فغضب عليهم وقال: أليس قد أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله)أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: عزمتُ عليكم لما جمعتم حطباً وأوقدتم ناراً ثم دخلتم فيها، فجمعوا حطباً فأوقدوا، فلمّا همّوا بالدخول نظر بعضهم إلى بعض قال بعضهم: إنمّا تبعنا النبي (صلى الله عليه وآله) فراراً من النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه، فذكر للنبي (صلى الله عليه وآله) فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً إنّما الطاعة في المعروف»(21).

انظر إلى هذا الأمير المتلاعب كيف يأمر الصحابة بالهلاك وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة، وانظر استنكار الرسول (صلى الله عليه وآله) لذلك الفعل وما قاله.

والأعجب من هذا كلّه أنك تجد في كتب وصحاح أهل السنّة أحاديث في الطاعة ما أنزل الله بها من سلطان، بل مخالفة لصريح القرآن والفطرة الإنسانيّة مثل هذا الحديث الآتي: عن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : اسمعوا وأطيعوا وإن أستُعمِل عليكم عبد حبشي كأنّ رأسه زبيبة»(22).

نقول: أوّلاً: حاشى لرسول الله أن تصدر منه هكذا أوصاف في حقّ عباد الله، وهو الذي وصفه الله تعالى بالخُلق العظيم ولا يعيّر الرسول أحداً من الخلق ولا يقول رأس فلان ككذا ولا غيرها.

وثانياً: أليس الله تعالى يقول: (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ ...)( سورة هود: الآية 113).

فالله ينهي عن طاعة الظالمين فكيف يأمر بها نبيّه؟!

نعم، إن معاوية وملوك بني أُمية وبني العباس وضعوا هذه الأحاديث حتّى لا يخرج عليهم أحد ولا ينهاهم مسلم، وهل يريد الحكّام الظالمون أكثر من ذلك؟!

وتعالَ إلى حديث آخر شبيه بالسابق:

قال (صلى الله عليه وآله): «من رأى من أميره شيئاً فكرهه فليصبر، فإنّه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلاّ مات ميتة جاهليّة»(23).

إنّ هذا الحديث كذب صريح، وإلاّ لو كان صحيحاً فلماذا خالفه الصحابة أنفسهم، أليس قد فارق علي بن أبي طالب جماعة المسلمين ولم يبايع أبا بكر إلاّ بعد ستة أشهر؟ أليس قد خالفت عائشة هذا الحديث وخرجت على عليّ في حرب الجمل مع طلحة والزبير؟! أليس قد فارق عبد الله بن عمر الجماعة ولم يبايع عليّاً طيلة خلافته ثم بايع بعد ذلك يزيد وعبد الملك بن مروان؟!

وهناك حديث آخر يعارض هذه الأحاديث، يقول: عن عبد الله عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبّ أو كره ما لم يُؤمَر بمعصية، فإن أُمر بعصية فلا سمع ولا طاعة»(24).

وإليك فعلة شنيعة أُخرى اقترفها صحابي ابن صحابي:

عن أسامة بن زيد بن حارثة قال: «بعثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الحُرقة (قبيلة) من جُهينة، قال فصبّحنا القوم فهزمناهم، قال ولحقتُ أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، قال: فلمّا غشيناه قال لا إله إلاّ الله، قال: فكفّ عنه الأنصاري فطعنتُهُ برمحي حتّى قتلتُه، قال: فلمّا قدمنا بلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله)، قال: فقال لي: يا أُسامة أقتلْتَهُ بعدما قال لا إله إلا الله، قال: قلتُ: يا رسول الله إنّما كان متعوّذاً (أي قالها خوفاً من القتل لا إيماناً) قال: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال: فما زال يكرّرها علىّ حتّى تمنّيتُ أني لم أكن أسلمتُ قبل ذلك اليوم»(25).

والواقع أنّ الإنسان لا يجد ما يعلق عليه في هذه الحادثة، لذا نتركها للقارئ.

وإليك حادثة أُخرى: عن أبي هريرة قال: «شهدنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لرجل ممّن يدّعي الإسلام: هذا من أهل النار، فلمّا حضر القتال قاتل الرجل قتالاً شديداً فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله الذي قلت إنّه من أهل النار فإنّه قد قاتل اليوم قتالاً شديداً وقد مات، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): إلى النار، قال: فكاد بعض الناس أن يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ قيل: إنّه لم يمت ولكن به جراحاً شديداً، فلمّا كان من اللّيل لم يصبر على الجراح فقَتل نفسه، فأخبر النبيّ (صلى الله عليه وآله) بذلك فقال: الله أكبر إني عبد الله ورسوله، ثم أمر بلالاً فنادى بالناس...»(26).

هذا رجل مسلم، صحب النبي (صلى الله عليه وآله) وغزا معه، والله أعلم كم غزوة شارك فيها، ولم يكفر بالله ولم يرتدّ لكنّه من أهل النار لأنّه انتحر ولم يصبر على الجراح، فكيف يقال: إنّ جميع الصحابة عدول؟!

نكتفي بهذا القدر اليسير من مخالفات الصحابة لله ولرسوله وننتقل إلى بحث آخر وهو: رأي الصحابة في بعضهم البعض.


رأي الصحابة في بعضهم البعض :

إنّ الذي يمنعنا اليوم من مجرّد ذكر حقائق وأفعال بعض الصحابة ـ التي أثبتها الله ورسوله ويدّعي أنّ ذلك طعن بالصحابة ويتهمنا بسب وشتم جميع الصحابة ـ لا يدري أنّ الصحابة أنفسهم شتم بعضهم بعضاً ولعن بعضهم بعضاً وقاتل بعضهم بعضاً، فهل «حلال عليهم، حرام علينا؟!».

وإليك بعض الأمثلة على ذلك: عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه قال: «أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب؟! فقال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنّ له رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلن أسبّه لان تكون لي واحدة منهنّ أَحبّ إلىَّ من حُمر النِّعم. سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه فقال له عليّ: يا رسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبوّة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطينّ الراية رجلاً يُحبّ اللهَ ورسولَه ويحبّه اللهُ ورسولُه، قال فتطاولنا لها فقال: ادعوا لي عليّاً، فأُتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه، ولمّا نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)( سورة آل عمران: الآية 61) دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللّهم هؤلاء أهلي»(27).

ونحن نستخلص من شهادة سعد بن أبي وقاص هذه أشياء:

أولاً: لو كان سبّ الصحابي كفراً فما بال معاوية بن هند يأمر الصحابة ومن ضمنهم سعداً بسبّ علي بن أبي طالب؟! وما بال بني أُميّة اتخذوا سبّ علي بن أبي طالب سنّة، حتّى كانوا يلعنونه على المنابر طيلة سبعين سنة.

ثانياً: ثبت عن الصحابة أنّ المقصود من أهل البيت النبويّ ليس زوجات الرسول بل هم: علي وفاطمة وحسن وحسين وفيهم نزلت آية التطهير حيث يقول تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وُيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(سورة الأحزاب: الآية 33). فالقرآن نزل بين الصحابة وما كانت لتخفى عليهم مقاصد هذه الآية.

وثالثاً: يتبيّن كذب أحاديث قيلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومنها هذا الحديث التالي: عن محمد بن إسحاق عن يونس بن محمد عن إبراهيم بن سعد عن عبيدة بن أبي رائطة عن عبد الرحمان عن عبد الله بن مغفّل قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه»(28).

فإذا صحّ الحديث فمعاوية ـ وهو صحابي درجة مائة ـ كان يسبّ عليّاً وما أدراك ما علي ويأمر بسبّه; وعليّ (عليه السلام) قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق»(29).

وإليك مثال آخر على رأي الصحابة في بعضهم البعض: عن جابر قال: «صلّى معاذ بن جبل الأنصاري بأصحابه صلاة العشاء فطوّل عليهم، فانصرف رجل منّا، فصلّى، فأُخبر معاذ عنه فقال: إنّه منافق، فلمّا بلغ ذلك الرجل دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبره ما قال معاذ، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) «أتريد أن تكون فتّاناً يا معاذ؟ إذا صلّيت بالناس فاقرأ بالشمس وضحاها وسبّح اسم ربّك الأعلى واللّيل إذا يغشى واقرأ باسم ربّك»(30) وتعليقاً على الحديث نقول: انظر إلى معاذ وهو يرمي أحد المسلمين بالنفاق لأنه لم يُطق تطويله وتأمّل لوم الرسول (صلى الله عليه وآله) لمعاذ.

كذلك أمر عمر بن الخطاب رجال السقيفة بأن يقتلوا سعد بن عبادة لانّه خالف ما اتفقوا عليه ، وهكذا الأمثال عديدة ، فمن شاء فليحقّق في الصحاح وكتب السيرة.

ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما»(31).

وإليك مثالاً آخر: «عن جابر (رضي الله عنه) قال: غزونا مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتّى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعّاب فكسع أنصاريّاً فغضب الأنصاري غضباً شديداً حتّى تداعوا، وقال الأنصاري: ياللأنصار، وقال المهاجريّ: يا للمهاجرين، فخرج النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقال: ما بال دعوى أهل الجاهليّة، ثم قال: ما شأنهم؟ فأُخبر بكسعة المهاجريّ الأنصاري، قال فقال النبي (صلى الله عليه وآله): دعوها فإنّها خبيثة.

وقال عبد الله بن أُبي بن سلول: قد تداعوا علينا لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، فقال عمر: ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث لعبد الله، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله): لا يتحدّث الناس أنّه كان يقتل أصحابه»(32).

فهاهم المهاجرون والأنصار يختلفون ويكادون يتقاتلون، حتّى وصل الأمر أن يستغلّ هذه الفرصة رأس المنافقين فيقول ما قال.

ولنتصور مدى تألّم قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يرى أصحابه يرفعون شعارات قبليّة، أليست هذه إذاية للرسول (صلى الله عليه وآله)؟!

ثم تأمّل قوله (صلى الله عليه وآله) حيث قال: «لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه»، فنفهم منه أنّ المنافقين بعكس ما يقول علماء أهل السنّة كانوا داخلين في دائرة الصحابة وما كان أكثرهم حتّى أن الله تعالى أنزل سورة كاملة باسمهم(33) وقال تعالى فيهم في سورة التوبة: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ...)( سورة التوبة: الآية 101) فمن هم يا تُرى أولئك المنافقون الذين لا يعلمهم الرسول (صلى الله عليه وآله)؟! سنعرفهم يوم القيامة إن شاء الله تعالى.

كذلك تسابّ خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف أمام رسول الله (صلى الله عليه وآله) أفحش خالد بن الوليد لعمّار بن ياسر(34) وما أدراك ما عمّار الطيب بن الطيب(35) كما وصفه رسول الله (صلى الله عليه وآله).


ما لاقاه الصحابة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله):

1- عمّار بن ياسر:

عمّار بن ياسر أبو اليقظان وهو صحابي جليل وقد استشهد أبواه ياسر وسميّة ـ أوّل شهيدة في الإسلام ـ بعد أن عُذِّبا وعمّار عذاباً شديداً من مشركي قريش.

وعمّار هو الذي نزل فيه قوله تعالى: (إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)(سورة النحل: الآية 106). بعدما نال من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذكر آلهة المشركين على رواية لشدة ما ناله من العذاب، وقد قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): «عمّار تقتله الفئة الباغية»(36) وفعلاً استشهد عمّار يوم حرب صفّين بين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ورئيس الفرقة الباغية معاوية بن هند.

وقبل أن يقتل «الصحابي» معاوية عمّاراً كما قتل غيره، تعرّض عمّار للضرب والشتم من عثمان ووزيره مروان بن الحكم، وإليك القصة كما أوردها ابن قتيبة في كتابه (الإمامة والسياسة): «... ثم تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يد عثمان، وكان ممّن حضر الكتاب عمّار بن ياسر والمقداد بن الأسود، وكانوا عشرة، فلمّا خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان والكتاب في يد عمار جعلوا يتسللون عن عمّار حتّى بقي وحده، فمضى حتّى جاء دار عثمان، فاستأذن عليه، فأذن له في يوم شات فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني أُميّة، فدفع إليه الكتاب فقرأه فقال له: أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال نعم، قال: ومن كان معك؟ قال كان معي نفر تفرّقوا فَرقاً منك، قال: من هم؟ قال: لا أُخبرك بهم، قال: فلم اجترأت علىّ من بينهم؟ فقال مروان: يا أمير المؤمنين إنّ هذا العبد الأسود (يعني عمار) قد جَرّأ عليك الناس، وإنّك إن قتلته نكّلت به من وراءه، قال عثمان: اضربوه، فضربوه وضربه عثمان معهم حتّى فتقوا بطنه، فغشي عليه، فجرّوه حتّى طرحوه على باب الدار، فأمرت به أُم سلمة زوج النبي عليه الصلاة والسلام فأدخل منزلها...»(37).


2- أبو ذرّ الغفاري:

هو جندب بن جنادة من قبيلة غفار، وكان رابع من أسلم أو خامسهم بعد خديجة وعليّ وزيد بن حارثة، وقد قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر»(38).

وأبو ذرّ هذا نفاه عثمان بن عفّان إلى الشام، لكن معاوية خاف منه ومن صرامته في الحق فأرسل لعثمان كتاباً قال له فيه: انقذني من أبي ذرّ، فأرجعه عثمان وشتمه ونفاه إلى صحراء الربذة حتّى مات هناك، فصدق فيه قول الرسول (صلى الله عليه وآله): «تمشي وحدك وتموت وحدك وتُبعث وحدك»(39).

بل إنّ هذا الصحابي الجليل القدر لم يجد حين حضرته الوفاة كفناً يُكفّنُ فيه، في حين كان مروان بن الحكم وغيره من بني أُميّة المجرمين يتنعّمون ويبذّرون مال الله على شهواتهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.


3- سهل بن سعد الساعدي:

صحابي من الصحابة، وقد قال ابن الأثير في ترجمته «... وعاش وطال عمره، حتّى أدرك الحجّاج بن يوسف وامتُحن معه، أرسل الحجّاج سنة أربع وسبعين إلى سهل بن سعد (رضي الله عنه) وقال له: ما منعك من نصر أمير المؤمنين عثمان؟! قال: قد فعلته. قال: كذبت، ثم أمر به فَخُتم في عُنُقه، وخَتم أيضاً في عنق أنس بن مالك (رضي الله عنه)، حتّى ورد عليه كتاب عبد الملك بن مروان فيه، وختم في يد جابر بن عبد الله، يريد (أي الحجّاج) إذلالهم بذلك، وأن يجتنبهم الناس ولا يسمعوا منهم»(40).

وكما ترى فإنّ الحجّاج ومن قبله معاوية ويزيد لم يدعوا حرمة للصحابة بل ختموا على رقابهم وأيديهم كالأغنام، وقد ختم يزيد على رقاب أهل المدينة بعد أن غزاها وكان فيها من الصحابة والتابعين الكثير وشرط عليهم أن يختم عليهم وأن يشهدوا على أنهم عبيد ليزيد.

ولاحظ حقد الحجّاج على من لم ينصر عثمان، فما بالك بمن حارب عثمان ودعى لقتله، وقد فعل هذا كثير من الصحابة كعائشة وطلحة والزبير وعمرو بن العاص وغيرهم كثير، وبهذا تعرف لماذا صارت لعثمان فضائل كثيرة مزعومة ومثالب وشتائم لمن عارضه أو قتله أو رضي بذلك، فافهم!!

نكتفي بهذا القدر، ولو أردنا التوسع فيما لقيه الصحابة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من التنكيل والتبعيد والقتل والسب والشتم لاحتاج كلّ ذلك إلى كتاب على أقل تقدير، ثم يقال بعد هذا إنّ سبّ الصحابي كفر وزندقة؟!


رأي التابعين في الصحابة:

في الواقع إنّ الباحث الفطن يكتشف أن مسألة عدالة الصحابة أجمعين أو فقل: إنّ لُغز عدالة الصحابة جميعاً هي مسألة محبوكة وموضوعة لكي تقف حجر عثرة أمام الوصول إلى الحقيقة، ولا يوجد أدنى شكّ في أنّها خطة أُمويّة أسّسها معاوية بن أبي سفيان حتّى لا يفتضح هو وأمثاله من أرثّاء وأخسّاء الصحابة وحتّى لا تصل الأُمة بعد ذلك إلى فهم القرآن الكريم وآياته ـ والتي تتضمّن طعناً بكثير من الصحابة كما أشرنا ـ وبالتالي عدم فهم السنّة الشريفة، وبعبارة أُخرى فقل: أراد معاوية الذي أسلم يوم فتح مكة ثم صار فيما بعد أميراً للمؤمنين، أراد أن لا يستغرب أحد من الأُمة هذه القفزة النوعيّة ولا تُثار الشكوك حولها، وبعبارة أدقّ قام معاوية بعمليّة خلط الأوراق حتّى لا يميّز المسلم يمينه من يساره ولا ناقته من جمله.

وبعد هذا الاستعراض القصير جدّاً لما شجر بين الصحابة من السب والتنابز، نأتي إلى طبقة التابعين لنرى رأي بعضهم في الصحابة.

لو كان كلّ الصحابة عدولاً كما يقال، فما كان هذا الأمر ليخفى على أحد مشاهير وأعلام التابعين، وهو الحسن البصري الفقيه البصري المعروف والذي أبدى رأيه في معاوية ـ الصحابي ـ صراحة حيث يقول: «أربع خصال كُنّ في معاوية ولو لم يكن فيه منهنّ إلاّ واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأُمة بالسفهاء حتّى أبتزّوها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة. استخلافه ابنه ـ يقصد يزيد الشر ـ بعده سكّيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب الطنابير. ادعاؤه زيادًا وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الولد للفراش وللعاهر الحجر. قتله حجر وأصحابه ـ يقصد حجر بن عدي الصحابي الجليل ـ ويل له من حجر وأصحابه ويل له من حجر وأصحابه»(41).

فهذا التابعي يشنّع على معاوية ـ الصحابي ـ أمورا منها أنه انتزى على حكم المسلمين بالقوّة والباطل رغم وجود بقية باقية من خيار الصحابة، ولم يكتف معاوية بهذا بل جعل أناساً مجرمين ولاة على الإمارات الإسلامية كتوليته زياد بن أبيه (الذي جعله أخاً له) وتولية بسر بن أرطأة السفاح وكتولية المغيرة بن شعبة والضحاك بن قيس الفهري على الكوفة وغيرهم.

كذلك يشنّع الحسن البصري على معاوية توليتهُ يزيداً ابنه خليفة ـ ملكاً على الأصح ـ على المسلمين مع ما اشتهر عنه من فسق وفجُور، حتّى قال فيه الحسين بن علي (عليه السلام) قولته الشهيرة عندما رفض مبايعة يزيد: «وعلى الإسلام السلام إذ بُليت الأُمة براع مثل يزيد».

ولا ينسى الحسن البصري حادثة قتل معاوية لحجر بن عدي الصحابي الجليل الذي دفنه حيّاً في مرج عذراء قرب دمشق مع ثلّة من أصحابه. وَسجِلّ معاوية مليء بالاغتيالات والتصفيات التي طالت حتّى كبار الصحابة فضلاً عن غيرهم. فقد سمّ الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيّد شباب أهل الجنة، وقتل محمد بن أبي بكر وعمّار بن ياسر الذي قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ويح عمّار تقتله الفئة الباغية»، وعلى هذا يكون معاوية رئيس الفرقة الباغية، ثمّ يأتي من يقول بعد ذلك إنّ جميع الصحابة ـ بمن فيهم معاوية ـ عدول، ثقات، مغفور لهم، مشهود لهم بالجنة وأنّ منهم من اجتهد فأصاب ومنهم من اجتهد فأخطأ كمعاوية ولهذا فله أجر واحد فقط؟!

اللّهم احفظ لنا عقولنا فإنّك ما كرّمت بني آدم على الدواب إلاّ بها.


صحابة تحت المجهر:

ولكي يتبيّن الصّبح لذي عينين، لنضع بعض الصحابة الذين كان لهم أعمق الأثر في أن يوجد لدينا اليوم إسلام ذو شكل عجيب وغريب لا يمتّ إلى إسلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأيّ صلة اللّهم إلاّ الاشتراك اللّفظي، تحت المجهر.


1 ـ أبو هريرة الدوسي:

أبو هريرة، وما أدراك ما أبو هريرة، راوية الإسلام الأعظم. واختُلف في اسم أبي هريرة اختلافاً شديداً، لكن طغى عليه هذا الاسم.

وقد أسلم هذا الرجل في السنة السابعة للهجرة بعد غزوة خيبر، يعني أنه لم يصاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلاّ مقدار ثلاث سنوات أو أقلّ، لكن العجيب أنه أكثر الصحابة رواية، حيث بلغ مجموع أحاديثه (5374) حديثاً، علماً أنّ مجموع ما رواه الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (عليه السلام) هو (1421) حديثاً، وكما يقول السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي فإنّ نسبة حديث هؤلاء الذين طالت صحبتهم للرسول (صلى الله عليه وآله) إلى حديث أبي هريرة هو أقل من 27 في المائة (42).

وليت الأمر وقف عند هذا الحدّ، بل إنّ أبا هريرة يقول: «حفظت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعاءين فأمّا أحدهما فبثثته، وأمّا الأخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم»(43).

وقد استنكر كثير من الصحابة على هذا الرجل كثرة حديثه، ومنهم عمر بن الخطاب، وحتّى قال فيه علي بن أبي طالب (عليه السلام): «إنّ أكذب الأحياء على رسول الله (صلى الله عليه وآله) لابو هريرة الدوسي»(44).

وحتّى تتيقّن بنفسك أيها القارئ الكريم أنّ أبا هريرة كان مخرّفا ولم يكن محدّثاً فتعال معي لنضع جزءاً يسيراً جدّاً جدّاً من أحاديثه وانظر مخالفتها للعقل أولاً وللقرآن والسنّة ثانيًا حتّى تعلم أنّ حديث أبي هريرة ليس إلاّ زخرف من الكلام ولا يمكن أن يكون كلام شخص عاقل فضلاً عن نبيّ، وإليك هذا البعض اليسير:

عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: «أختتن إبراهيم (عليه السلام) وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم»(45).

ربمّا لا يدري أبو هريرة أنّ الأنبياء هم أكمل خلق الله تعالى، فلا حاجة أن يختتنوا بل يولدون مختونين مقطوعي السرّة، كما كان شأن نبيّنا (صلى الله عليه وآله).

ثمّ لماذا يبقى إبراهيم غير مختون إلى هذا العمر المتأخّر؟!

عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: «بينما أيوب يغتسل عُرياناً خرَّ عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فنادى رَبُّهُ: يا أيوّب ألم أكن أغنيتك عمّا ترى؟ قال: بلى يا ربّ ولكن لا غنى لي عن بركتك»(46).

تعليق: إنّ هذا الحديث متهاو من عدة وجوه:

أوّلاً: إذا كان أيوب (عليه السلام) يغتسل عرياناً فكيف كان يضع الجراد الذهبي في ثوبه؟!

ثانياً: لماذا يعاتب الله أيوّب على أخذ هذا الجراد، أليس هو الذي أنزله عليه؟! أم كان الأمر اختباراً لأيوّب؟! وإذا كان اختباراً فكيف يكون أيوّب حريصاً لهذه الدرجة على جمع الذهب؟!

إنّ أيوّب مدحه الله تعالى وجعله أُسوة في الصبر، وكذلك باقي الأنبياء ليس همّهم جمع الذهب والفضّة، وماذا يعني لهم الذهب والفضّة وكل كنوز الدنيا أمام طاعة الله ورضاه؟! نعم إذا كان أبو هريرة يقيس نبي الله أيوّب بنفسه فحينئذ لا نستغرب منه هذا التصرف.

ويمضي أبو هريرة في تطاوله على رُسل الله وأنبياءه فيقول: «قيل يا رسول الله من أكرم الناس؟! قال: أتقاهم، فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فيوسف نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن نبي الله ابن خليل الله. قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: فعن معادن العرب تسألون خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»(47).

تعليق: ما بال القوم لا يكتفون، بقوله (صلى الله عليه وآله)«أتقاهم؟!» أليس الله تعالى يقول: (إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُم) ؟! ثم ما معنى كرامة يوسف على الناس جميعاً حتّى على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهل الكرامة بالنسب فقط وإذا كان كذلك فإخوة يوسف هم كذلك أبناء وأحفاد أنبياء.

عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «قرصتْ نملة نبيّاً من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأُحرقت، فأوحى الله إليه: أن قرصتك نملة أحرقتَ أُمّة من الأُمم تسبّح»(48).

تعليق: ليس هذا الذي يحكي عنه أبو هريرة بنبيّ، بل إنسان مجنون أو رجل بعقل طفل مشاغب، وهل يعمل هذا الفعل عاقل؟! نعم ربمّا قرصت نملة باليمن رِجل أبي هريرة الحافية فأحرق قرية النمل ثم نسب الحديث إلى الرسول (صلى الله عليه وآله).

عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: «التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليردّه ما استطاع، فإنّ أحدكم إذا قال ها ضحك الشيطان»(49).

تعليق: ما أكثر ضحك الشيطان إذاً !!

عن أبي هريرة قال: قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب(50).

تعليق: لم يبيّن لنا أبو هريرة لماذا أخطأ الشيطان عيسى بن مريم؟! وما أدراه فلعلّ كثيرون أفلتوا من طعنة الشيطان؟! وعلى هذا الحديث يكون رسول الله (صلى الله عليه وآله) ممّن طعن الشيطان في جنبيه، نعم هذا ما أراد أن يقوله بنو أُميّة حقداً على الرسول والرسالة، لكن عن طريق بوقهم الكبير أبي هريرة خليل الرسول؟!

عن أبي هريرة: «أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنّها رأت ملكاً، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوّذوا بالله من الشيطان فإنّه رأى شيطاناً»(51).

تعليق: الكلام موجّه إلى أهل الحديث: ما أكثر تعوّذكم في اليوم واللّيلة، اعملوا بهذا الحديث إذاً فإن راويه ثقة، أو بيعوا أحمرتكم حتّى تخلصوا من هذه الورطة، لكن ربمّا يكون ركوبكم للسيارة بدعة! فاختاروا ما شئتم.

عن أبي هريرة «أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإنّ في إحدى جناحيه داء والأُخرى شفاء»(52).

تعليق: لم يذكر لنا أبو هريرة أي نوع من الذباب يقصد، هل الذباب الأزرق أم الذبابة اللّولبيّة أم ذبابة الـ«تسي تسي»؟!

عن أبي هريرة: «عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني، فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا ربّ إنّك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأيّ خزي أخزى من أبي إلابعد، فيقول الله تعالى: إنّي حرّمت الجنة على الكافرين، ثم يقال له: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخ ملتطخ فيؤخذ بقوائمه فيُلقى في النار»(53).

تعليق: ما بال إبراهيم خليل الله ينخدع بقول أبيه أنه لا يعصيه يومذاك؟! ألم يقل الله تعالى في قصته مع أبيه (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لاَِبِيهِ إلاّ عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَهَا إيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إبْرَاهِيمَ لاََوَّاهٌ حَلِيمٌ)(سورة التوبة: الآية 114).

وما بال إبراهيم يرى حكم الله العادل خزياً؟! وما باله يدافع عن الكافرين والمشركين وهو رافع لواء التوحيد؟! وهذه إساءة أُخرى من أبي هريرة للأنبياء.

عن أبي هريرة «عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: من قال أنا خير من يونس بن متّى فقد كذب»(54).

تعليق: إذن وعلى هذا الحديث يصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله) أقل رتبة من الأنبياء أُولي العزم، ويصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله) متناقضاً في كلامه حيث ورد في الأحاديث أنّه (صلى الله عليه وآله) سيّد ولد آدم ولا فخر، وكذلك يصبح قول الله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْض)(سورة البقرة: الآية 253) لغواً.

وقصد معاوية وبني أُميّة من هكذا أحاديث واضح، فإنّ غايتهم هي استنقاص رسول الله الذي لم يقدروا على هزيمته وإماتة دعوته، فعمدوا بداع الحقد الذي لهم عليه (صلى الله عليه وآله) إلى وضع هكذا حديث(55) لكن الله بالمرصاد (إِنَّ الَّذينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)(سورة الأحزاب: الآية 57).

عن أبي هريرة: «عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: إنّ موسى كان رجلاً حيّياً ستيراً، لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلاّ من عيب بجلده، إمّا برص وإمّا أدرة وإمّا آفة، وإنّ الله أراد أن يبرّئه ممّا قالوا لموسى، فخلا يوماً وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلمّا فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإنّ الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر، حتّى انتهى إلى ملا من بني إسرائيل فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله وأبرأه ممّا يقولون، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضرباً بعصاه، فوالله إنّ بالحجر لندباً من أثر ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً، فذلك قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذين آمنوا لاَ تَكُونُوا كَالذِينَ آذَوا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً)»(سورة الأحزاب: الآية 69)(56).

تعليق: إنّ الإنسان والله يخاف أن ينزل عليه حجر من السماء لفظاعة هذا الإفك، ولا أدري هل أراد الله أن يبرّأ موسى أم أراد أن يفضحه.

وما معنى أن يعدو الحجر ويهرب؟! وما بال موسى يسرع وراءه كالمجنون غير آبه بأحد ولا ملتفت لحاله؟! وما باله يضرب الحجر حتّى جعل فيه أثراً؟! إنّ هذا الفعل لا يفعله مجنون قبيلة دوس التي ينتمي إليها أبو هريرة فما بالك بكليم الله ونجيّه وأحد الأنبياء أُولي العزم؟! هل يجرأ أبو هريرة الذي كان ينام في مسجد رسول (صلى الله عليه وآله) وكان من أصحاب الصفة بل من أشهرهم والذي كان يُغمى عليه من الجوع والذي كان يرافق رسول الله (صلى الله عليه وآله) لشبع بطنه، هل يجرأ أن يفعل هذا الفعل وهو هو من الحقارة والذلّة وخفاء الاسم بين جميع الصحابة؟! ولا ندري لماذا هذا الحقد من أبي هريرة على أنبياء الله؟! لكن إذا عُرف السبب بطل العجب، فإنّ بني أُميّة بدءاً بمعاوية وغيره أمروه فقال، وهل يستطيع ردّ قولهم وأمرهم وهم الذين جعلوه أميراً على المدينة المنوّرة وبنوا له فيها قصراً وكان يأكل مع معاوية ألذّ ألوان الطعام بعد أن كان مجهولاً طول عمره في اليمن يخدم الأشراف بشبع بطنه وبعد إسلامه كان ينام في المسجد ولا يجد أحداً يطعمه إلاّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعض صحابته الكرماء؟! ألم يعزله عمر بن الخطاب عن البحرين بعد أن لعبت أصابعه في مال الله حتّى علاه عمر وأنهكه ضرباً بالدرة.

وليس الغريب أن يصدر هذا من أبي هريرة، لكن الغريب ممّن يأخذ منه ويتبع قوله كالبخاري ومسلم وغيرهما وبقية المسلمين!!

أيها المسلمون الحذر الحذر عمّن تأخذون منه دينكم، فليس كل من هبّ ودبّ بمأمون على الدين، ولعن الله زمناً صار فيه معاوية عدوّ الله ورسوله وابن عدوّ الله ورسوله وابن عدوّة الله ورسوله ملكاً أو خليفة على المسلمين، فصبّ أحقاده كلّها على الرسول والرسل والصالحين ثأراً لدم أخيه وخاله وجدّه يوم قتلوا ببدر ولعن الله زماناً صار فيه أبو هريرة الدوسي راوية الإسلام الأول يقول فيُسمع منه، وعلي بن أبي طالب وغيره من أجلاّء الصحابة مغلوبون على أمرهم. (فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ)(سورة البقرة: الآية 79).


2 ـ خالد بن الوليد:

بعد أبي هريرة نتناول واحداً من كبار الصحابة، وهو خالد بن الوليد بن المغيرة، لنرى ما فعله خالد وهل كان فعله مطابقاً للقرآن والسنّة أم...؟!

يقول ابن الأثير في كتابه أُسد الغابة في تمييز الصحابة في ترجمة مالك بن نويرة المقتول المزنيّ بزوجته في نفس اللّيلة ما يلي: «... إلاّ أنّه لم تظهر عليه ردة (يقصد مالك بن نويرة الصحابي الجليل) وأقام بالبطاح، فلمّا فرغ خالد من بني أسد وغطفان سار إلى مالك وقدم البطاح، فلم يجد به أحداً، كان مالك قد فرّقهم ونهاهم عن الاجتماع (لو كان مالك مرتداً فعلاً لاعدّ العدّة لقتال خالد) فلمّا قدم خالد البطاح بثّ سراياه، فأُتي بمالك بن نويرة ونفر من قومه. فاختلفت السرية فيهم، وكان فيهم أبو قتادة، وكان فيمن شهد أنهم أذّنوا وأقاموا وصلّوا، فحبسهم في ليلة باردة وأمر خالد فنادى: أدفئوا أسراكم ـ وهي في لغة كنانة القتل ـ فقتلوهم (انظر إلى دهاء خالد ومكره) فسمع خالد الواعية فخرج وقد قُتلوا، فتزوّج خالد امرأته، فقال عمر لابي بكر: سيف خالد فيه رهق وأكثر عليه ، فقال أبو بكر: تأوّل فأخطأ ولا أشيم سيفاً سلّه الله على المشركين، وودّى مالكاً، وقَدِم خالد على أبي بكر فقال له عمر: يا عدوّ الله قتلت امرأً مسلماً ثم نزوت على امرأته، لارجمنّك...».

إلى أن يقول: «فهذا جميعه ذكره الطبري وغيره من الأئمة ويدلّ على أنّه لم يرتد، وقد ذكروا في الصحابة أبعد من هذا، فتركهم هذا عجب، وقد اختلف في ردّته، وعمر يقول لخالد: قتلت امرأً مسلماً، وأبو قتادة يشهد أنهم أذنوا وصلّوا، وأبو بكر يردّ السبي ويعطي دية مالك من بيت المال، فهذا جميعه يدلّ على أنّه (مالك) مسلم»(57) انتهى كلام ابن الأثير.

إنّ لنا أن نحلّل هذه الحادثة بكلّ موضوعية وبعيداً عن أي تحيّز فنقول:

أولاً: إنّ مالك بن نويرة رجل مسلم بشهادة عمر وأبو قتادة ولم يرتدّ.

ثانياً: إنّ خالد بن الوليد أراد قتله لكي يظفر بزوجته وكانت من أجمل نساء العرب، ولهذا قال مالك قبل قتله هذه التي قتلتني ولهذا استعمل خالد كلمة ادفئوا أسراكم وكان يقصد قتلهم بالتأكيد وليس ادفاءهم من البرد.

ثالثاً: وهذا أعجب لماذا لم يُقم أبو بكر الحدّ على خالد لقتل مسلم وللزنى بزوجته لأنّه تزوّجها بدون عدّة بل في نفس تلك الليلة.

رابعاً: كان عمر غاضباً جدّاً من خالد وقال له ما قد مرّ ، ومن هنا نفهم لماذا عزل عمر خالداً عندما صار خليفة وعيّن مكانه أبا عبيدة على جيوش المسلمين، ثم ما معنى قول أبي بكر: تأوّل خالد فأخطأ؟! وهل في حدود الله مزاح وخطأ وصواب؟!

وليت الأمر وقف بخالد عند هذا الحدّ، لكنّه كما كان سيفاً مسلولاً ـ بالباطل ـ على المسلمين في أُحد وغيرها، فإنّه أوغل في دماء المسلمين بعد إسلامه، فهو فعلاً سيف، لكنّه سيف مسلّط على المسلمين والمؤمنين، ولتزداد يقيناً أنّ السياسة هي التي أسمت خالداً هذا بسيف الله المسلول، تعال إلى هذه الحادثة:

«لمّا فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكّة بعثه إلى بني جذيمة من بني عامر بن لؤي فقتل منهم من لم يجز له قتله فقال النبي (صلى الله عليه وآله): اللّهم إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد فأرسل مالاً مع علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) فودّى القتلى وأعطاهم ثمن ما أخذ منهم، حتّى ثمن ميلغة الكلب...»(58).

انظر إلى خالد بن الوليد يبعثه الرسول بكلّ سلم وسلام فيقتل من شاء ويدع من شاء، انظر إلى دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يبرأ من فعل خالد بن الوليد.

ثم يأتي من يقول إنّ خالداً سيف الله المسلول، نعم هو سيف مسلول، لكن ليس من أسياف الله تعالى.

ولو شئنا التفصيل في فعل خالد وفعاله في الإسلام لما صدّق الإنسان ما يرى من هول وعظم ما أتاه خالد، لكن للاختصار نكتفي بهذا المقدار.


3 ـ المغيرة بن شعبة:

هو صحابي، وهو أحد النُزّاق الفسّاق الذين فتقوا في الإسلام فتقاً لا يجبر إلى يوم القيامة.

ورد في ترجمته في كتاب أسد الغابة ما يلي: «دهاة العرب أربعة: معاوية ابن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد...».

«... وولاّه عمر بن الخطاب البصرة ولم يزل عليها، حتّى شُهد عليه بالزنا، فعزله، ثم ولاّه الكوفة، فلم يزل عليها حتّى قُتل عمر، فأقرّه عثمان عليها...».

«... وهو أوّل من وضع ديوان البصرة وأوّل من رشى (أعطى رشوة) في الإسلام أعطى «يرفأ» حاجب عمر شيئاً حتّى أدخله إلى دار عمر...»(59).

إنّ السكوت عن التعليق هنا أبلغ من التعليق، لكن نقول: العجب من عمر إذ بعد أن عزله عن البصرة بسبب زناه يعيده والياً على الكوفة وخيار الصحابة أحياء يرزقون كعلي بن أبي طالب الذي كان جليس بيته وكأبي ذرّ والمقداد وخزيمة وغيرهم...؟!


4 ـ ثعلبة بن حاطب:

وهو أحد الصحابة من الأنصار، وقد ورد في ترجمته في كتاب أسد الغابة ما يلي: «جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله أدع الله أن يرزقني مالاً، فقال: ويحك يا ثعلبة قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه، ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله أدع الله أن يرزقني مالاً، قال: أما لك فِيَّ أُسوة حسنة؟! والذي نفسي بيده لو أردتُ أن تسير الجبال معي ذهباً وفضّة لسارت، ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله أدع الله أن يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لاعطينّ كلّ ذي حق حقه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) اللّهم ارزق ثعلبة مالاً... وحين أنزل الله آية الزكاة أرسل إليه الرسول رجلين لجمع الحقوق فلم يُعط ثعلبة شيئاً...».

إلى أن يقول ابن الأثير... «فأقبلا، فلمّا رآهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل أن يكلّماه قال: يا ويح ثعلبة، ثم دعا للسلمي بخير، وأخبراه بالذي صنع ثعلبة، فأنزل الله عزّ وجلّ (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ...)(سورة التوبة: الآيات 75-78).

وعند رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجل من أقارب ثعلبة سمع ذلك، فخرج حتّى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله عزّ وجلّ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتّى أتى النبيّ (صلى الله عليه وآله) فسأله أن يقبل صدقته، فقال: إنّ الله تبارك وتعالى منعني أن أقبل منك صدقتك، فجعل يحثي التراب على رأسه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هذا عملك، وقد أمرتك فلم تطعني، فلمّا أبى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يقبض صدقته رجع إلى منزله وقُبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يقبض منه شيئاً ثم أتى أبا بكر (رضي الله عنه) حين استُخلف، فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وموضعي من الأنصار فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر: لم يقبلها رسول الله منك، أنا أقبلها؟ فقبض أبو بكر (رضي الله عنه) ولم يقبلها»(60).

وتوفي ثعلبة في خلافة عثمان، ولم تقبل منه الحقوق أبداً.

وعندنا تعليق لا بدّ منه هنا: إذا كان منع الزكاة ردّة كما سمّى ذلك أبو بكر وقال والله لاقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فلماذا لم يقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثعلبة ولا أمر به الله؟!

نعم قد يقال: إنّ مانعي الزكاة على عهد أبي بكر كفروا بإنكارهم ضرورة من ضروريّات الدين، وثعلبة فعل ذلك بل سمّى الزكاة الجزية أو أخت الجزية كما قال، والواقع أنّ مانعي الزكاة على عهد أبي بكر لم ينكروا أنّها من الدين وكانوا يصلّون كما رأيت في قصة مالك بن نويرة، فليلاحظ ذلك.


صحابيّات تحت المجهر:

1 ـ حفصة بنت عمر بن الخطّاب:

زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكن هذه المكانة التي تتمنّاها كلّ أنثى لم تمنع حفصة من ارتكاب الأهوال ومخالفة الله تعالى ورسوله، ولا عجب فحفصة أنزل الله فيها وفي عائشة سورة كاملة ـ وهي سورة التحريم ـ فيها من التهديد والوعيد من الله بالطلاق والإبدال بزوجات خير منهما وبعذاب النار ما لا يخفى على أيّ شخص يفهم لغة العرب ، وقد تقدّمت في باب «الصحابة في القرآن» هذه السورة.

وقد ورد في ترجمة حفصة من كتاب أسد الغابة ما يلي: «... وتزوّجها بعد عائشة ، وطلّقها تطليقة واحدة ثمّ ارتجعها، أمره جبريل بذلك وقال: إنّها صوّامة قوّامة، وإنّها زوجتك في الجنّة...»(61).

وأورد كذلك: «طلّق رسول الله (صلى الله عليه وآله) حفصة تطليقة، فبلغ ذلك عمر، فحثا التراب على رأسه وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها، فنزل جبريل (عليه السلام) وقال: إنّ الله يأمرك أن تراجع حفصة بنت عمر، رحمة لعمر»(62).

وكما ترى فالحديثان مُختلفان، ولذلك لا يعتدّ بهما، لكن نقول: لو كانت حفصة صوّامة قوّامة فلماذا طلّقها رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟! هل كان رسول الله يريد من النساء أكثر من ذلك وهو الذي يوصينا بذات الدين ؟! ثمّ أليس الطلاق أبغض الحلال عند الله تعالى ؟! فما بال الرسول يطلق دونما سبب ؟! وإذا كان هناك سبب فلماذا لا يذكره لنا أصحاب السير والتواريخ ؟!

أمّا كون حفصة زوجة الرسول في الجنّة فهو أعجب من الأوّل ، فمع وجود سورة التحريم الّتي تُتلى إلى يوم القيامة فإنّا نشكّ في ذلك.

وعلى الحديث الثاني فيكون سبب إرجاع الرسول (صلى الله عليه وآله) لحفصة ليس منزلتها عند الرسول، بل لمنزلة عمر كما يزعم الراوي.

وحفصة هذه ممّن آذت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكذبت عليه في قصّة المغافير (الثوم) المشهورة والتي يرويها الصّحاح، كما آذت وحسدت زوجات رسول الله الأخر كصفيّة بنت حي اليهودي التي تزوّجها الرسول بعد خيبر بعد أن أعتقها من الأسر، وفي ترجمة هذه المرأة الصالحة من كتاب أسد الغابة تقرأ على لسانها: «... دخل عليَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد بلغني عن حفصة وعائشة كلام، فذكرتُ ذلك لرسول الله (رحمهما الله) فقال: ألا قلتِ: وكيف تكونان خيرا منّي وزوجي محمّد وأبي هارون وعمّي موسى ؟!...»(63).

وبهذا الكلام من رسول الله (صلى الله عليه وآله) على لسان صفيّة تعلم كذب الحديث المرويّ في الصحاح والمسانيد حول فضل عائشة حيث فيه: «وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على باقي الطّعام ؟!»(64).

وحسبنا قول الله في سورة التحريم حيث هدّد عائشة وحفصة بالطلاق وبأن يبدلهنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) بزوجات أفضل منهنّ في صفات عديدة ذكرتها السورة، فلو كانت عائشة أفضل نساء العالمين فضلاً عن زوجات الرسول فكيف يهدّدها الله تعالى بنساء أفضل منها في كلّ شيء ؟!

ولكي تتيقّن أنّ حفصة وعائشة هما المقصودتان من تهديد الله تعالى في سورة التحريم اقرأ هذا الخبر: «عن ابن عبّاس قال: أردت أن أسأل عمر فما رأيتُ موضعاً، فمكثت سنتين، فلمّا كنّا بمر الظهران وذهب ليقضي حاجته فجاء وقد قضى حاجته فذهبتُ أصبّ عليه من الماء، قلت: يا أمير المؤمنين مَن المرأتان اللّتان تظاهرتا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟! قال: عائشة وحفصة»(65).


2 ـ فاطمة بنت عتبة:

هي أخت هند بنت عتبة، وفي رواية هي التي قالت لرسول الله (صلى الله عليه وآله): «إنّه ما كان على ظهر الأرض ...» الحديث.

وقد أسلمت أسوة بذلك البيت الخبيث الذي أسلم بأفواهه ولم يسلم حقيقة يوم فتح مكّة، فهي من جملة الطلقاء الذين لا فضل لهم ولا فضيلة، تزوّجها في خبر عقيل بن أبي طالب فماذا كانت قصّته معها ؟! تقرأ في كتاب الإصابة ما يأتي: «عن ابن أبي مليكة قال: تزوّج عقيل بن أبي طالب فاطمة بنت عتبة بن ربيعة، فكانت تقول له إذا دخل: أين عتبة بن ربيعة (والدها وأحد رؤوس الكفر وقد هلك يوم بدر غير مأسوف عليه) ؟ فقال لها يوماً وقد أضجرته: عن يسارك إذا دخلتِ النار، فقالت: لا يجمع رأسي ورأسك بيت، وأتت عثمان ...»(66).

ولا ندري ماذا تريد هذه الصحابيّة بقولها هذا المليء بالأسف على أبيها المشرك؟! ولماذا تخاطب عقيلاً زوجها بذلك وقد أجمع المسلمون أنّه كان في صفوف المشركين يوم بدر ولم يقتل أباها عتبة ولا أخاها الوليد، لكن هي الرواسب الجاهليّة والأحقاد البدريّة والتي صبّها بالفعل بنو أميّة فيما بعد على رسول الله من خلال حربهم لعليّ بن أبي طالب أخو رسول الله وصنوه، ومن خلال سمّ معاوية للإمام الحسن ريحانة رسول الله وسيّد شباب أهل الجنّة ومن خلال قتل يزيد للإمام الحسين بن علي وسبي بنات الرسالة بنات فاطمة الزهراء (عليها السلام).

وكيف لا ترى بعد ذلك وصول أحاديث تتّهم الرسول بكثرة الجماع، وباستماع الغناء، وبأنّه يسبّ ويشتم بل ويضرب من لا يستحق، وبأنّه (صلى الله عليه وآله) ذكر آلهة قريش (حديث الغرانيق)، وأنّه يخطأ ويصيب، وأنّه بشّر أصحابه كلّهم بمن فيهم معاوية بالجنّة ...؟!

وكيف لا يكون جميع من حارب الإمام عليّا بدءًا بمعاوية وعائشة ومروراً بطلحة والزبير وغيرهم أصحاب فضائل ومناقب ؟! إنّ معاوية لم يغتصب الخلافة لذاتها فقط بل ليحرّف ويبدّل ويغيّر كما يحلو له ومن يعارض فالويل له أو الدّراهم.

إنّ فاطمة بنت عتبة تعلم أنّ عقيلاً من بني هاشم قبيلة رسول الله وعلي وحمزة وهم الذين ضربوا بسيوفهم ـ في حين فرّ الاخرون ـ حتّى قالت هند ومُعاوية وغيرهم من العرب لا إله إلاّ الله، فحقد فاطمة بنت عتبة على بني هاشم واضح من كلامها.


3 ـ هند بنت عتبة:

هي زوجة حربة الكفر ورئيس الأحزاب أبي سفيان، وكانت قد استسلمت لجيش رسول الله كما فعل بقية الطلقاء، وهي التي لاكت كبد حمزة سيّد الشهداء يوم أُحد بعد أن أمرت وحشيّا بأن يطعنه من الخلف، وإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد ذلك ـ بعد الفتح ـ كلّما رأى وحشيّاً يقول له: «غيّب وجهك عنّي» فكيف به (صلى الله عليه وآله) عندما كان يرى من لاكت كبد عمّه ومثّلت بجسده ؟!

لكن القوم جعلوها مؤمنة مسلمة، بل حسن إسلامها، بل لها فضائل ومناقب يُصرف عليها الحِبر والكتابة.

والكيّس يدرك أنّ ما ورد فيها وفي زوجها أبي سفيان وفي معاوية ابنهما من الفضائل لا تعدو أن تكون زخرفاً من القول وكذباً، وذلك أنّ معاوية ابنهما لمّا ملك رقاب المسلمين طمس تلك المثالب وأظهر لهم مناقب لم يقلها الرسول ولم يسمع بها الصحابة.

وهل تريدون من معاوية (أمير المؤمنين) أن يترك أهله ونفسه للفضيحة ؟! وهل تريدون منه وهو يصعد منبر رسول الله أن ينبزه الصحابة ومن يأتي من بعدهم ؟! هيهات.

واقرأ معي هذه المنقبة المزعومة:

«لمّا كان يوم الفتح أسلمت هند بنت عتبة ونساء معها وأتين رسول الله وهو بالأبطح فبايعنه، فتكلّمت هند فقالت: يا رسول الله الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه لتنفعني رَحِمُك ، يا محمّد (لم يتعوّد لسانها على مخاطبته بالرسول) إنّي امرأة مؤمنة بالله مصدّقة برسوله، ثم كشفت عن نقابها وقالت: أنا هند بنت عتبة، فقال رسول الله: مرحبا بك، فقالت: والله ما كان على الأرض أهل خباء أحبّ إليّ من أن يذلّوا من خبائك، ولقد أصبحت وما على ظهر الأرض أهل خباء أحبّ إليّ من أن يعزّوا من خبائك...»(67).

سبحان مغيّر الأحوال، ولكن لتتيقّن من كذب هذه الفضيلة الواهية اقرأ الصفحة التالية من نفس هذا الكتاب (طبقات ابن سعد) لترى كيف أنّ هذه المرأة التي صار رسول الله أحبّ الناس إليها وأعزّهم لديها تسيء الأدب معه: «عن الشعبي يذكر: أنّ النساء جئن يبايعن فقال النبي (صلى الله عليه وآله): تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئا، فقالت هند: إنّا لقائلوها (تقصد كلمة الشهادة)، قال: فلا تسرقن، فقالت هند: كنت أصيب من مال أبي سفيان قال أبو سفيان: فما أصبت من مالي فهو حلال لك، قال: ولا تزنين، فقالت هند: وهل تزني الحرّة ؟ قال: ولا تقتلن أولادكنّ، قالت هند: أنتَ قتلتَهم»(68).

تقصد هند بقولها: أنتَ قتلتهم، هلاك ابنها فيمن هلك يوم بدر كأبيها وعمّها وأخيها.

نعم هذه حقيقة هند، خسّة ونذالة وأحقاد جاهلية رغم عفو وسماحة رسول الله (صلى الله عليه وآله) معهم يوم الفتح، ولو كان مكانه (صلى الله عليه وآله) أيّ قائد دنيوي آخر لذبح رؤوس رجالهم وبقر بطون أطفالهم ولسبى نساءهم جواريا، فهم الطلقاء لا فضل لهم ولا فضيلة ولا هجرة ولا منقبة ولا غزوة ولا... بل ولا كلمة طيّبة. وسيفضحهم الله يوم القيامة بما كان يكذبون في إسلامهم، وهم أبطنوا الكفر.

هذه هي هند وأمثال هند، هذه التي يصبح ابنها معاوية الأفعى خليفة للمسلمين (وكفى بها مصيبة) بلا سابقة ولا جهاد، وهي جدّة يزيد الخمور الذي أرتضع من أسلافه الحقد على الرسول فقتل ذرّية رسول الله في كربلاء وهجم على مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله)(69) لأنّها موطىء الأنصار الذين ساعدوا رسول الله بأموالهم وأسيافهم، فكانوا بنظر يزيد شركاء للنبي في قتل أجداده ببدر.

وإنّي أقولها صريحة: إنّ من يقرأ تاريخ هؤلاء الخبثاء ويطّلع على فعالهم قبل إسلامهم وبعد استسلامهم ثمّ يعتقد لهم بفضيلة بل ويعتقد بأنّهم أسلموا، أقول: هكذا شخص بليد الذهن عديم الفطنة.


والخلاصة:

هكذا ترى أنّ الشيعة لا يسبّون الصحابة كما قال أعداؤهم، لكن الشيعة أخذت طريقاً وسطاً وعقلانيّاً ينطبق مع الكتاب والسنّة، فلم يقولوا بعصمتهم جميعاً كأهل السنّة، وكيف يقولون ذلك وفي الصحابة من زنى ومن شرب الخمر ومن قتل النفس ومن حارب سنّة الرسول ومن أشعل الفتن؟!

ثم إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) نفسه كان يقيم الحدود كحدّ السرقة والزنا وشرب الخمر، فعلى من كان يقيم تلك الحدود؟! أليس على أصحابه المسلمين، وإلاّ فالكافر بعيد عن المجتمع المدني بطبيعة الحال.

ولو نظرت إلى كتب الشيعة لرأيتها مليئة بمدح الصحابة الذين لم يغيّروا ولم يتغيروا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتجد هذا كذلك في دعاء أئمة أهل البيت كالصحيفة السجادية للإمام علي بن الحسين (عليهما السلام).

فهذه الضوضاء التي يُثيرها بعض الغوغاء على الشيعة ليست بأكثر من زوبعة في فنجان، وهكذا كلّ عقائد الشيعة في الواقع كلّها متطابقة مع العقل والنقل، لكن الأعراب أبوا إلاّ التهريج وجعلوا أصابعهم في آذانهم.

وكما عرفت فإنّه تسقط بعد هذا عدّة أحاديث مكذوبة، كحديث «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» فالصحابة اختلفوا وتنازعوا وأفتى بعضهم بخلاف الآخر، فبأيّ واحد أم بأي فريق نقتدي؟!

نعم لقد أوصانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى بأن نتبّع أهل بيته (عليهم السلام)، فقال (صلى الله عليه وآله): «تركت فيكم الثقلين، ما إن تمسّكتم بهما، لن تضلّوا بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(70)، وهكذا حدّد لنا لمن نرجع بعده (صلى الله عليه وآله) ، والرسول (صلى الله عليه وآله) ما كان ليخفى عليه ما سيقع في أُمته من الفتن خاصة ما سيحدث بين أصحابه، ولهذا كان من غير المعقول أن يوصي رسول الله والله من وراءه بجميع الصحابة، فهذا بمثابة اجتماع النقيضين كما يقال.

وارجع إلى كتاب الله لترى قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ...)(سورة المائدة: الآية 55)(71).

أو قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(سورة الأحزاب: الآية 33).

وارجع إلى قوله (صلى الله عليه وآله): «أنا مدينة العلم وعليّ بابها»(72)، أو قوله: «يا علي لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق»(73) وغيرها كثير كثير.

وهذه الخاتمة لا تسع لئن نستعرض كلّ ما جاء في القرآن والسنّة والسيرة من فضائل أهل البيت (عليهم السلام) وهم بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) علي والحسن والحسين وأبناء الحسين من الأئمة إلى الإمام الثاني عشر الإمام المهدي الغائب (عليهم السلام).

كذلك هذا بحث آخر فمن شاء فليتوسّع في هذه المسائل، لكن وصيّتي لكلّ قارئ حرّ عنده عقل يُميّز به الحق من الباطل أن يقرأ عن الشيعة والتشيّع من كتب أهل الشيعة أنفسهم لا من كتب المستشرقين والنواصب، حتّى لا ينطبق علينا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قوماً بِجَهَالَة)(سورة الحجرات: الآية 6).


الهوامش:

1- كتاب العين للخليل: 2 / 970 حرف الصاد.

2- كتاب الإصابة 1: 4.

3- صحيح البخاري 5: 2.

4- مقدمة ابن الأثير في كتابه أُسد الغابة 1: 10.

5- الإصابة في تمييز الصحابة 1: 6 ـ 7.

6- أنظر تفسير الفخر الرازي (التفسير الكبير) في سورة الحجرات: 6، تفسير الطبري 26: 78 ، تفسير الدرّ المنثور 7: 555 .

7- أنظر تفسير الفخر الرازي (التفسير الكبير) في سورة التوبة: 25.

8- سورة التوبة: 38 ـ 39. يقول الفخر الرازي في تفسير سورة التوبة: وهذا يدل أنّ كل المؤمنين كانوا متثاقلين في ذلك التكليف، وذلك التثاقل معصية. ويقول الرازي بعد ذلك، إنّ خطاب الكل وإرادة البعض مجاز مشهور في القرآن.

9- تفسير الفخر الرازي لهذه الآية 25: 180 ، تفسير الدرّ المنثور 6: 643 ، وأنظر تفسير الالوسي حيث يورد رواية عن ابن عباس لكنّه كعادة القوم لم يذكر طلحة بالاسم فيها وإنّما بلفظ « رجل » ، ثمّ أورد اسمه في رواية ثانية حاول تضعيفها بدون أيّ دليل ! أنظر روح المعاني للالوسي البغدادي 11: 249 ـ 250 .

10- التفسير الكبير للفخر الرازي ـ تفسير سورة آل عمران: 121 ـ 122، تفسير الطبري 4: 48 ، الدرّ المنثور 2: 305 .

11- تفسير الفخر الرازي في تفسير الآية 155 من سورة آل عمران، تفسير الطبري 4: 96 ، تفسير الدرّ المنثور 2: 355 ـ 356.

12- انظر تفسير الفخر الرازي سورة الجمعة، تفسير الدر المنثور 8: 165 ، تفسير الطبري 28: 67 ـ 68 .

13- أنظر تفسير روح المعاني للالوسي البغدادي 14: 348. في تفسيره لسورة التحريم.

14- أنظر مثلاً صحيح الترمذي 5: 707 حديث رقم 3890 .

15- راجع تفسير الفخر الرازي في تفسير سورة النور، تفسير الدرّ المنثور 6: 148، تفسير الطبري 18: 68.

16- أُنظر تفسير الفخر الرازي في تفسيره للسورة 13: 93، تفسير الطبري 7: 181، تفسير الدرّ المنثور 3: 317.

17- صحيح البخاري 8: 151، صحيح مسلم باب الفضائل.

18- صحيح البخاري 8: 151. ويُراجع صحيح مسلم 4/1793 كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبيّنا، مسند أحمد 1: 406 .

19- صحيح البخاري 4: 79.

20- صحيح البخاري 4: 85، وصحيح مسلم 3: 1257 كتاب الوصية، ومسند أحمد 1: 222.

21- صحيح البخاري 9: 113، ما جاء في السمع والطاعة.

22- صحيح البخاري 9: 113.

23- تجد الحديث قريب منه في لفظه في مسند أحمد 4: 96.

24- صحيح البخاري 9: 113.

25- صحيح البخاري 9: 5، مسند أحمد 5: 200.

26- صحيح البخاري 4: 88.

27- صحيح مسلم 4: 1871، كتاب فضائل الصحابة.

28- مسند أحمد بن حنبل 9: 82، وقريب من هذا الحديث حديث «أحسنوا إلى أصحابي» مسند أحمد بن حنبل: 45 حديث رقم 178. فهل أحسن عثمان إلى أبي ذر وهل أحسن معاوية لعليّ وهل أحسن يزيد (التابعي) إلى الحسين الصحابي وو...؟!

29- أنظر سنن ابن ماجة 1: 42 ، فضائل عليّ.

30- سنن ابن ماجه 1: 315 ، باب من أمّ قوماً فليُخفّف.

31- موطّأ الإمام مالك: 652 ، حديث رقم 1844.

32- صحيح البخاري 4: 223، وكذلك في مسند أحمد 3: 338 .

33- هي سورة المنافقون.

34- مسند أحمد 4: 89.

35- سنن ابن ماجه 1: 52، فضائل عمّار.

36- صحيح البخاري 4: 25. هذا مع أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «من أبغض عمّارا أبغضه الله». أنظر مسند أحمد 4: 89، فما بالك إذن بمن قتله واجترأ عليه؟

37- الإمامة والسياسية 1: 50 ـ 51.

38- طبقات ابن سعد ج4، ترجمة أبي ذر الغفاري.

39- الحديث عن عبد الله بن مسعود وقد قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبي ذرّ في غزوة تبوك، الطبقات الكبرى لابن سعد 4: 173.

40- أُسد الغابة 2: 472، ترجمة سهل بن سعد الساعدي.

41- تاريخ الطبري 5: 279 .

42- كتاب أبو هريرة للعلاّمة شرف الدين الموسوي العاملي: 45. هذا وقد أعتبر ابن حزم أن مجموع ما رواه الخلفاء الأربعة هو (1361) حديثاً في كتابه «أسماء الصحابة الرواة، وعلى كلٍّ الفارق شاسع بين ما روَوْه جميعاً وبين ما رواه أبو هريرة.

43- صحيح البخاري باب حفظ العلم 1: 24.

44- كتاب أبو هريرة للعلاّمة شرف الدين الموسوي العاملي: 186 ، وأيضاً كتاب أبو هريرة شيخ المضيرة لمحمود أبو رية المصري: 119.

45- صحيح البخاري 4: 170، ومسند أحمد 2: 322.

46- صحيح البخاري 4: 184، وكذلك في المستدرك للحاكم المجلّد 2: 582.

47- صحيح البخاري 4: 170.

48- صحيح البخاري 4: 75.

49- صحيح البخاري 4: 152.

50- صحيح البخاري 4: 151.

51- صحيح البخاري 4: 155، ومسند أحمد 2: 321 .

52- صحيح البخاري 4: 158، وكذلك في مسند أحمد 2: 246 .

53- صحيح البخاري 4: 169.

54- صحيح البخاري 6: 63.

55- من ذلك هذا الحديث: «اللّهمّ إنّما أنا بشر فلا تعاقبني بشتم رجل من المسلمين» مسند أحمد 6: 160 .

فهل كان الرسول يشتم بدون وعي ؟!

56- صحيح البخاري 4: 190.

57- أسد الغابة 5: 52 ـ 53 في ترجمة مالك بن نويرة.

58- أسد الغابة ترجمة خالد بن الوليد، وكذلك أنظر الحديث في مسند أحمد 2: 151 .

59- أسد الغابة 5: 248 ترجمة المغيرة بن شعبة.

60- أسد الغابة 1: 284، ترجمة ثعلبة بن حاطب.

61- أسد الغابة 7:66 ترجمة حفصة بنت عمر .

62- المصدر السابق.

63- أسد الغابة 7: 170 ترجمة صفية بنت حي بن أخطب.

64- مسند أحمد 3: 264 و6: 159.

65- مسند أحمد بن حنبل 1: 48.

66- الإصابة 8: 68 ترجمة فاطمة بنت عتبة.

67- طبقات ابن سعد 8: 236 ترجمة هند بنت عتبة.

68- طبقات ابن سعد 8: 237.

69- مع أنّه (صلى الله عليه وآله) يقول في حديث له: «من أبغض الأنصار أبغضه الله» مسند أحمد 2: 501 ـ 527. ويقول: «من أخاف أهل المدينة أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» مسند أحمد 4: 55.

70- مسند أحمد 3: 17، مستدرك الحاكم 3: 148 وورد في مسلم بألفاظ أخرى، أنظر مسلم، كتاب الفضائل: فضائل علي بن أبي طالب.

71- وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): «من كنت مولاه فعليّ مولاه» مسند أحمد 1: 84 و 118 ـ 119.

72- المستدرك للحاكم 3: 126 كتاب معرفة الصحابة .

73- أنظر الحديث في سنن ابن ماجة 1: 42 فضائل علي .

imported_إمامي is offline   Reply With Quote
Old 28-09-2007, 07:42 PM   #15
معلومات العضو
مناري صديق
 
رقم العضوية : 366
Join Date : Apr 2006
عدد المواضيع : 22
عدد الردود : 296
مجموع المشاركات : 318
النقاط : 50
آعجبنيً: 0
تلقي آعجاب 0 مرة في 0 مشاركة
SMS المزيد ....
My-MMS المزيد ....
imported_إمامي عضو
Default

بداية الإنحراف وبعض المشاكل التي واجهت أمير المؤمنين (عليه السلام)






الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر

ان المتسلم للقيادة الفعلية، المتسلم لزمام التجربة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) مباشرة كان من المحتوم أن يجنح إلى الإنحراف، لأنه كان يعيش رواسب جاهلية، وبالتالي لم يكن يُمثل الدرجة الكاملة للإِنصهار مع الرسالة، هذه الدرجة التي هي شرط أساسي لتزعم هذه التجربة، وهي التي يمكن أن تفسّر موقف الشيعة من إشتراطهم العصمة لقيادة هذه التجربة.

الفكرة في هذا الحديث تقوم على هذا الاساس، على أساس أن قيادة التجربة، يجب أن تكون على مستوى العبء، وهذا في الواقع ليس من مختصات الشيعة، ليس من مختصات الشيعة الإيمان، بأن الإمام يجب أن يكون معصوماً، بل هذا ما تؤمن به كل الاتجاهات العقائدية في العالم على الإطلاق.

أي إتجاه عقائدي في العالم، يريد أن يبني الإنسان من جديد في إطاره، ويريد أن ينشئ للإنسانية معالم جديدة، فكرية وروحية واجتماعية، يشترط لأن ينجح، وأن ينجز وأن يأخذ مجراه في خط التاريخ، يشترط أن يكون القائد الذي يمارس تطبيق هذا الاتجاه، معصوماً...

فالقائد في نظر الماركسية مثلاً بوصفها اتجاهاً عقائدياً، يريد أن يبني ويصنع الإنسان، ويبلوره في إطاره الخاص، يشترط فيه أن يكون معصوماً. إلا أن مقاييس العصمة تختلف.

الإتجاه الماركسي يجب أن يكون القائد الذي يمارس تطبيقه معصوماً بمقاييس ماركسية، والقائد الذي يمارس زعامة التجربة الإسلامية، يجب أن يكون معصوماً بمقاييس إسلامية، والعصمة في الحالتين بمفهوم واحد، هو عبارة عن الانفعال الكامل بالرسالة، والتجسيد الكامل لكل معطيات تلك الرسالة، في النطاقات الروحية والفكرية والعملية. هذه هي العصمة.

والشيعة لم يشذوا بإشتراط العصمة في الإمام، عن أي اتجاه عقائدي آخر، ولهذا نرى في الاتجاهات العقائدية الأخرى، كثيراً ما يتهم القائد الذي يمثل الاتجاه، بأنه ليس معصوماً، يوجه إليه نفس التهمة، التي نوجهها نحن المسلمون الواعون، أصحاب علي بن ابي طالب (عليه السلام) إلى الخلفاء الذين تولوا الخلافة بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله).

نفس هذه التهمد يوجهونها إلى القادة الذين يعتقدون بأنهم لم ينصهروا بأطروحاتهم ولم يتفاعلوا باتجاهاتها تفاعلاً كاملاً.

بالأمس القريب جزء كبير من الماركسية في العالم إنشطر على قيادة الاتحاد السوفيتي، وإتهم القيادة التي كان متمثلة في حكام روسيا، بأنهم أناس غير مهيئين لأن يكونوا قادة للتجربة الماركسية، يعني غير معصومين بحسب لغتنا.

إلا أن نفي العصمة عنهم بمقاييس ماركسية لا بمقاييسنا الخاصة، لا بمقاييس إسلامية.

فأصل الفكرة، تؤمن به كل الاتجاهات العقائدية، وإنما المقياس للعصمة يختلف بإختلاف طبيعة هذه الاتجاهات العقائدية.

نعم، العصمة في الإسلام، ذات صيغة أوسع نطاقاً من العصمة في الاتجاهات العقائدية الأخرى، وهذه السعة في صيغة العصمة تنبع من طبيعة سعة الإسلام نفسها، لأن العصمة كما قلنا، هي التفاعل الكامل والانصهار الشامل والتجاوب مع الرسالة في كل أبعاد الإسلام، والرسالة الإسلامية، تختلف عن أي رسالة أخرى في العالم، لأن أي رسالة أخرى في العالم تعالج جانباً واحداً من الإنسان، الماركسية التي تمثل أحدث رسالة عقائدية في العالم الحديث تعالج جانباً واحداً من وجود الإنسان وتترك الإنسان حينما يذهب إلى بيته، حينما يذهب الإنسان إلى مخبئه، حينما يخلو الإنسان بنفسه، تترك الإنسان، ليس لها أي علاقة معه في هذه الميادين، وإنما تأخذ بيده في مجال الصراع السياسي والاقتصادي لا أكثر.

فصيغة الرسالة بطبيعتها صيغة منكمشة محدودة، صيغة تعالج جانباً من الحياة الإنسانية، فالعصمة العقائدية التي لا بد أن تتوفر في قائد ماركسي، مثلاً هي العصمة في حدود هذه المنطقة التي تعالجها الرسالة العقائدية الماركسية.

اما الرسالة الإسلامية ألا هي رسالة السماء على وجه الأرض فهي تعالج الإنسان من كل نواحيه، وتأخذه بيده إلى كل مجالاته ولا تفارقه وهو على مخدعه في فراشه وهو في بيته بينه وبين ربه، بينه وبين نفسه، بينه وبين أفراد عائلته، وهو في السوق، وهو في المدرسة، وهو في المجتمع، وهو في السياسة، وهو في الاقصاد، وهو في أي مجال من مجالات حياته، ولهذا تكون الصيغة المحدودة من العصمة على أساس هذه الرسالة أوسع نطاقاً وأرحب افقاً واقسى شروطاً، و أقوى من ناحية مفعولها وامتدادها في كل أبعاد الحياة الإنسانية.

فعصمة الإمام عبارة عن نزاهة في كل فكرة وكل عاطفة وكل شأن، والنزاهة في كل هذا عبارة عن انصهار كامل مع مفاهيم واحكام الرسالة الإسلامية، في كل مجالات هذه الافكار والعواطف والشؤون.

هذا كان إستطراداً.

إذن فالعصمة التي هي شرط لمجموع الاتجاهات العقائدية، نحن أيضاً نؤمن بها كشرط في هذا الاتجاه.

وبطبيعة الحال فإننا عندما نقول، إن العصمة شرط في هذا الاتجاه، العصمة بحد ذاتها أيضاً ليست أمراً حتمياً غير قابل للزيادة والنقصان، والتشكيك، نفس العصمة إذا حولناها إلى مفهوم النزاهة والتجاوب الكامل مع الرسالة فيكون أمراً مقولاً بالتشكيك في الشدة والضعف، وبوصف أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) المرتبة الأسمى والأكمل من هذه المراتب المقولة بالتشكيك المختلفه شدة وضعفاً.

ومن هنا نأتي إلى ما كان موضوع الحديث، موضوع الحديث إن هؤلاء الذين تسلموا أمر التجربة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكونوا معصومين حتى بأدنى مراتب العصمة حتى بالحد الأدنى من مراتب النزاهة والتفاعل مع الرسالة الإسلامية، وحينئذ حيث أن التجربة تجربة تمثل إتجاهاً عقائدياً، واتجاهاً رسالياً، ليس إتجاه أناس يمثلون وجهة نظر معينة في الكون والحياة والمجتمع، يمثلون رسالة لتغيير الحياة على وجه الأرض وتغير التاريخ، إذن هذه التجربة العقائدية الضخمة على هذا المستوى، بحاجة إلى قيادة عقائدية معصومة تتوفر فيها فعالية عالية جداً من النزاهة والتجرد والموضوعية والانفعال بمعطيات هذه الرسالة فكيف إذا لم تكن هذه المواصفات موجودة في القيادة؟

قد يقال: إنها كانت موجودة في الأمة ككل، والأمة ككل، كانت تمارس المراقبة، وكانت تمارس التوجيه، وكانت تمارس المراقبة للحكم القائم حتى لا ينحرف، الأمة ككل كانت معصومة، وإذا كانت الأمة ككل معصومة، إذن فالعصمة قد حصلنا عليها عن طريق الوجود الكلي للأمة.

إلا أن هذه الفكرة غير صحيحة، نحن نؤمن بأن الأمة في وجودها لم تكن معصومة أيضاً، كما إن الخلفاء الذين تولوا الحكم بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، لم يكن يتوفر لديهم الحد الادنى من النزاهة المطلوبة لزعامة تجربة من هذا القبيل، الأمة بوصفها الكلي وبوجودها المجموعي أيضاً لم تكن معصومة، طبعاً إذا إستثنينا من ذلك الزعامة المعصومة الموجودة في داخل هذه الأمة الممثلة في إتجاه أمير المؤمنين (عليه السلام)، هذا بالرغم من إننا نعترف ونفتخر، ونمتلئ إعتزازاً بالإيمان بأن الأمة الإسلامية التي أسسها وحرسها النبي (صلى الله عليه وآله) ضربت أروع نموذج للأمة في تاريخ البشرية على الاطلاق، الأمة الإسلامية الي أمكن للنبي (صلى الله عليه وآله) بوقت قصير جداً، في مدة لا تبلغ ربع قرن، أن ينشئ أمة لها من الطاقة والإرادة، لها من المؤهلات اللازمة القدر الكبير، الذي لا يمكن أبداً أن يتخيل الإنسان الاعتيادي كيف أمكن إيجاده في ربع قرن أو أقل؟ هذه الأمة التي قدمت من التضحيات في أيام النبي (صلى الله عليه وآله) في سبيل رسالتها ما لم تقدم مثله أي أمة من أمم الأنبياء قبل النبي (صلى الله عليه وآله)، هذا التسابق على الجنة، التسابق على الموت، الايثار الذي كان موجوداً بين المسلمين، روح التآخى الذي شاع في المسلمين، المهاجرون والأنصار، كيف عاشوا كيف تفاعلوا، كيف انصهروا، انظروا إلى أهل بلد واحد ينزح إليهم أهل بلد آخر، فيأتون إليهم ليقاسموهم خيرات بلدهم، ومعاشهم، واموالهم، وهؤلاء يستقبلونهم برحابة صدر، ينطلقون معهم ينظرون إليهم على إنهم أخوة لهم، يعيشون مجتمعاً واحداً وكأنهم كانوا قد عاشوا مئات السنين، هذه الانفتاحات العظيمة في كل ميادين المجتمع التي حققتها الأمة بقيادة الرسول (صلى الله عليه وآله) هذه الانفتاحات، التي لا مثيل لها، بالرغم من كل هذا نقول أن الأمة لم تكن معصومة.

إن هذه الانفتاحات كانت قائمة على أساس الطاقة الحرارية التي كانت تمتلكها الأمة من لقاء القائد الأعظم، ولم تكن قائمة على أساس درجة كبيرة من الوعي الحقيقي للرسالة العقائدية. نعم كان الرسول (صلى الله عليه وآله) الأعظم، يمارس عملية توعية الأمة، وعملية الارتفاع بها إلى مستوى أمة معصومة، هذه العملية التي كانت مضغوطة، والتي بدأ بها النبي (صلى الله عليه وآله) لم ينجز شيئاً منها في الخط هذا، وإنما الشيء الذي أنجز في هذا الخط، خط عمل النبي (صلى الله عليه وآله) على مستوى الأمة ككل، هو إعطاء هذه الأمة طاقة حرارية في الإيمان بدرجة كبيرة جداً، مثل هذه الطاقة الحرارية التي تملكها الأمة يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وفي كل لحظة من لحظات انتصارها أو إنكسارها، كانت هي المصدر وهي السبب في كل الانفتاحات العظيمة، روح القائد هي التي تجذب وهي التي تحصد، وهي التي تقود هؤلاء إلى المثل العليا والقيم الضخمة الكبيرة التي حددها الرائد الأعظم (صلى الله عليه وآله) بين أيديهم، إذن فهي طاقة حرارية وليست وعياً.

وقلنا أيضاً فيما سبق، إن الطاقة الحرارية والوعي قد يتفاعلان ويتفقان في كثير من الأحيان ولا يمكن أن نقارن في الحالات الاعتيادية بين أمة واعية، وبين أمة تملك طاقة حرارية كبيرة دون درجة كبيرة من الوعي، المظاهر تكون مشتركة في كثير من الأحيان، لكن في منعطفات معينة من حياة هذه الأمة في لحظات حاسمة في حياة هذه الأمة، في مواقف حرجة من تاريخ هذه الأمة، يتبين الفرق بين الوعي والطاقة الحرارية، يتبين الفرق بين الوعي والطاقة الحرارية في لحظات الانفعال الشديد، سواء كان إنفعالاً موافقاً لعملية الانتقال، أو انفعالاً معاكساً، لأن الوعي لا يتزعزع في لحظة الانفعال ويبقى صامداً ثابتاً، لا يلين ولا يتميع، وعي الإنسان، إيمان الإنسان باهدافه ومسؤولياته، فوق كل الانفعالات، فوق كل المشاكل، فوق كل الانتصارات. أي انتصار يحققه الإنسان، لا يمكن أن يخلق انفعالاً يزعزع وعيه، إذا كان واعياً وعياً حقيقياً يبقى على الخط، لا يشط ولا يشذ ولا يزيد أو ينقص.

محمد (صلى الله عليه وآله) هذا الرجل العظيم، يدخل إلى بيت اللّه الحرام منتصراً في لحظة، لم تزعزع هذه اللحظة من خلقه، لم تخلف فيه نشوة الانتصار، وإنما خلفت فيه ذل العبودية للّه شعر بذل العبودية للّه أكثر مما يشعر بنشوة الانتصار، هذا هو الذي يمثل الوعي العظيم، لكن المسلمين عاشوا نشوة الانتصار، في لحظات عديدة لحظات الصدمة، لحظات المشكلة، لحظات المأساة. الواعي يبقى ثابتاً، يبقى صامداً أمام المشكلة لا يتزعزع، لا يلين لا يكف لا يتراخى، يبقى على خطه واضحاً. النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن يبدو منه أي فرق بينه وهو حال دخوله إلى مكة فاتحاً، وهو مطرود بالحجارة من قبائل العرب المشركين، يتوجه إلى اللّه سبحانه وتعالى يقول له: لا يهمني ما يصنع هؤلاء إذا كنت راضياً عني، نفس الروح التي نجدها في لحظة انقطاعه، في لحظة مواجهته البشرية التي تحمل الوان الشرور، في لحظة تمرد الإنسان على هذا الوجه الذي جاء ليصلحه، لم تتبدل حالته في هذه اللحظة وبين حالته، والإنسانية تستجيب والإنسانية تخضع، والإنسانية تطأطئ رأسها بين يدي القائد العظيم (صلى الله عليه وآله) هذا هو الوعي.

أما الأمة لم تكن هكذا، ولا نريد أن نكرر الشواهد مرة أخرى حى يأتي البحث كاملاً، الشواهد على أن الأمة كانت غير واعية، وإنما هي طاقة حرارية مرت في الأيام السابقة، إذن فالأمة الإسلامية كانت تحمل طاقة حرارية كبيرة، ولم تكن أمة واعية بدرجة كبيرة فلم تكن العصمة متوفرة لا في القيادة، ولا في الأمة بوجودها المجموعي، ومن أجل هذا كان الإنحراف حتمياً، وهكذا بدأ الإنحراف بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، وقلنا أن الخط الذي بدأه الأئمة (عليهم السلام) هذا الخط ينحل إلى شكلين:


الأول: خط محاولة القضاء على هذا الإنحراف بالتجربة، أليست التجربة تجربة المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية. هذه التجربة أنحرفت بإعطاء زمامها إلى أناس لا يؤمنون عليها وعلى مقدراتها، وعلى ممتلكاتها، الخط الأول كان يحاول أخذ هذه التجربة، تسلم زمام التجربة.


الثاني: هو الخط الذي كان يعلمه الأئمة (عليهم السلام) حتى في الحالات التي كانوا يرون إن ليس في الأمكان السعي وراء تلسم زمام التجربة، وهو خط الضمان لوجود الأمة مسقبلاً.


قلنا إن التجربة حينما انحرفت، كان من المنطقي في تسلسل الاحداث، أن يتعمق هذا الإنحراف، ثم يتعمق حتى تنهار التجربة، وإذا انهارت التجربة أمام أول غزو، أمام أول تيار، إذن فسوف لن تحارب عن إسلامها كأمة، فبعد أن تنهار الدولة والحضارة الحاكمة، وسوف تتنازل عن إسلامها بالتدريج لأنها لم تجد في هذا الإسلام المنحرف ما تدافع عنه، إذ ماذا جنوا من هذا الإسلام.

كيف نقدر أن نتصور أن الإنسان غير العربي يدافع عن الإسلام الذي يتبنى زعامة العربي لغير العربي؟ كيف يمكن ان نتصور أن الإنسان العربي والفارسي يدافع عن كيان يعتبر هذا الكيان هو ملك لأسرة واحدة من قبائل العرب وهي أسرة قريش؟! كيف يمكن أن نفرض أن هؤلاء المسلمين يشعرون بأنهم قد وجدوا حقوقهم قد وجدوا كرامتهم، في مجتمع يضج بكل الوان التفاوت والتمييز والاستئثار والاحتكار؟

إذن كانوا قد تنازلوا عن هذا الإسلام حينما تنهار التجربة بعد تعمق الإنحراف.

إلا أن الذي جعل الأمة لا تتنازل عن الإسلام، هو أن الإسلام له مثل آخر قدم له، مثل واضح المعالم، أصيل المثل والقيم، أصيل الأهداف والغايات، قدمت هذه الأطروحة من قبل الواعين من المسلمين بزعامة الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام). ولنعرف مسبقاً قبل أن نأتي إلى التفاصيل، أن هذه الأطروحة التي قدمها الأئمة (عليهم السلام) للإسلام لم تكن تتفاعل فقط مع الشيعة المؤمنين بإمامة أهل البيت (عليهم السلام) فقط، هذه الأطروحة كان لها صدى كبير في كل العالم الإسلامي فالأئمة (عليهم السلام) كان لهم أطروحة للإسلام وكانت لهم دعوى لإمامة أنفسهم، صحيح أن الدعوى لإمامة أنفسهم لم يطلبوا لها إلا عدداً ضئيلاً من مجموع الأمة الإسلامية، ولكن الأمة الإسلامية بمجموعها تفاعلت مع هذه الأطروحة، إذن فكان الخط الكبروي للأئمة (عليهم السلام) هو تقديم الأطروحة الصحيحة للإسلام والنموذج والمخطط الواضح الصحيح الصريح، للإسلام، في كل مجالات الإسلام في المجالات الخاصة والمجالات العامة، في المجالات الاجتماعية، والسياسية والاقتصادية، والخلقية والعبادية، كانوا يقدمون هذه الأطروحة الواضحة، التي جعلت المسلمين على مر الزمن يسهرون على الإسلام ويقيمونه وينظرون إليه بمنظار آخر غير منظار الواقع الذي يعيشونه، غير مناظر التجربة الفريدة التي يعيشونها. هذا هو الخط الثاني الذي عمل عليه الأئمة (عليهم السلام).

والآن، نبدأ بتحليل الموقف عقيب وفاة النبي (صلى الله عليه وآله).

أمير المؤمنين حينما واجه الإنحراف في التجربة قام بعملية تعبئة فكرية في صفوف المسلمين الذين يذهب تفكيرهم إلى أن هذا الوضع الذي قام الآن جديداً وضع غير طبيعي، وضع منحرف عن الخط الإسلامي، واستعان بهذا السبيل ببنت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) الزهراء (عليها السلام) لأجل أن يستثير في نفوس المسلمين عواطفهم ومشاعرهم المرتبطة بأعز شخص يحبونه ويجلّونه، وهو شخص النبي (صلى الله عليه وآله). إلا أنه لم يستطع أن يستثير المسلمين بالدرجة التي تحول مجرى التجربة ويجعل هناك تبدلاً أساسياً في الخط القائم، لم يستطع ذلك، وهذا أمر طبيعي، يعني من الطبيعي أن ينتهي أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عدم النجاح في القضاء على هذا الإنحراف، يكفي لأن نفهم هذا أن نلتفت إلى نفس ما أصاب النبي (صلى الله عليه وآله) وهو الرائد الأعظم (صلى الله عليه وآله) لهذه الرسالة من قلق وخوف وارتباك في سبيل تركيز خلافة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، هذا النبي الذي لم يتلكأ، ولم يتوقف، ولم يتردد عن أي لون من ألوان التركيز والعمل في سبيل تلك المهمات، هذا النبي العظيم الذي لم يشعر بالخوف ولم يخفق قلبه بأي لون من ألوان الوساوس والشكوك، أو الضعف والإنهيار، هذا النبي العظيم، وقف حائراً أمام الأمر الإلهي في أن يبلّغَ إِمامة علي بن أبي طالب، حيث جاء ما جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) من إنذاره بأن يبلّغ، وإلا فكأنه لم يبلّغ الرسالة. هذه الموانع التي كان تمنع النبي (صلى الله عليه وآله) عن تزعم علي بن أبي طالب (عليه السلام) للتجربة الإسلامية عميقة قوية واسعة، بدرجة أن النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه كان يخشى من أن يعلن عن تشريع هذا الحكم، ليس عن تطبيقه بحسب الخارج بل عن تشريعه وإعلانه أمام المسلمين.

هذه جهة، والجهة الأخرى، حينما أراد أن يسجل هذا الحكم في كتاب المسلمين الأول مرة في تاريخ النبي (صلى الله عليه وآله).

هذا النبي الذي كان المسلمون يتسابقون إلى الماء الذي يتقاطر من وضوئه.

هذا النبي الذي ذهب رسول قريش يقول لهم: إني رأيت كسرى وقيصر وملوك الأرض، فما رأيت رجلاً انجذب إليه جماعته وأصحابه، وآمنوا به، وذابوا بوجوده كما ذاب أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) في محمد.

هؤلاء لا يشعرون بوجودهم أمام هذا الرجل العظيم (صلى الله عليه وآله) في مجلس النبي (صلى الله عليه وآله) فيقوم واحد منهم فيقول ما يقول، مما تعلمون، ثم لا يحصل بعد هذا أي رد فعل لهذا الكلام، فالنبي (صلى الله عليه وآله) عندئذ يقول: قوموا عني لا ينبغي الاختلاف في مجلس نبي.

المسألة بهذه الدرجة من العنف، الموانع بهذه الدرجة من الشمول.

يجب أن نعرف أن علياً (عليه السلام) لم يكن رئيساً حينما فشل، ولم يكن قاصراً حينما فشل، كل هذا لم يكن، لأن كل هذا غير محتمل في شخص هو قمة النشاط، وقمة الحيوية وقمة الحرص. ومع هذا كله، النبي (صلى الله عليه وآله) واجه هذه المشاكل والصعاب تجاه تشريع هذا الحكم، إذن فموقف الإمام (عليه السلام) كان حرجاً غاية الحرج تجاه هذه الموانع، أما ما هي صيغة هذه الموانع، هذه الموانع تحتاج إلى دراسة مفصلة لنفسية المجتمع الإسلامي في أيام الرسول (صلى الله عليه وآله). فهنالك عوامل كثيرة لها دخل في نسج خيوط هذه الموانع. يمكن أن نذكر بعضها على سبيل المثال.


العامل الأول: التفكير اللاإسلامي من ولاية علي بن ابي طالب (عليه السلام)، رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) جعل علياً بعده حاكماً على المسلمين، وإماماً للمسلمين ككل، المسلمون، ولنتكلم عن المسلمين المؤمنين باللّه ورسوله حقاً، هؤلاء المسلمون المؤمنون باللّه وبرسوله حقاً، قلنا أنهم لم يكونوا من الواعين بدرجة كبيرة، نعم كان عندهم طاقة حرارية تصل إلى درجة الجهاد، إلى الموت في سبيل اللّه هؤلاء الذين قاموا بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ضد علي بن أبي طالب (عليه السلام)، أنا لا أشك بأنهم مر عليهم بعض اللحظات، كانوا على استعداد لأن يضحوا بأنفسهم في سبيل اللّه، وأنا لا أشك أن الطاقة الحرارية كانت موجودة عند هؤلاء، سعد بن عبادة الخزرجي مثلاً، هذا الذي عارض علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى حين، والذي فتح أبواب المعارضة على علي بن أبي طالب إلى

حين سعد هذا، كان مثل المسلمين الآخرين يكافح ويجاهد غاية الأمر لم يكن لديه الوعي، هؤلاء المسلمون المؤمنون باللّه ورسوله (صلى الله عليه وآله)، لم يكونوا على درجة واحدة من الوعي وكان الكثرة الكاثرة منهم أناساً يمكلون الطاقة الحرارية، بدرجة متفاوتة، ولم يكونوا يملكون وعياً، إذن فقد تبادر إلى ذهن عدد كبير من هؤلاء أن محمداً (صلى الله عليه وآله) يفكر أن يعلي مجد بني هاشم، أن يعلي كيان هذه الأسرة، أن يمد بنفسه بعده فأختار علياً، إختار ابن عمه، لأجل أن يمثل علي بن أبي طالب أمجاد أسرته، هذا التفكير كان تفكيراً منسجماً مع الوضع النفسي الذي يعيشه أكثر المسلمين كراسب الجاهلية، كراسب عرفوه ما قبل الإسلام، ولم يستطيعوا أن يتحملوا تحملاً تاماً، أبعاد الرسالة ألسنا نعلم... ماذا صنعوا في غزوة حنين، حينما وزع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) المال، وزع الغنائم على قريش ولم يعط الانصار، وزعه على قريش على أهل مكة، ولم يعط أهل المدينة، ماذا صنع هؤلاء ماذا صنع أهل المدينة، أخذ بعضهم يقول لبعض، إن محمداً لقي عشيرته فنسينا، لقي قريشاً ونسي الأوس والخزرج، هاتين القبيلتين اللتين قدمتا ما قدمتا للإسلام، إذن فكان هؤلاء على المستوى الذي تصوروا في هذا القائد الرائد العظيم، الذي كان يعيش الرسالة، آثر قبيلته بمال، فكيف لا يتصورون أنه يؤثر عشيرته بحكم، بزعامة، بقيادة على مر الزمن وعلى مر التاريخ.

هذا التصور كان يصل إلى هذا المستوى المتدني من الوعي، هؤلاء لم يكونوا قد أدركوا بعد أبعاد محمد (صلى الله عليه وآله) ولم يكونوا قد أدركوا أبعاد الرسالة الإسلامية، وكانوا بين حين وحين يطفو على أنفسهم الراسب الجاهلي وينظرون إلى النبي من منظار ذلك الراسب الجاهلي، ينظرون إليه كشخص يرتبط بالعرب ارتباطاً قومياً، ويرتبط بعشيرته ارتباطاً قبلياً ويرتبط بإبن عمه إرتباطً رحمياً، كل هذه الارتباطات كانت تراود أذهانهم بين حين وحين، وأنا أظن ظناً كبيراً أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) لو لم يكن إبن عم النبي (صلى الله عليه وآله) لو أن الصدفة لم تشأ أن يكون الرجل الثاني في الإسلام لو لم يكن من أسرة محمد (صلى الله عليه وآله) لو كان من عدي، أو لو كان من تميم، لو كان من أسرة اخرى، لكان لهذه الولاية مفعولاً كبيراً جداً، لقضي على هذا التفكير اللاإسلامي..... لكن ما هي حيلة محمد إذا كان الرجل الثاني في الإسلام إبن عمه، لم يكن له حيلة في أن يختار شخصاً دون شخص آخر وإنما كان عليه أن يختار من اختاره الله سبحانه وتعالى، ومن اختاره اللّه هو الرجل الثاني في الإسلام، في تاريخ الرسالة، في كيان الرسالة، وفي الجهاد... في سبيل الرسالة، وفي الاضطهاد في سبيل الرسالة، كان من باب الاتفاق إبن عم محمد (صلى الله عليه وآله). هذا الاتفاق فتح باب المشاغبة على هؤلاء. هذا هو العامل الأول، هذا العامل يعيش في نفوس المؤمنين باللّه تعالى وبرسوله (صلى الله عليه وآله).


العامل الثاني: عامل يعيش في نفوس المنافقين، والمنافقون كثيرون في المجتمع الإسلامي، خاصة وأن المجتمع الإسلامي كان قد انفتح قبيل وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) انفتاحاً جديداً على مكة، وكانت قد دخلت مكة أيضاً داخل هذا المجتمع، ودخلت قبائل كثيرة في الإسلام قبيل وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله). وكان هناك أناس كثيرون قد دخلوا الإسلام نفاقاً، ودخلوه طمعاً، ودخلوه حرصاً على الجاه، ودخلوه إستسلاماً للأمر الواقع، لأن هذا مُسلّم، لأن محمداً فرض زعامته على العرب. لم يكن شخص يفكر في أن تزعزع هذه الزعامة، إذن فلا بد من الاعتراف بهذه الزعامة.

دخل كثير من الناس بهذه العقلية. وهؤلاء كانوا يدركون كل الإدراك أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو الرجل الثاني للنبي (صلى الله عليه وآله) وهو الاستمرار الصلب العنيد للرسالة، لا الاستمرار الرخو المتميع لها. وهؤلاء كانوا مشدودين إلى أطماع وإلى مصالح كانت تتطلب أن تستمر الرسالة ويستمر الإسلام، لأن الإسلام إذا انطفأ معنى هذا انه سوف تنطفئ هذه الحركة القوية التي بنت دولة ومجتمعاً والتي يمكن ان تطبق على كنوز دولة كسرى وقيصر وتضم أموال الأرض كلها إلى هذه الأمة، كان من المصلحة أن تستمر هذه الحركة، لكن كان من المصلحة أن لا تستمر بتلك الدرجة من الصلابة والجدية، بل أن تستمر بدرجة رخوة هينة لينة، كما وصف الإمام الصادق (عليه السلام) حينما سئل، كيف نجح أبو بكر وعمر بقيادة المسلمين وفشل عثمان في هذه القيادة، قال: لأن علياً أرادها حقاً محضاً، وعثمان أرادها باطلاً محضاً، وابو بكر وعمر خلطا حقاً وباطلاً.

كان لابد وان تستمر الرسالة لكن تستمر بشكل لين هين، بشكل ينفتح على مطامح أبي سفيان، بشكل يمكن أن يتعامل معه ابو سفيان الذي جاء إلى علي (عليه السلام) في لحظة قاسية تلك اللحظة التي يشعر فيها الإنسان عادة بقدر كبير من المظلومية حيث يرى كيف أن الناس قد تنكروا لكل أمجاده وأنكروا كل جهاده حتى أخوته لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في هذه اللحظة جاءه أبو سفيان يعرض عليه القيادة بين يديه، يعرض عليه أن يزعّمه في سبيل أن يكون هو اليد اليمنى للدولة الإسلامية، يأبى علي (عليه السلام) ذلك، يأبى وهو مظلوم، وهو متآمر عليه، وهو مضطهد حقه ثم يذهب أبو سفيان، أو بالأحرى نقول أن أبا بكر وعمر يذهبان إلى أبي سفيان، ويوليان أولاد أبي سفيان على بلاد المسلمين، وهذا هو الاستمرار الهين الذي كانت مصالح المنافقين تطلبه وقتئذ وبهذا كانت قيادة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وزعامته تمثل خطراً على هذه المصالح فكان لابد في سبيل الحفاظ عليها من قبل المنافقين هؤلاء أن يخلقوا في سبيلها العراقيل ويقيموا الحواجز والموانع.


العامل الثالث: وهو مرتبط بمراحل نفسية خلقية، علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يمثل باستمرار تحدياً بوجوده التكويني، كان يمثل تحدياً للصادقين من الصحابة لا للمنحرفين من الصحابة، كان يمثل تحدياً بجهاده، بصرامته، بإستبساله، بشبابه، بكل هذه الأمور، كان يضرب الرقم القياسي الذي لا يمكن أن يحلم به أي صحابي آخر، كل هؤلاء كانوا يودون أن يقدموا خدمة للإسلام.

أتكلم عن الصحابة الصالحين. الصحابة الصالحون كانوا يودون أن يقدموا خدمة للإسلام ولكن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يفوقهم بدرجة كبيرة، بدرجة هائلة، علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالرغم من التفاوت الكبير في العمر بينه وبين شيوخ الصحابة، من أمثال أبي بكر وعمر وغيرهما، ممن عاش بعد النبي (صلى الله عليه وآله) بالرغم من هذا، أفلس أبو بكر وأفلس عمر، وأفلس هؤلاء كلهم، أمام رسوخ الإمام علي (عليه السلام) الذي كان يضرب بسيفين.

معاوية يقول في كتابه لمحمد بن ابي بكر بأن علياً كان في أيام النبي (صلى الله عليه وآله) كالنجم في السماء لا يطاول، الأمة الإسلامية كانت تنظر إليه كالنجم في السماء بالرغم من أن العدد الكبير منها لم يكن يحبونه، كان الإمام علي مجاهداً بدرجة لا يمكن أن يقاس به شخص آخر، كان صامداً زاهداً، بدرجة لا يمكن أن يقاس به شخص آخر، وهكذا في كل كمالات الرسالة الإسلامية، أذن فعلي كان تحدياً، كان إستفزازاً للآخرين، وهؤلاء الآخرون ليسوا كلهم يعيشون الرسالة فقط، بل جملة منهم يعيشون أنفسهم أيضاً، يعيشون أنانيتهم أيضاً، وحينما يشعرون بهذا الاستفزاز التكويني من شخص هذا الرجل العظيم الذي كان يتحداهم وهو لا يقصد أن تحداهم، بل يقصد أن يهديهم، وأن يبني لهم مجدهم، يبني لهم رسالتهم وعقيدتهم، لكن ماذا يصنع بأناس يعيشون أنفسهم.

فهؤلاء الأناس كانوا يفكرون في أن هذا تحد واستفزاز لهم. كان رد الفعل لهذا مشاعر ضخمة جداً ضد علي بن أبي طالب (عليه السلام).

يكفي مثال واحد ليتضح هذا الموقف. النبي (صلى الله عليه وآله) يسافر من المدينة إلى غزوة من الغزوات فيخلف علياً مكانه أميراً على المدينة، فهل تركه الناس، لا إنما أخذوا يشيعون بالرغم من أن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في المرات السابقة كان يستخلف أحد الأنصار على المدينة غير علي، فكانوا يشيعون، بأنه ترك علياً لأنه لا يصلح للحرب؟! علي بن أبي طالب هذا الرجل الصلب، العنيد، المترفع، هذا الرجل الذي يقول: لا يزيدني إقبال الناس علي ولا ينقصني إدبارهم عني. هذا الرجل الصلب استفز الأعصاب إلى درجة أنه اضطر أن يلحق بالنبي (صلى الله عليه وآله)، فيسأله النبي (صلى الله عليه وآله) عن سبب تركه المدينة، فيقول: الناس يقولون بأنك طردتني لأني لا أصلح للحرب؟!

يمكن أن تنكر أية فضيلة من فضائل علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكن هل يمكن أن ينكر أن علي بن أبي طالب لا يصلح للحرب؟! انظروا الحقد كيف وصل عند هؤلاء المسلمين بأن اخذوا يفسرون إمارة علي بن أبي طالب (عليه السلام) على المدينة بأنه لا يصلح للحرب، فيقول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) كلمته المشهورة، إن علياً مني بمنزلة هارون من موسى، إنه لا ينبغي أن أخرج من المدينة إلا وأنت فيها إثباتاً لوجودي ولتحمي المدينة.

هذا الموقف من هؤلاء لا يمكن أن يفسر إلا على أساس هذا العامل النفسي هذا العامل الثالث.

وهناك عوامل أخرى هذه العوامل كلها اشتركت في سبيل أن تجعل هناك موانع قوية جداً اصطدم بها النبي (صلى الله عليه وآله) عند تشريع الحكم، واصطدم بها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عند محاولة مقابلة الإنحراف وتعديل التجربة وإرجاعها إلى وضعها الطبيعي، ولهذا فشل في زعزعة الوضع القائم بعد النبي (صلى الله عليه وآله).

قلنا انه حينما وجد الإنحراف بعد وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، لم تكن الأمة على مستوى المراقبة بوصفها المجموعي، لم تكن قادرة على ضمان عدم وقوع هذا الحاكم المنحرف بطبيعته في سلوك منحرف، لأن كون الأمة على هذا المستوى من الضمان، إنما يكون فيما إذا وصلت الأمة بوصفها المجموعي إلى درجة العصمة، أي إذا أصبحت الأمة كأمة تعيش الإسلام عيشاً كاملاً عميقاً، مستوعباً مستنيراً منعطفاً على مختلف مجالات حياتها، هذا لم يكن، بالرغم من أن الأمة الإسلامية وقتئذ، كانت تشكل أفضل نموذج للأمة في تاريخ الإنسان على الإطلاق. يعني نحن الآن لا نعرف في تاريخ الإنسان، أمة بلغت في مناقبها، وفضائلها، وقوة إرادتها وشجاعتها وإيمانها وصبرها وجلالتها وتضحيتها ما بلغته هذه الأمة العظيمة حينما خلفها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله).

الذي يقرأ التاريخ تاريخ هؤلاء الناس، الذي عاشوا مع النبي (صلى الله عليه وآله) تبهره أنوارهم في المجال الروحي والفكري والنفسي، في مجال الجهاد والتضحية في سبيل العقيدة. ولكن هذه الأنوار التي تظهر للمطالع لم تكن نتيجة وضع معمق تعيشه الأمة في ابعادها الفكرية والنفسية، بل كانت نتيجة طاقة حرارية هائلة إكتسبتها هذه الأمة بإشعاع النبي (صلى الله عليه وآله).

هذه الأمة التي عاشت مع أكمل قائد للبشرية، اكتسبت عن طريق الاشعاع من هذا القائد، درجة كبيرة من الطاقة الحرارية صنعت المعاجز، وصنعت البطولات والتضحيات التي يقل نظيرها في تاريخ الإنسان.

ولا أريد أن أتكلم عن هؤلاء الناس في أيام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله). وإيثار كل واحد منهم للإسلام والعقيدة، إيثاره بكل وجوده وطاقاته بكل إمكانياته وقدراته. هذه النماذج الرفيعة إنما هي نتاج هذه الطاقة الحرارية التي جعلت

الأمة الإسلامية تعيش أيام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) محنة العقيدة والصبر وتتحمل مسؤولية هذه العقيدة بعد وفاته (صلى الله عليه وآله) وتحمل لواء الإسلام بكل شجاعة وبطولة إلى مختلف أرجاء الأرض هذه هي طاقة حرارية وليست وعياً لذا يجب أن نفرق ونميز بين الطاقة الحرارية وبين الوعي:

الوعي: عبارة عن الفهم الفعّال: الإيجابي المحقق للإسلام في نفس الأمة، الذي يتأصل ويستأصل جذور المفاهيم الجاهلية السابقة استئصالاً كاملاً. ويحوّل تمام مرافق الإنسان من مرافق الفكر الجاهلي إلى مرافق الفكر الإسلامي والذوق الإسلامي.

اما الطاقة الحرارية: فهي عبارة عن توهج عاطفي حار، بشعور قد يبلغ في مظاهره نفس ما يبلغه الوعي في ظواهره بحيث يختلف الأمر، فلا يميز بين الأمة التي تحمل مثل هذه الطاقة الحرارية وبين أمة تتمتع بذلك الوعي إلا بعد التبصر.

إلا أن الفرق بين الأمة الواعية والأمة التي تحمل الطاقة الحرارية كبير، فإن الطاقة الحرارية بطبيعتها تتناقص بالتدريج بالإبتعاد عن مركز هذه الطاقة الحرارية.

والمركز الذي كان يمون الأمة بهذه الطاقة الحرارية هو شخص النبي (صلى الله عليه وآله) القائد. فكان طبيعياً أن تصبح طاقة الأمة بعده في تناقض مستمر، حال الشخص الذي يتزود من الطاقة الحرارية للشمس والنار، ثم يبتعد عنهما، فإن هذه الحالة تتنافص عنده بإستمرار.

هكذا كان، وتاريخ الإسلام يثبت أن الأمة الإسلامية كانت في حالة تناقص مستمر من هذه الطاقة الحرارية التي خلفها النبي (صلى الله عليه وآله) في أمته حين وفاته بخلاف الوعي فإن الوعي بذلك المعنى المركز الشامل المستأصل لجذور ما قبله ذلك الوعي من طبيعته الثبات والاستقرار، بل التعمق على مر الزمن، لأنه بطبيعته يمتد ويخلق له بالتدريج خيالات جديدة وفقاً لخط العمل وخط الاحداث، فالأمة الواعية هي أمة تسير في طريق التعمق في وعيها والأمة التي تحمل طاقة حرارية هائلة، هي الأمة التي لو بقيت وحدها مع هذه الطاقة الحرارية فسوف تتناقص طاقتها باستمرار.

وهناك فرق آخر: هو أن الوعي لاتهزه الانفعالات، يصمد امامها، أما الطاقة الحرارية فتهزها الانفعالات، الانفعال يفجر المشاعر الباطنية المستترة، يبرز ما وراء الستار، ما وراء سطح النفس كأن الطاقة الحرارية طاقة تبرز على سطح النفس البشرية، وأما الوعي فهو شيء يثبت في أعماق هذه النفس البشرية، ففي حالة الانفعال، سواء كان الانفعال إنفعالاً معاكساً، يعني حزناً وألماً أو كان انفعالاً موافقاً، أي فرحاً ولذة وانتصاراً، في كلا الحالتين سوف يتفجر ما وراء الستار ويبرز ما كان كامناً وراء هذه الطاقة الحرارية في الأمة المزودة بهذه الطاقة فقط، أما الأمة الواعية فوعيها يجمد ويتقوى على مر الزمن فكلما مر بها انفعال جديد أكدت شخصيتها الواعية في مقابل هذا الانفعال، وصبغته بما يتطلبه وعيها من موقف.

هذا هو الفرق بين الوعي والطاقة الحرارية.

نحن ندعي أن الأمة الإسلامية العظيمة التي خلفها القائد الأعظم (صلى الله عليه وآله) والتي ضربت أعظم مثل للكون في تاريخ الإنسان إلى يومنا هذا، هذه الأمة كانت تحمل طاقة حرارية كبيرة، ولم تكن تحمل وعياً مستنيراً مجتثاً لأصول الجاهلية فيها.

والدليل على هذا كله واضح من تاريخ الأمة نفسها وكشاهد على ذلك، علينا أن ننظر إلى غزوة حنين، غزوة هوازن بعد فتح مكة، ماذا صنعت هذه الأمة العظيمة بتلك الطاقة الحرارية في لحظة الانفعال، رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) خرج بجيش من الانصار ومن قريش من أهل مكة فانتصر في معركته وأخذ غنائم كثيرة، وكان قراره توزيع الغنائم كلها جميعاً على من خرج من مسلمي مكة، فوزعها كذلك، ولم يعط مسلمي الأنصار شيئاً منها، هذه لحظة انفعال نفسي، إن هؤلاء الأنصار يرون أنفسهم خرجوا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) من المدينة ليفتحوا مكة، وفتحوها وحققوا للأمة أعظم انتصاراتها في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) وبعد هذا يدخل النبي (صلى الله عليه وآله) في الدين أناساً جدداً يستقلون بتمام الغنائم ويأخذونها. هذه لحظة إنفعال، في هذه اللحظة من لحظات الانفعال لاتكفي الأمة الطاقة الحرارية بل تحتاج الأمة إلى وعي يثبتها لتستطيع أن تتغلب على لحظة الانفعال، هل كان مثل هذا الوعي موجوداً...؟ الجواب انه لم يكن: فإن الأنصار اخذوا يثيرون ما بينهم الهمس القائل: بأن محمداً (صلى الله عليه وآله) لقي أهله وقومه وعشيرته، فنسي أنصاره وأصحابه، هؤلاء الذين شاركوه في محنته، هؤلاء الذين ضحوا في سبيله، هؤلاء الذين قاوموا عشيرته في سبيل دعوته، نسيهم وأهملهم وأعرض عنهم، لأنه رأى أحبائه وأولاد عمه، رأى عشيرته...

أنظروا إلى هذا التفسير، يبدو من خلاله الأنصار وكأن المفهوم القبلي متركز في واقع نفوسهم، إلى درجة يبدو معه لهم، أن محمداً (صلى الله عليه وآله) وهو الرجل الأشرف والأكمل، الذي عاشوا معه، وعاشوا تمام مراحل حياته الجهادية، ولم يبد في كل مراحله الجهادية أي لون من الألوان يعطي شعوراً قبلياً قومياً، بالرغم من هذا، وبالرغم من خلوه من أي شعور يشير إلى ذلك. في لحظة الانفعال قالوا، بأنه وقع تحت تأثير العاطفة القبلية والقومية. هذه العاطفة القبلية أو القومية هذا الترابط القبلي كيف كان قوياً في نفوسهم بحيث أنهم اصطنعوه تفسيراً للموقف في لحظة من لحظات الانفعال، رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) سمع بالهمس، اطلع على أن هناك بذور فتنة ضده في الأنصار، فأرسل على أبناء الأنصار من الأوس والخزرج، وجمعهم عنده ثم التفت إليهم (صلى الله عليه وآله) وقال ما معناه: لقد بلغني عن بعضكم هذا الموضوع أن محمداً نسي أصحابه وأنصاره حينما التقى بقومه، فسكت الجميع واعترف البعض بهذه المقالة. حينئذ أخذ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يعالج الموقف والمشكلة وذلك بإعطاء المزيد من الطاقة الحرارية، لأن هذه المشكلة ذات حدين، حد آني وحد المدى الطويل، الحد على المدى الطويل يجب أن يعالح عن طريق التوعية على الخط الطويل، وهذا ما كان يمارسه (صلى الله عليه وآله)، والمشكلة بحدها الآني يجب أن تعالج أيضاً معالجة آنية، والمعالجة الآنية لا تكون إلا عن طريق إعطاء مزيد من هذه الطاقة الحرارية للسيطرة على لحظة الانفعال، ماذا قال (صلى الله عليه وآله)؟ كيف الهب عواطفهم، قال لهم: ألا ترضون أن يذهب أهل مكة إلى بلادهم بمجوعة من الأموال الزائفة، وانتم ترجعون إلى بلادكم بمحمد (صلى الله عليه وآله) برسول اللّه (صلى الله عليه وآله).

هذه كانت دفعة حرارية حولت الموقف في لحظة حيث أخذ هؤلاء الاوس والخزرج يبكون أمام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ويستغفرون ويعلنون ولاءهم واستعدادهم وتعلقهم به، أراد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أن يعمق هذا الموقف العاطفي أكثر فعندما سكن بكاؤهم وهدأت عواطفهم قال لهم: ألا تقولون لي مقابل هذا، ثم أخذ يترجم بعض الأحاسيس المستترة في نفوسهم حتى يهيج عواطفهم تجاهه، ويتيح لذلك المجلس جواً عاطفياً وروحياً، بعد ذلك يتغلب على الموقف إلى آخر القصة.

هذه الأمة التي تحمل الطاقة الحرارية تنهار أمام لحظة انفعال.

شاهد آخر في لحظة انفعال أخرى أيضاً في تاريخ هذه الأمة:

الأمة بعد وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) تملكتها لحظة انفعال كبيرة، لأن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) راحل وكان رحيله (صلى الله عليه وآله) يشكل هزة نفسية هائلة بالنسبة إلى الأمة الإسلامية، التي لم تكن قد تهيأت بعد ذهنياً وروحياً لأن تفقد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، في هذه اللحظة من الانفعال أيضاً المشاعر التي كانت في الأعماق برزت على السطح.

المهاجرون: هناك تكلمنا عن الأنصار، وهنا نتكلم عن المهاجرين، ماذا قال المهاجرون في لحظة الانفعال...؟ هؤلاء المهاجرون الذين هاجروا من بلادهم، وتركوا دورهم وعوائلهم وقومهم في سبيل الإسلام، ماذا قالوا، وماذا كان موقفهم؟

قالوا إن السلطان سلطان قريش، إن سلطان محمد سلطان قريش، نحن أولى من بقية العرب، وبقية العرب أولى من بقية المسلمين.

هنا يبرز الشعور القبلي والشعور القومي، في لحظة انفعال، لأن هذه اللحظة من الانفعال تشكل صدمة بالنسبة إلى الطاقة الحرارية يصبح الإنسان معها في حالة غير طبيعية حيث لا يوجد عنده وعي فينهار أمام تلك الأفكار وهذه العواطف.

إذن لحظة الانفعال هي التي تحدد ان هذه الأمة تحمل وعياً، أو طاقة حرارية.

ماذا صنع المسلمون في لحظة الانتصار والاستيلاء على كنوز كسرى وقيصر، المسلمون في هذه اللحظة، اخذوا يفكرون في الدنيا أخذوا يفكرون في أن يقتنص كل واحد منهم أكبر قدر ممكن من حطامها.

والأزمة التي مرت بعمر بن الخطاب في تحقيق حال الأرض المفتوحة عنوة، وأن الأرض المفتوحة عنوة هل تقسم على المقاتلين أو أنها تجعل لبيت المال، وتجعل ملكاً عاماً، هذه الأزمة تبينّ، كيف ان هذه الأمة ترددت في لحظة الانفعال، لأن وجوه المهاجرين والأنصار، هؤلاء الأبرار المجاهدون هؤلاء الذين عاشوا كل حياتهم الكفاح والجهاد في سبيل اللّه، هؤلاء اخذوا يصرون إصراراً مستميتاً على أن هذه الأرض يجب ان توزع عليهم، وعلى أن كل واحد منهم يجب أن ينال أكبر قدر ممكن من هذه الأرض، إلى أن أفتى الإمام علي (عليه السلام) بأن الأرض للمسلمين جميعاً، لمن هو موجود الآن ولمن يوجد بعد اليوم إلى يوم القيامة.

هذه اللحظات لحظات انفعال، لحظات الانفعال الانخذالية، ولحظات الانفعال الانفصالية هي التي تحدد أن الأمة هل تحمل طاقة حرارية، أو تحمل وعياً.

إذن كان وعي الأمة يحمل وراءه قدراً كبيراً من الرواسب الفكرية والعاطفية والنفسية التي لم تكن قد استؤصلت بعد؟

وربما قيل: إذن ماذا كان يصنع النبي (صلى الله عليه وآله) إذا لم تكن قد استؤصلت هذه الرواسب؟

وجوابه: إن هذه الرواسب ليس من السهل استئصالها، لأن الدعوة الإسلامية التي جاء بها النبي (صلى الله عليه وآله) لم تكن مجرد خطوة إلى الأمام، بل كانت طفرة بين الأرض والسماء.

إذا لاحظنا حال العرب قبل الإسلام، ولاحظنا مستوى الرسالة الإسلامية نرى أن المستوى هو مستوى الطفرة بين الأرض والسماء، لا مستوى الحركات الاصلاحية التي توجد في المجتمعات العالمية، وهي مستوى الخطوة إلى الأمام، أي حركة إصلاحية تنبع من الأرض وتنبع من عبقرية الإنسان بما هو إنسان، تزحف بالمجتمع خطوة إلى الأمام لا أكثر، المجتمع كان قد وصل إلى الخطوة السابقة، في خط التقدم، وحينئذ من الممكن في زمن قصير أن تستأصل رواسب الخطوة السابقة، بعد الدخول في الخطوة التالية، لأن الفرق الكيفي، بين الخطوة السابقة والثانية مثلاً، فرق قليل ضئيل التشابه، بين الخطوتين تشابه كبير جداً هذا التشابه الكبير، أو ذاك التفاوت اليسير، يعطي في المقام إمكانية التحويل، إمكانية إجتثاث تلك الأصول الموروثة من الخطوة السابقة.

لكن ماذا ترون وما تقدرون، عندما جاء النبي (صلى الله عليه وآله) إلى مجتمع متأخر يعيش الفكرة القبلية بأشد ألوانها ونتائجها، وأقسى مفاهيمها وأفكارها، جاء فألقى فيها فكرة المجتمع العالمي، الذي لا فرق فيه بين قبيلة وقبيلة، وبين شعب وشعب، وبين أمة وأمة، وقال: إن الناس سواسية كأسنان المشط.

هذه الطفرة الهائلة بكل ما تضم من تحول فكري وانقلاب إجتماعي، وتغيير في المشاعر والمفاهيم والانفعالات هذه الطفرة لم تكن شيئاً عادياً في حياة الإنسان، وإنما كانت شيئاً هائلاً في حياته. إذن فكيف يمكن أن نتصور، أن هذا المجتمع الذي طفر بهذه الطفرة مهما كان هذا المجتمع ذكياً، وصبوراً على الكفاح ومهما كان قوياً ومؤمناً برسول اللّه (صلى الله عليه وآله) كيف يمكن أن نتصور في الحالات الاعتيادية، أنه يودع تمام ما كان عنده من الأفكار والمشاعر والانفعالات، ويقلب صفحة جديدة كاملة، دون أي اصطحاب لموروثات العهد السابق، هذا غير ممكن إلا في فترة طويلة جداً مع ان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) لم يعش لمجتمع ودولة كمربي تربية كاملة في المدينة الا عشر سنوات فقط، علماً أن جزءاً كبيراً من المجتمع الإسلامي دخل الاحداث بعد وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ومجتمع مكة الذي دخل في حظيرة الإسلام وقت فتح مكة، وقبل سنتين فقط من وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله).

فكيف يمكن أن نتصور من خلال هذه الأزمنة القصيرة ومع تلك الطفرة الهائلة الكبيرة إثبات تلك الأصول.

فالاصول إذن كان من المنطقي والطبيعي أن لا تبقى وكان من المنطقي والطبيعي أيضاً أن لا تجتث إلا في خلال أمد طويل، وخلال عملية تستمر مع خلفاء الرسول (صلى الله عليه وآله) بعده. إلا ان هذه العملية قطعت بالانحراف، بتحول خط الخلافة عن الإمام علي (عليه السلام). وهذا لا يثير استغراباً، أو يسجّل نقطة ضعف، بالنسبة إلى عمل الرسول (صلى الله عليه وآله) بل ينسجم مع الرسالة مع عظمتها وجلالتها ومع تخطيط النبي (صلى الله عليه وآله).

فهذه هي الأمة التي تحمل طاقة حرارية، أمة غير واعية وإذا كانت تحمل هذه الطاقة وهي غير واعية، فليست بقادرة على حماية التجربة الإسلامية وعلى وضع حد لانحراف الحاكم الذي تولى الحكم بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، إذ بالصيغة الاصولية التي قلناها، من أن الأمة بوصفها المجموعي ليست معصومة، ما دامت تحمل طاقة حرارية فقط، ولاتحمل وعياً مستنيراً بجتث أصول الجاهلية فيها. وما دامت كذلك فهي لا تقف في وجه هذا الانحراف. وقد قلنا بأنه حتى لو أخذنا الحاكم بغير المفهوم الشيعي، مع هذا تبقى طبيعة الاشياء وطبيعة الاحداث تبرهن على أن يكون هذا الحاكم عرضة للانحراف ولتحطيم التجربة الإسلامية، وبالتالي تحطيم جميع الأصول الموضوعية والأطار العالم لهذه التجربة الشريفة المباركة. فإن الحاكم أولاً هو جزء عادي من هذه الأمة التي قلنا بإنها لم تكن تحمل وعياً مستنيراً بل كانت تحمل طاقة حرارية، ولنفرض أن هذا الحاكم لم يكن شخصاً متميزاً من هذه الأمة بإنحراف خاص، وبتخطيط سابق، للاستيلاء على الحكم، أو بتصميم على قتل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في سبيل الاستيلاء على الحكم، لنفرض أن هذا لم يكن، وإنما هو جزء عادي من هذه الأمة تدل سوابقه على ذلك فمعنى كونه جزءاً من هذه الأمة أن الحاكم يستبطن قدراً كبيراً من الأفكار الجاهلية والعواطف الجاهلية والمشاعر الجاهلية، وهذا كان واضحاً من اللحظة الأولى في يوم السقيفة، وفي الحجج التي أوردها المهاجرون ضد الأنصار. وكان من الواضح أن تقييم الخلافة لم يكن تقييماً إسلامياً، فهذه الرواسب الفكرية والعاطفية للجاهلية سوف تعمل عملها في سلوك هذا الحاكم. وفي تخطيطه.

إذا أضفنا إلى هذا أن الحاكم كان يبدو منه في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله) نزعة الاستقلال بالرأي وروح التمرد على التعبد، وهذا كان ظاهراً فيهم وخاصة الخليفة الثاني. حيث كانت تبدو فيه روح التمرد على جملة التعاليم التي جاء بها الرسول (صلى الله عليه وآله) لأنها تحدث عنده حالة تناقض بين الدعوة الجديدة التي دخل فيها وبين مفاهيمه وافكاره وعواطفه المسبقة التي صاغتها الجاهلية له، هذه النزعة نزعة التمرد، ونزعة التعويل على الرأي لم تكن تشكل خطراً في الوقت الذي كان هذا إنساناً عادياً في المجتمع الإسلامي، وكان الرسول (صلى الله عليه وآله) هو الحاكم في هذا المجتمع، وأما في الوقت الذي تولى فيه هذا الشخص وأصحابه زمام قيادة التجربة، قيادة هذه السفينة، هذه النزعة أصبحت تشكل خطراً في المقام، خطر أن هذا الحاكم، سوف يُعبِّر في جملة من قضاياه ومفاهيمه ومشاكله على وفق الموروثات الجاهلية، وعلى وفق رواسبه العاطفية والنفسية التي خلفها له آباؤه وأجداده، لا التي خلَّفها له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله).

وإذا اضفنا الى ذلك ايضاً أن الحاكم لم يكن قد هيأ أبداً لأن يكون حاكماً، وللحاكم مشاكله الخاصة وسلوكه الخاص وثقافته الخاصة، الحاكم خاصة إذا كان حاكماً في صدر دعوة جديدة ذات حرارة خاصة وثقافة جديدة، فلا بد وأن يكون هذا الحاكم مهيأً بصورة مسبقة تهيؤاً ثقافياً وعلمياً وروحياً، لأن يكون حاكماً...؟

وقصدنا من عدم التهيؤ هو عدم التهيؤ الثقافي والعلمي، بمعنى أنه لم يكن قد أستوعب الإسلام عمر نفسه كان يقول: شُغِلنا أيام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في الأسواق والحرب؟. تأتيه مشكلة فلا يعرف الجواب عنها فيبعث للمهاجرين والأنصار ليستفتيهم مرة ثانية وثالثة ورابعة، حينما يتكرر هذا المطلب منه ويقف موقفاً سلبياً تجاه المشاكل من الناحية الدينية، فيعتذر عن ذلك فيقول شغلتنا أيام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) الحرب والعمل في الأسواق.

رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) لم يهيؤ هذا الحاكم: نعم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) لم يكن قد اشتغل لتهيئة مجموعة من الأمة لتحكم الناس وإنما هيأ قادة معينين من أهل البيت (عليهم السلام) ليحكموا.

كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يعمل على خطين للتوعية: الخط الأول هو التوعية على مستوى الأمة، وهذه التوعية للأمة بوصفها رعية بالمقدار الذي تتطلبه الرعية الواعية من فهم وثقافة، وكان له خط عمل على مستوى آخر من التوعية، للصفوة التي اختارها الله سبحانه وتعالى حتى تخلفه لقيادة هذه التجربة كانت توعية على مستوى القيادة وعلى مستوى الحاكمية.

وهؤلاء الذين تولوا الحكم بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) لم يكونوا قد عاشوا على هذا المستوى للتوعية من الناحية الفكرية والثقافية، ألسنا جميعاً نعرف أن الصحابة في أيام عمر وأبي بكر اختلفوا في المسائل الواضحة جداً، اختلفوا في حكم سنَّةٍ كان يمارسها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أمام اعينهم مدة طويلة اختلفوا في حكم صلاة الجنائز، هذه المسألة العبادية الصرفة البعيدة عن كل مجالات الهوى والسياسة والاقتصاد، فالاختلاف هنا اختلاف ناشئ من الجهل حقيقة، لا اختلاف ناشئ من الهوى، ليس من قبيل الاختلاف في حكم الأرض وفي حكم الغنيمة وحكم الخمس.

كل هذا ينشأ من عدم التهيئة سابقاً ومن عدم الاستعداد لممارسة الحكم ولقيادة هذا التجربة يضاف إلى ذلك أن الأمة كانت تحمل طاقة حرارية ولم تكن واعية إلى أن الحاكم كان قاصراً أو مقصراً، يضاف إلى كل ذلك أن الإسلام كان على أبواب تحول كمي هائل، كان على أبواب أن يفتح احضانه لأمم جديدة، لم تر النبي (صلى الله عليه وآله) ولم تسمع آية من القرآن منه على الاطلاق. تلك الأمة التي خلفها النبي (صلى الله عليه وآله) كانت تحمل طاقة حرارية، لكن بعد أن اتسعت الأمة كمياً وضمَّت إليها شعوباً كثيرة، ضمت إليها الشعب العربي بأكمله تقريباً، في زمن عمر، وضمّت إليها من الشعوب الأخرى من الفارسية والتركية والكردية والهندية والافغانية والاوروبية وغيرها، ما بال هذه الشعوب. التي لم تكن قد رأت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ولم تسمع منه كلمة من القرآن، هل يترقب أن يكون لها وعي، أو يترقب أن يكون لها طاقة حراراية؟ تلك الطاقة، كانت نتيجة كفاح مستمر مع أشرف قائد على وجه الأرض. إن هذه الشعوب التي دخلت حظيرة الإسلام، لم تكن قد عاشت هذا الكفاح المستمر مع القائد إذن فهذا الانفتاح الهائل على الشعوب الاخرى أيضاً ضعّف مناعة هذه الأمة، واضعَفَ من قدرتها على الحماية، وفتح بالتالي مجالات جديدة للقصور والتقصير أمام الحاكم.

الحاكم الذي لم يكن مهيأً نفسياً لأن يحكم في مجتمع المدينة. كيف يكون مهيأً نفسياً وفكرياً وثقافياً لأن يحكم بلاد كسرى وقيصر ويجتث أصول الجاهلية، الفارسية والهندية والكردية والتركية، إضافة إلى إجتثاث الجاهلية العربية، هذه الجاهليات التي كانت كل واحدة منها تحتوي على قدر كبير من الأفكار والمفاهيم الأخرى، جاهليات عديدة متضاربة فيما بينها عاطفياً وفكرياً، وكلها في مجتمع واحد وفي حالة عدم وجود ضمان لا على مستوى الحاكم، ولا على مستوى الأمة؟!

لئن كان أولئك الذين خلفهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) قد رأوا بأم أعينهم، في لحظة قصيرة، تجسيداً واقعياً حياً للنظرية الإسلامية للحياة وللمجتمع في أيام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ورأوا تصرفات رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في المجال السياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي، وسمعوا من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أنه يقول: الناس سواسية كأسنان المشط فإن هذه الشعوب التي دخلت في الإسلام جديداً، لم تكن قد سمعت كل هذا بل سمعت هذا من الحكام الجدد الذين كانوا يقودون زعامة التجربة فإذا كان أمينها حاكماً منحرفاً، وكانت الأمة غير قادرة على مواجهة هذا الإنحراف، وكانت على أبواب توسع هائل ضخم يضم شعوباً لا تعرف شيئاً أصلاً عن هذه النظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية إنما تعرف الواقع الذي يتجسد خارجاً والذي عاشته كواقع وهو أن فاتحاً مسلماً سيطر على بلادها. إذن كان من المفروض ومن المنطقي بحسب طبيعة الأشياء، أن تتحول النظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية إلى نظرية أخرى وفق خط الحاكم الموجود فعلاً والذي يجسد في سلوكه وتصرفاته، حقيقة بعيدة عن الحقيقة التي عمل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) على تجسيدها في حياته فنظرية أبي بكر وعمر وعثمان للحكم وكما عاشوها واقعياً وسياسياً واقتصادياً كانت كفيلة بأن تطمس تلك الأطروحة الصالحة فكرياً وروحياً كما انطمست سياسياً واقتصادياً يوم السقيفة ولذا كان أمراً طبيعياً أن يعمل قادة أهل البيت (عليهم السلام) على التخطيط لحماية إسلامهم من أن يندرس، وذلك عن طريق الدخول في الصراع السياسي مع هؤلاء الخلفاء.

الأئمة (عليه السلام) دخلوا في صراع مع الخلفاء ومع الزعامات المنحرفة، دخلوا في الصراع يحملون في أيديهم مشعل تلك النظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية بكل بهائها ونورها وجمالها وكمالها ولم يكونوا يستهدفون من هذا أن يعيدوا خط التجربة لأن المؤسف أن خط التجربة لم يكن بالامكان أن يعود مرة أخرى إلى الاستقامة بعد أن أنحرف، لم يكن الصراع السياسي يستهدف في المقام أن يعيد التجربة إلى خطها المستقيم أو على المدى الطويل الطويل، ولم يكن هذا هو الهدف الآني للصراع السياسي وإنما كان الهدف الآني للصراع هو أن يبثوا الوعي في المسلمين والشعوب الجديدة التي دخلت في الإسلام على النظرية الحقيقية للإسلام عن الحياة، عن المجتمع عن الدولة عن الاقتصاد وعن السياسة وعن الآخرة ويبينوا لهم بصدق ما هو مفهوم الإسلام في هذه المجالات وصولاً إلى ترسيخ هذه النظرية في أذهان الناس.

صحيح إن النظرية كانت موجودة في القرآن، وكانت موجودة في النصوص، ولكن هذا لا يكفي وحده للوصول إلى الهدف وذلك:


أولاً: لأن النظريات حينما تكون حبراً على ورق لا تكفي لأن تعطي صورة واضحة عن الحقيقة الصادقة في أذهان الناس.


ثانياً: لأن القرآن والسنة لم تكن قد فهمته هذا الشعوب الجديدة التي قد دخلت في الإسلام، السنة لم يكونوا قد سمعوا عنها شيئاً وإنما سوف يسمعون عنها عن طريق الصحابة. وأما القرآن الكريم لم يكونوا قد سمعوا شيئاً عن تفسيره أيضاً، وإنما بدأوا يسمعونه عن طريق الصحابة، فلا بد حينئذ من تجسيد حي لهذه النظرية الإسلامية، وحيث لم يكن بالامكان تجسيده عن طريق الحكم بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) مباشرة، كان من الضروري تجسيده عن طريق المعارضة للزعامات المنحرفة على يد الإمام علي (عليه السلام) والحسن والحسين (عليهم السلام) أئمة المرحلة الاولى.




ممارسة أئمة المرحلة الأولى للصراع السياسي:

في هذه المرحلة مارس هؤلاء الأئمة (عليهم السلام) الصراع السياسي، لأجل إعطاء هذه النظرية بكل وضوح، غاية الأمر أننا نرى أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يقم بالصراع الحاد إلا بعد موت عمر بن الخطاب، نعم بعد السقيفة بأيام، سجل أمير المؤمنين (عليه السلام) للتاريخ رأيه في السقيفة وسجل ذلك الحواريون من أصحابه من امثال سلمان والمقداد وعمار. وهناك قالوا حكمهم، قالوا بأن هذا ليس تعدياً على علي (عليه السلام)، وانما هو تعد على الأمة الإسلامية، وعلى التجربة الإسلامية سلمان أخذ يصف حال المسلمين وماذا يكون عليه فيما لو ولّوا علياً.

والسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، في كلام لها مع نساء المهاجرين والأنصار، وصفت أيضاً حالة المسلمين لو أنهم ولّوا علياً...

لكن بعد هذا، أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يبد على مسرح الصراع بشكل مكشوف في أيام ابي بكر وعمر بالرغم من أن الإنحراف كان قد بدأ منذ خلافة أبي بكر لا الإنحراف في تغيير شخص الحاكم بل الإنحراف في تغيير مضمون الحكم وسياسة الحكم.

هذا الإنحراف بدأ في أيام ابي بكر واشتد في أيام عمر وأنجلى في أيام عثمان بصورة غير إسلامية، وكان الإنحراف يسير في خط منحن حتى وصل إلى الهاوية بعد ذلك.

نعم بدأ أمير المؤمنين (عليه السلام) معارضته لأبي بكر وعمر وعثمان وللزعامات المنحرفة جميعاً بشكل مكشوف وصريح، بعد وفاة عمر مباشرة، وقبل أن يتم الامر لعثمان عندما قال له عبد الرحمن بن عوف وكانوا ستة قد اجتمعوا للشورى قال له: مد يدك أبايعك على كتاب اللّه وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) وسنة الشيخين، وكان يريد عبد الرحمن من ذلك أن يجعل سيرة الشيخين ممثلاً شرعياً للنظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية، لو كان علي قبِلَ ذلك لانتهى هذا التمثيل، لأنه لم يكن في مقابل اطروحة هذين الشيخين إلا علي بن أبي طالب (عليه السلام) ولو وافق على ذلك، لأصبح هو ذات النظرية السائدة، فقال: بايعني على كتاب اللّه وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله) واجتهادي. أما سيرة الشيخين لا يمكن أن تقبل كممثل شرعي للنظرية الإسلامية وللحياة الاجتماعية.

هنا بدأ الإمام (عليه السلام) يشجب ويعارض هذه الزعامة المنحرفة، أمير المؤمنين (عليه السلام) رفض الخلافة والزعامة لأجل أن لا يدخل سيرة هذين الرجلين كجزء للنظرية الإسلامية.

قد يقال: إن هذا باب التزاحم وباب العناوين الثانوية ماذا كان يضره لو قال: نعم فيبايعه على كتاب اللّه وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله) وسيرة الشيخين، ثم بعد هذا يقول ويعمل حسب رأيه وينقض عهده لعبد الرحمن لأن كل شرط خالف كتاب اللّه ورسوله مردود؟! ألم يكن هذا تكليفاً شرعياً بناءً على أن الوصول إلى الخلافة واجب، وتنحصر مقدمة هذا الواجب بأن يمضي هذا الشرط، فعليه يكون هذا واجباً بالعناوين الثانوية لأنه مقدمة للواجب...؟!

وجوابه: إنه لو قال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ذلك لتم هذا التخطيط، ثم أن النظرية الإسلامية للحياة هي النظرية التي قدمها هؤلاء المنحرفون في المقام، وما أشد ضياع الإسلام لو قال هذا، وقد قلنا وسوف نشرح إن عودة التجربة إلى الخط المستقيم على المدى البعيد البعيد، لم تكن بالامكان أصلاً حتى لو تولى أمير المؤمنين (عليه السلام) الخلافة بعد عمر، فماذا يكون إلا الخسارة إلا أن يعطي هذا الامضاء وهذا الصك للزعامات المنحرفة.

من هنا بدأ الإمام (عليه السلام) يصارع، ثم بعد هذا في أيام عثمان انفتح صراعه السياسي بشكل أوضح.

كان (عليه السلام) يعبر عن آلام الأمة وعن آمالها، ومظالمها أمام عثمان، ويعظه ويوبخه، ويذكره اللّه وأيام اللّه والآخرة ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ولكن عثمان لم يكن يتعظ.

لماذا كان حريصاً كل الحرص على أن يبدو صراعه موضوعياً عقائدياً يستهدف النظرية لا الشخص يستهدف تثبيت دعائم نظرية حقيقية للإسلام، لاتدعيم شخصه، كان الإمام (عليه السلام) حريصاً على أن تكون التصورات والانعكاسات التي يعيشها الناس عن صراعه على مستوى أن صراعه صراع نظري عقائدي، وليس صراعاً شخصياً لأن هذا كان من أكبر الوسائل لتثبيت حقانية هذه النظرية التي يقدمها أليس هو يريد أن يثبت للذهنية الإسلامية أن النظرية الإسلامية للحياة الاجتماعية هذه لا تلك التي يطبقها الزعماء المنحرفون كيف يستطيع أن يرسخ هذا في الذهنية الإسلامية على أنه صراع عقائدي ونضالي في سبيل تثبيت النظرية، ولهذا انتظر أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يبرز الإنحراف واضحاً ثم يبدأ الصراع. لأن هؤلاء الناس الغير الواعين لا يشعرون بمرارة الإنحراف إلا إذا دخل الإنحراف إلى بيوتهم، إلا إذا مس جلودهم، أما قبل هذا فلا يترقب من الأمة الغير الواعية، أن تشعر بالإنحراف.

الإنحراف بدأ في أيام ابن أبي قحافة وعمر، وكان إنحرافاً مستوراً، وكان عمر موفقاً جداً في أن يلبس هذا الإنحراف الثوب الديني المناسب. نحن لا نريد أن نعطي مفهومنا الخاص عن عمر بل نأخذ بمفهوم السنة عن عمر إن عمر حتى بحسب المفهوم الذي يحتمل أنه كان حقيقة في الإسلام على مستوى هذا الثوب الديني المصطنع نجد عمر فرط في العطاء بين الناس ووضع تركيباً قبلياً في المجتمع الإسلامي كما صنع عثمان، لكن فرق بينهما، لأن عمر جعل هذا التركيب القبلي الطبقي على أساس خدمة الإسلام، قال إن كل من كان أقرب للنبي (صلى الله عليه وآله) يعطيه أكثر، وهذا ثوب تقبله أمة غير واعية قبولاً اجماعياً، أكثر مما تقبل النظرية الإسلامية الحقيقية. قبل أن يلتفت إلى نتائج هذا التركيب القبلي من اللحظة الأولى، قبل أن يلتفت إلى ما سوف يتمخض عنه هذا التركيب الطبقي من بلايا وكوارث ومحن في المجتمع الإسلامي، تستسيغ هذا المطلب تستسيغ أن عم الرسول (صلى الله عليه وآله) أكثر الناس عطاءً أن يكون البدريون أكثر عطاءً من الاحديين. وأن يكون المهاجرون أكثر عطاءً من غيرهم وأن يكون العرب الموجودون أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعاشوا الدعوة في مراحلها الأولى أكثر عطاء من غيرهم، وهكذا فلو كان علي يعارض هذا الإنحراف وقتئذ لفسر على مستوى تلك الذهنية بأنه صراع شخصي وليس صراعاً عقائدياً. لم يكن بإمكانه أن يفهم المسلمين ذلك ولهذا سكت لئلا يلبس صراعه الثوب الشخصي، وهذا هو يقول: سأسالم ما سلمت أمور المسلمين مادام التعدي علي أنا، فأنا ساكت مادام الناس يعيشون ويشعرون بأن الامور بخير فأنا ساكت حتي يصابوا بنيران الإنحراف.

فإعلانه بمخالفة سيرة الشيخين كان موقفاً عقائدياً ونضالياً، ولم يكن موقفاً شخصياً لأن المصلحة الشخصية تقتضي هنا أن يسكت فإن لم يكن بينه وبين وصوله إلى الخلافة إلا أن يقر بزعامة هؤلاء المنحرفين وهذا أمر مؤقت لا يمكن أن يفسر على أساس الصراع الشخصي، وإنما يفسر على أساس أن هذا الشخص يريد أن يمسك بيده نظرية جديدة للإسلام غير النظرية التي طبقها الشيخان، ثم بعدما تكشف الإنحراف في أيام عثمان إلى درجة لم يكن بحاجة إلى صعوبة لتشعر به الأمة الغير الواعية، شعرت الأمة الإسلامية بذلك خصوصاً في السنوات الاخيرة من أيام عثمان، فدخل الإمام (عليه السلام) في الصراع بشكل مكشوف ليثبت للتجربة الإسلامية دعائم النظرية الأخرى، فكان (عليه السلام) هو رمز نظرية إسلامية للحياة الاجتماعية تختلف عن النظرية المطبقة لواقع الحياة الاجتماعية على ما سوف نشرح أن شاء اللّه تعالى.




تولي أمير المؤمنين زعامة المسلمين:

انتهينا في خط العرض العام إلى تولي أمير المؤمنين (عليه السلام) لزعامة المسلمين سياسياً وإدارياً بعد مقتل عثمان، إلا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما تولى الخلافة بعد مقتل عثمان، أراد أن يشرح للمسلمين بطريقته الخاصة، إن المسألة ليست بالنسبة إليه تبديل شخص بشخص آخر، وليست مسألة فارق اسمي بين زعيم الأمس وزعيم اليوم، وإنما المسألة هي مسألة اختلاف شامل كامل للمنهج، وفي كل القضايا المطروحة.

إلا أنه لعلاجها وتصفيتها، كان يريد أن يبين للمسلمين ضرورة أن ينظر إليه بوصفه قائماً على الخط، وقيماً على المنهج وأميناً على الرسالة. وعنواناً لدستور جديد، يختلف عن الوضع المنحرف القائم بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله).

لأجل هذا امتنع عن قبوله الخلافة أول الأمر، فقال لهم فكروا في غيري، واتركوني وزيراً لمن تستخلفونه، فانا لكم وزير خير مني أمير، يعني على مستوى حياة الدعة والكسل، على مستوى الرخاء واليسر، على مستوى الحياة الفارغة من المسؤولية، على مستوى هذه الحياة أنا وزير خير مني أمير، لاني حينما أكون أميراً سوف ارهقكم، سوف اتعبكم سوف افتح أمامكم أبواب مسؤوليات كبرى تجعل ليلكم نهارا، وتجعل نهاركم ليلاً، هذه الهموم التي تجعلكم دائماً وأبداً تعيشون مشاكل الأمة في كل أرجاء العالم الإسلامي، هذه الهموم التي سوف تدفعكم إلى حمل السلاح - من دون حاجة مادية - لاجل تطهير الأرض الإسلامية من الإنحراف الذي قام عليها...؟

اتركوني وزيراً أكون أفضل لكم على مستوى هذه الحياة مني وانا أمير، لأني كوزير لا أملك أن ارسم الخط، أو أن أضع المخطط، وإنما انصح واشير.

وحينئذ يبقى الوضع الذي كان بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) مستمراً، اصروا عليه بان يقبل الخلافة، ففرض عليهم الشروط فقبلوها اجمالاً دون أن يسألوه التوضيح، اعطاهم فكرة عن أن عهده هو عهد منهج جديد للعمل السياسي والاجتماعي والاداري، فقبلوا هذا العهد، وكان هذا سبباً في أن ينظر المسلمون من اللحظة الأولى، إلى أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) بوصفه نقطة تحول في الخط الذي وجد بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، لا بوصفه مجرد خليفة، فانتعشت مع هذا العهد الجديد آمال كثيرة.

وحينما بويع الإمام علي (عليه السلام)، كانت أكثر الصعاب التي واجهها بعد بيعته، هو انشقاق معاوية وتخلف الشام بكامله لابن ابي سفيان عن الانضمام إلى بيعته. هذا التناقض، شق المجتمع الإسلامي في الدولة الإسلامية إلى شقين، ووجد في كل منهما جهاز سياسي واداري لايعترف بالآخر. ومنذ البدء، كان هناك فوارق موضوعية واضحة، بين وضع علي بن أبي طالب (عليه السلام) السياسي والاداري، ووضع معاوية السياسي والإداري، تجعل هذه الفوارق معاوية، احسن موقفاً واثبت قدماً، واقدر على الاستمرار في خطه من إمام الإسلام (عليه السلام).

هذه الفوارق الموضوعية لم يصنعها الإمام (عليه السلام) وإنما كانت نتيجة تاريخ:


فأولاً: كان معاوية يستقل باقليم من أقاليم الدولة الإسلامية، ولم يكن لعلي أي رصيد أو قاعدة شعبية في ذلك الاقليم على الاطلاق، لأن هذا الاقليم، قد دخل في الإسلام بعد وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) وانعزال علي عن خط العمل، وكان هذا الاقليم، قد دخل ودشن حياته الإسلامية بولاية يزيد أخي معاوية، ثم بعد بولاية معاوية، وعاش الإسلام من منظار آل أبي سفيان، ولم يسمع لعلي (عليه السلام)، ولم يتفاعل مع الوجود الإسلامي والعقائدي، هذا الإمام العظيم لم يكن يملك شعاراً له رصيد أو قاعدة شعبية في المجتمع الذي تزعمه معاوية، وحمل لواء الانشقاق فيه، في حين، العكس فان شعار معاوية كان يملك رصيداً قوياً وقاعدة قوية في المجتمع الذي تزعمه الإمام (عليه السلام) لأن معاوية، كان يحمل شعار الخليفة القتيل، والمطالبة بدمه والخليفة هذا كان أمير المجتمع الذي تزعمه علي (عليه السلام)، وكان لهذا الخليفة القتيل اخطبوط في هذا المجتمع وقواعد. وهكذا كان شعار ابن أبي سفيان يلتقي مع وجود قاعدة ورصيد في داخل محتمع أمير المؤمنين (عليه السلام) بينما لم يكن شعار الإمام علي يلتقي مع قاعدة ورصيد في داخل مجتمع معاوية.


وثانياً: كانت طبيعة المهمة تميز معاوية عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لأن أمير المؤمنين (عليه السلام) بوصفه الحاكم الشرعي، والمسؤول عن الأمة الإسلامية كان يريد أن يقضي على هذا الانشقاق الذي وجد في جسم الأمة الإسلامية وذلك بشخصية هؤلاء المنحرفين، واجبارهم بالقوة على انضمامهم إلى الخط الشرعي، وكان هذا يستدعي الدخول في الحرب، التي تفرض على الإمام علي (عليه السلام) الطلب من العراقي أن يخرج من العراق، تاركاً امنه ووحدته واستقراره، ومعيشته ورخائه، ليحارب أناساً شاميين لم يلتق معهم بعداوة سابقة، وإنما فقط بفكرة أن هؤلاء انحرفوا، ولا بد من إعادة أرض الشام للمجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، فكان موقف الإمام علي (عليه السلام) يتطلب ويفترض ويطرح قضية الهجوم. على أناس لا يملكون - في غالبيتهم - الوعي لخطورة تراخيهم على قمع هذا الإنحراف، انطلاقاً من عدم استيعابهم لابعاده؟!

في حين أن معاوية بن أبي سفيان، يكتفي من تلك المرحلة، بأن يحافظ على وجوده في الشام، ولم يكن يفكر (مادام أمير المؤمنين) أن يهاجم أمير المؤمنين، وأن يحارب العراق ويضم العراق إلى مملكته، وإنما كان يفكر فقط، في أن يحتفظ بهذا الثغر من الثغور للمسلمين، حتى تتهيأ له الفرص والمناسبات والظروف الموضوعية، بعد ذلك يتآمر على الزعامة المطلقة في كل ارجاء العالم الإسلامي. فمعاوية لم يكن يقول للشامي، اترك استقرارك ووحدتك، وأذهب إلى العراق محارباً، لأن هذا الشخص خارج عن طاعتي، ولكن كان الإمام علي (عليه السلام) يقول هذا للعراقي، لأن علياً (عليه السلام) كان يحمل بيده مسؤولية الأمة ، ومسؤولية إعادة وحدة المجتمع الإسلامي، بينما كان كل مكسب معاوية وهمّه أو قصارى أمله، أن يحافظ على هذا الانشقاق ويحافظ على هذه التجزئة التي أوجدها في جسم المجتمع الإسلامي. وشتان بين قضية الهجوم حينما تطرح وقضية الدفاع.


وثالثاً كان هناك فرق آخر بين معاوية والإمام (عليه السلام) وهو أن معاوية، كان يعيش في بلد لم يكن قد نشأت فيه زعامات سياسية طامحة إلى الحكم والسلطان من ناحية ولم يكن فيه أناس ذوو سابقة في الإسلام، ممن يرى لنفسه الحق أن يساهم في التخطيط وفي التقدير، وفي حساب الحاكم، وفي رسم الخط، لم يكن هكذا، الشام اسلمت على يد معاوية وأخيه، كلهم كانوا نتيجة لإِسلام معاوية ولإِسلام أخي معاوية، ولإِسلام من استخلف معاوية على الشام ولم يكن قد مني بتناقضات من هذا القبيل.

أما علي (عليه السلام) كان يعيش في مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) كان يعيش في حاضرة الإسلام الأولى التي عاش فيها الرسول (صلى الله عليه وآله) وعاش بعد ذلك ابو بكر، وعاش بعد ذلك عمر وعثمان، حتى قتلا، ومن ناحية كان يواجه كثيراً ممن يرون أن من حقهم أن يساهموا في التخطيط ، وأن يشتركوا في رسم الخط، كان يواجه الإمام علي (عليه السلام) اشخاصاً كانوا يرونه نداً لهم، غاية الأمر أنه ند أفضل، ند مقدم، لكنهم صحابة كما أنه هو صحابي عاش مع النبي (صلى الله عليه وآله) وعاشوا مع النبي (صلى الله عليه وآله).

طبعاً إننا نعلم أيضاً، بان خلافة الإمام علي كانت بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) بعشرين سنة، وهذا معناه، أن ذلك الامتياز الخاص الذي كان يتمتع به أمير المؤمنين في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله) كالنجم لا يطاول، ذاك الامتياز الخاص كان قد انتهى مفهومه وتضاءل أثره في نفوس المسلمين، الناس عاشوا عشرين سنة يرون علياً مأموماً، يرونه منقاداً، يرونه جندياً بين يدي أمير هذا الاحساس النفسي خلال عشرين سنة أذهب تلك الآثار التي خلفها عهد النبوة، وهكذا كان الإمام علي (عليه السلام) يُنظر إليه بشكل عام، عند الصحابة الذين ساهموا في حل الأمور وعقدها وكانوا يمشون في خط السقيفة، هؤلاء الصحابة الذين قدموا للإسلام في صدر حياتهم، وكانوا قد قدر لهم بعد هذا أن يمشوا في خط الإنحراف وفي خط السقيفة، هؤلاء كانوا ينظرون إلى الإمام علي الأخ الأكبر، الزبير صحيح كان يخضع لعلي (عليه السلام) لكن كان يخضع له كالاخ الاكبر لا يرى أن إسلامه مستمد منه، هذه الحقيقة الثانية الثابتة التي كانت واضحة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) حُرفت خلال عهد الإنحراف، خلال عهد أبي بكر وعمر وعثمان، ولهذا كان الزبير يعترف بأن علياً أفضل منه، لكنه لا يرى نفسه مجرد آلة ومجرد تابع يجب أن يؤمر فيطيع، فكان هناك أناس من هذا القبيل، هؤلاء يريدون أن يشتركوا في التخطيط ويشتركوا في رسم الخط، في ظرف هو أدق ظرف وابعده عن عقول هؤلاء القاصرين.


رابعاً كانت توجد هناك الاطماع السياسية والاحزاب السياسية التي تكونت في عهد ابن الخطاب، واستفحلت بعده نتيجة للشورى، هذه الاحزاب السياسية كان يفكر في أمرها ويفكر في مستقبلها ويفكر في أنه كيف يستفيد أكبر قدر ممكن من الفائدة في خضم هذا التناقض، وهذا بخلاف معاوية لم يكن قد مني بصحابة أجلاء يعاصرونه ويقولون له نحن صحابة كما أنت صحابي، بل كل أهل الشام مسلمون نتيجة لإسلامه وإسلام اخيه، لم ير أحد منهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ولم يسمع أحد القرآن إلا عن طريق معاوية، إذن كانت حالة الاستسلام في المجتمع الشامي بالنسبة إليه لا يوجد ما يناظرها بالنسبة إلى الإمام (عليه السلام) في مجتمع المدينة والعراق.


خامساً: كان هناك فرق آخر بين الإمام (عليه السلام) ومعاوية، وحاصل هذا الفرق هو أن الإمام (عليه السلام) كان يتبنى قضية هي في صالح الاضعف من أفراد المجتمع، وكان معاوية يتبنى قضية هي في صالح الاقوى من أفراد المجتمع، أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يتبنى الإسلام بما فيه من قضايا العدالة الاجتماعية التي يمثلها النظام الاقتصادي للإسلام، وهذه القضايا لم تكن في صالح الاقوى، بل كانت في صالح الاضعف، ومعاوية كان يمثل الجاهلية بفوارقها وعنفوانها وطبقاتها، وهذا لم يكن في صالح الاضعف بل كان في صالح الاقوى، وذلك أنه بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) حينما دخل العراق والشام وبقية البلاد في داخل المجتمع الإسلامي، لم يقدر الخلفاء الذين تزعموا زعامة المسلمين على تذويب التنظيم القبائلي الذي كان موجوداً في هذه البلاد، بل بقي التنظيم القبائلي سائداً وبقي زعيم كل قبيلة هو الشخص الذي يرتبط كهمزة الوصل بين قبيلته وبين السلطان. وهذا التنظيم القبائلي بطبيعته، يخلق جماعة من الزعماء ومن شيوخ هذه القبائل الذين لم يربِّهم الإسلام في المرتبة السابقة ولم يعيشوا أيام النبوة عيشاً صحيحاً مما جعل من هؤلاء طبقة معينة ذات مصالح، وذات أهواء وذات مشاعر في مقابل قواعدها الشعبية مما يوفر لهم أسباب النفوذ والاعتبار.

الآن تصوروا مجتمعاً إسلامياً تركه الخلفاء المنحرفون وهو يعم بالتقسيمات القبلية بمعنى أن كل قبيلة كانت تخضع إدارياً وسياسياً لزعامة تلك القبيلة التي تشكّل كما قلنا همزة وصل بين القبيلة وبين الحاكم الذي يسهل عليه أن يرشي رؤساء هذه القبائل بقدر الامكان وهذا ما كان يفعله غير الإمام علي (عليه السلام) من الحكام وكان عاملاً من عوامل القوة بالنسبة إلى معاوية، هذه الظروف الموضوعية لم يصنعها الإمام (عليه السلام) وإنما هي صنعت خلال التاريخ وأوجدت لمعاوية مركزاً قوياً ووجد للإِمام مركز ضعف ولولا براعة التضحية وكفاءته الشخصية ورصيده الروحي في القطاعات الشعبية الخاصة الواسعة، لولا ذلك لما استطاع (عليه السلام) أن يقوم بما مرّ به نفسه من حروب داخلية خلال أربع سنوات...

هكذا بدأ الإمام بخلافته ودشن عهده، وبدأ الانقسام مع هذا العهد على يد معاوية بن أبي سفيان، وأخذ الإمام يهيئ المسلمين للقيام بمسؤولياتهم الكبيرة للقيام بدورهم في تصفية الحسابات السابقة، في تصفيتها على مستوى مالي، على المستوى الاقتصادى، على المستوى الاجتماعي على المستوى السياسي والإداري أيضاً، كل ذلك كان يحتاج إلى الكفاح والقتال فأخذ يدعو الناس إلى القتال وخرجوا إليه فعلاً. لقد درسنا إلى هنا علياً مع معاوية بحسب ظروفه الموضوعية، فلا بد وأن ندرس الذهنية العامة للمسلمين أيضاً، كيف كان يفسر هذا الخلاف الموجود بين الإمام علي ومعاوية.

الذهنية العامة للمسلمين بدأت تفسر هذا الخلاف، بأنه بين خط خلافة راشدة، وبين شخص يحاول الخروج على هذه الخلافة، كانوا ينظرون إلى الإمام علي بشكل عام على أنه هو الخليفة الراشد، الذي يريد أن يحافظ على الإسلام، ويحافظ على خط القرآن في حين أن معاوية يحاول أن يتأمر هذا المفهوم. استطاع أمير المومنين (عليه السلام) أن يثبت هذا الانطباع، بالرغم من كل الظروف الموضوعية التي قلناها، في ذهن القاعدة الشعبية الواسعة، في كل ارجاء العالم الإسلامي، عدا القطر الذي كان يرتبط بمعاوية، وهذه الذهنية هي التي كانت تصبغ المعركة بين علي ومعاوية بطابع الرسالة، كأن تعطيه معنى رسالياً. وكانت تفسر هذه المعركة بأنها معركة بين الجاهلية، بين فكرين، بين هدفين، وليست بين زعامتين وشخصيتين، إلا أن الأمر تطور إلى الأسوأ حيث إن المسلمين بدأوا يشكون شكاً واسع النطاق، بأن المعركة بين أمير المؤمنين (عليه السلام) وبين معاوية بن ابي سفيان معركة رسالية.

من الصعب جداً أن نتصور أنه كيف يمكن للمسلمين أن يشكوا في أن المعركة القائمة بين إمام الورع والتقى والعدالة، وبين شخص خائن جاهلي منحرف عدو رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) كانت معركة رسالية إلا إني لا أشك في أن عدداً كبيراً من المسلمين على مر الزمن في عهد خلافة أمير المؤمنين بدأ يشك في أن هذه المعركة أهي رسالية حقيقية أو غير رسالية وهنا يجب أن نعرف أن المسلمين الذين شكوا من هم. إنهم اولئك الذين عرفناهم عقيب وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، هم اولئك المسلمون الذين خلفهم الرسول فكانت خير أمة أخرجت للناس، على مستوى إيمانهم وطاقتهم الحرارية واشعاعهم وشحنهم من النبي (صلى الله عليه وآله) بشخص المبادئ التي طرحها (صلى الله عليه وآله)، ولكن لم يكن لهم من الوعي العقائدي الراسخ إلا شيء قليل، هذا المعنى شرحناه وبيناه وبينا جهاته وقلنا إن الأمة لم تكن على مستوى الوعي وإنما كانت على مستوى الطاقة الحرارية، إذن فنحن سوف لن نتوقع فيها أن تبقى مشتعلة، وتبقى على جذوتها وحرارتها بعد وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، يبقى هذا أيضاً غير منطقي، إذن يجب أن نفكر في أن هذه الطاقة الحرارية قد تضاءلت بدرجة كبيرة وحتى تلك الصبابة من الوعي تلك الجذور من الوعي التي كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) قد بدأ بها كي يواصل بعد هذا خلفاؤه المعصومون عملية توعية الأمة، حتى تلك البذور قد فتتت، واخفقت ومنع بعضها عن الاثمار، وبقي بعضها الآخر بذوراً منقسمة أيضاً. وحينما نتصور الأمة الإسلامية بهذا الشكل، من ناحية أخرى يجب أن نتصور مفهوم المسلمين عن معاوية، نحن الآن ننظر إلى معاوية بعد أن استكمل خطه من الدنيا، وبعد أن دخل الكوفة وصعد على منبر علي بن ابي طالب (عليه السلام) وقال إني لم أحاربكم لكي تصوموا أو تصلوا وإنما حاربتكم لان أتأمر علكيم، بعد أن أعلن بكل صراحة ووقاحة عن هدفه، وبعد أن طرح بكل برودة شعار الخليفة المظلوم وشعار الخليفة القتيل، دخل عليه أولاد عثمان بن عفان وقالوا له: لقد جعلنا هذا الامر وتم الأمر لك يا أمير المؤمنين، فما بالك لا تقبض على قتلة أبينا، قال: أولاً يكفيكم أنكم صرتم حكام المسلمين.

نحن ننظر إلى معاوية بعد أن ارتكب الفظائع وغير أحكام الشريعة وأبدع في السنة، ننظر إلى معاوية بعد أن استخلف يزيد ابنه على أمور المسلمين، وبعد أن قتل مئات من الأبرار والأخيار، ننظر إلى معاوية بعد أن تكشفت أوضاعه، لكن فلنفرض أن شخصاً ينظر إلى معاوية قبل أن تكشف له هذه الأوضاع، لنفترض أن أولئك الأشخاص يعيشون في إطار الأمة الإسلامية وقتئذ -، معاوية ماذا كان يكشف عن أوضاعه وقتئذ على المسلمين، الذين كانوا يدورون في فلك السقيفة، وحكومات السقيفة، ماذا كان من أوراق معاوية مكشوفاً وقتئذ؟ كان معاوية شخصاً قد مارس عمله الإداري والسياسي بعد وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) بأقل من سنة، خرج إلى المدينة وذهب إلى الشام كعامل عليها، وبقي معاوية هناك مدللاً محترماً معززاً من قبل ابن الخطاب، الذي كان ينظر إليه بشكل عام في المجتمع الإسلامي، بنظرة الاحترام والتقدير، حتى أن عمر بن الخطاب، حينما أراد أن يؤدب ولاته، استثنى معاوية من هذا التأديب، وحينما أراد أن يقاسم أموال ولاته استثنى معاوية من ذلك؟! فمعاوية كان والياً موثوقاً به معززاً من الناحية الإسلامية عند ابن الخطاب، وبعد هذا جاء عثمان فوسع من نطاق ولاية معاوية، وضم إليه عدة بلاد أخرى، إضافة إلى الشام، ولم يطرأ أي تغيير في ابن أبي سفيان، فمعاوية لم يكن شخصاً مكشوفاً بل كان شخصاً عنوانه الاجتماعي إنه حريص على كرامة الإسلام، وأنه هو الشخص الذي استطاع أن يدخل في قلب الخليفة الخشن الذي يعاتب ويعاقب، الذي كان يضرب ابنه بحد الخمر حتى يموت، هذا الخليفة لم يضرب معاوية، ولم يعاقبه، معاوية كان نتيجة الترويجات من قبل الحكام والخلفاء المنحرفين، وكان يتمتع بسمعة طيبة وبمفهوم طيب، هنا دخل الصراع لأول مرة شعار الأخذ بالثأر لدم عثمان، هذا الشعار الذي أخذه معاوية وكان يبدو للبسطاء من الناس وكثير من المغفلين، كان شعاراً له وجهة شرعية، كان يقول بأن عثمان قتل مظلوماً، وعثمان بالرغم من أنه خان الأمانة من أستهزاء بالإسلام، وبالرغم من أنه صير الدولة الإسلامية إلى دولة عشيرة وقبيلة، وبالرغم من أنه ارتكب الجرائم التي ادنى عقابها القتل، بالرغم من هذا، ابن أبي سفيان يقول: قتل عثمان مظلوماً. وليس هناك من يعرف بأن عثمان يستحق القتل، كثير من الناس البسطاء أيضاً يقولون: عثمان قتل مظلوماً. فلا بد من القصاص، فيا علي إن كنت قادراً فاعطنا قاتليه، وإن كنت عاجزاً، فانت عاجز عن أن تطبق أحكام الإسلام فاعتزل الحكم لأن الخليفة يشترط فيه القدرة على تطبيق أحكام الإسلام.

هذا هو الشعار الذي أبرزه معاوية في مقابل الإمام (عليه السلام)، والإمام (عليه السلام) في مقابل هذا الشعار لم يكن يريد بأن يصرح بأن عثمان كان جديراً بأن يقتل، أو كان يجب أن يقتل، لأنه لو صرح بهذا، لتعمق إتهام معاوية وطّور التهمة من قول أعطني، إلى قول: إنك قتلت عثمان، فبقي شعار معاوية شعاراً مضللاً إلى حد كبير.

ثم لا بد وأن نلاحظ الجهود والأتعاب والتضحيات التي قام بها المسلمون في كنف الإمام علي (عليه السلام) لا أدري هل أن أحداً جرّب أو لم يجرب هذا الإيحاء النفسي، حينما تكون المهمة صعبة على الإنسان وثقيلة، حينئذ توسوس له نفسه بالتشكيك في هذه المهمة بمختلف التشكيكات، فحينما يصعب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حينئذ يأخذ بالوسوسة، من قال بأن هذا الرجل مبطل، من قال أنه قادر على هذا الكلام من قال إن شروط الأمر بالمعروف تامة، وهكذا يوسوس لأجل أن يستريح من هذه المهمة، لأجل أن يلقي عن ظهره هذا العبء الكبير، كل إنسان يميل بطبعه إلى الدعة، إلى الكسل إلى الراحة إلى الاستقرار، فإذا وضعت أمامه مهام كبيرة، حينئذ، إذا وجد مجالاً للشك في هذه المهمة فسوف يكون عنده دافع نفسي إلى أن يشك، يشك لاجل أن يريد أن يشك ويشك لأجل أنه من مصلحته أن يشك، وهذا كان موجوداً على عهد الإمام (عليه السلام).

العراقيون قدموا من التضحيات شيئاً كثيراً بذلوا أموالهم ونفوسهم ودماءهم في حروب ثلاثة، آلاف من العراقيين ماتوا وقتلوا، عشرات من الأطفال يتموا آلاف من النساء أصبحن أرامل، آلاف من البيوت والعوائل تهدمت، كثير من المدن والقرى غارت عليها جيوش معاوية، كثير من هذه المآسي والويلات حلَّت بهؤلاء المسلمين، نتيجة ماذا ولأجل ماذا، لاجل أن يزداد مالهم، لا، لأجل أن يزداد جاههم، لا، وإنما لحساب الرسالة، لحساب الخط، لحساب المجتمع الإسلامي، لاجل هذا الهدف الكبير،وهذا هدف كبير أعز من كل النفوس وأعز من كل الدماء وأعز من الأموال، لكن نحن يجب أن نقدر موقف هؤلاء الذين ضحوا وبذلوا وقدموا، ثم أصبحوا يشككون لأن من مصلحتهم أن يشككو، وأصبح الإمام يدفعهم فلا يندفعون، يحركهم، فلا يتحركون، لماذا، لأن من مصلحتهم أن يعطوا للمعركة مفهوماً جديداً، وهو أن القصة قصة زعامة علي أو معاوية ، ما بالنا وعلي ومعاوية، أما أن يكون هذا زعيماً وأما أن يكون ذلك رعيماً، نحن نقف على الحياد ونتفرج، فأما أن يتم الأمر لهذا أو لذاك، هذا التعبير بداياته، وهذا التفسير الذي اوحت مصلحة هؤلاء وهؤلاء هو الذي كان يشكل عقبة دون أن يتحركوا دون أن يتحرك هؤلاء من جديد إلى خط الجهاد، هذا التعبير هو الذي جعل أمير المؤمنين (عليه السلام) يبكي من على المنبر، وينعي أصحابه الذين ذهبوا، اولئك الذين لم يشكوا في خطه وفيه لحظة اولئك الذين آمنوا به إلى آخر لحظة، اولئك الذين كانوا ينظرون إليه كامتداد لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، من قبيل عمار وأمثاله، هذا عمار الذي وقف بين الصفين، ووضع سيفه على بطنه، وقال: واللّه إنك تعلم لو كان رضاك أن تغمد هذا في بطني حتى أخرجته من ظهري لفعلته، واللّه إنك تعلم أني لا أعلم رضا إلا في قتال هؤلاء المائعين المنحرفين، كان يبكي لأمثال عمار، لأن عماراً وامثاله كانوا قد ارتفعوا فوق هذه الشكوك، قد طلقوا مصالحهم الشخصية لمصلحة الرسالة، كانوا قد غضوا النظر عن كل الاعتبارات الخاصة في سبيل حماية كيان الإسلام، وفي سبيل إعادة مجد المجتمع الإسلامي ووحدة المجتمع الإسلامي إلى هؤلاء.

أصبح هؤلاء الذين كانوا يفكرون في الهموم الكبيرة يفكرون في الهموم الصغيرة، أصبحوا يفكرون في قضاياهم، يجب أن لانعتب عليهم، نحن اسوأ منهم فنحن لم نرتفع لحظة هكذاً، نهبط وهؤلاء أرتفعوا لحظة ثم هبطوا. هؤلاء خرجوا من بلادهم وطلقوا نساءهم وأطفالهم وأموالهم في سبيل اللّه، وفي سبيل قضية ليس لهم ربح مادي فيها. هؤلاء فعلوا هذا ساعة ثم أدركهم الشيطان، أما نحن لا ندري إذا وقفنا مثل هذا الموقف هل نصمد ولو ساعة أو نبقى مكاننا، على أي حال هؤلاء كانوا ثلة، لم يكونوا عمار بن ياسر، هؤلاء بدأ الشك يتسرب إلى نفوسهم، بدأوا يشكون في هذا الإمام (عليه السلام) الصالح حتى تمنى الموت، لأن الإمام (عليه السلام) أصبح يحس أنه أنقطع عن هؤلاء، وأصبح منفصلاً عنهم. إنهم أصبحوا لا يفهمون أهداف رسالته. ومن أمرّ ما يمكن أن يقاسيه زعيم أو قائد أن يعيش في جماعة لا تتفاعل معه فكرياً، ولا تعيش مع أهدافه ولا مع خطه، مع إنسان يبذل كل ما لديه في سبيلهم، وهم لا يحسون أن كل هذا في سبيلهم، وإنما يشكون فيه، في نيته، هذا هو الامتحان العسير الذي قاساه أفضل الصلاة والسلام عليه، لكن بالرغم من كل هذا الامتحان يحاول أن يبث من روحه الكبير في هذا المجتمع المتفتت الذي بدأ يشك، والذي بدأ يتوقف. كان يحاول أن يبث فيهم من روحه الكبير، إلى أن خر شهيداً في مسجد الكوفة.

imported_إمامي is offline   Reply With Quote
Old 28-09-2007, 07:43 PM   #16
معلومات العضو
مناري صديق
 
رقم العضوية : 366
Join Date : Apr 2006
عدد المواضيع : 22
عدد الردود : 296
مجموع المشاركات : 318
النقاط : 50
آعجبنيً: 0
تلقي آعجاب 0 مرة في 0 مشاركة
SMS المزيد ....
My-MMS المزيد ....
imported_إمامي عضو
Default

لماذا عزل النبي (ص) أبا بكر ؟






السيد العلامة سلطان الواعظين الشيرازي

قلت : لم يذكر أحد العلماء والمحدثين في الكتب سببا منصوصا لعمل النبي (ص) ، وإنما ذكروا بعض الأسباب الاحتمالية ، أشهرها ما نقله ابن حجر في صواعقه / 19 ، وسبط ابن الجوزي في تذكرته تحت عنوان : تفسير قوله (ص) : ولا يؤدي عني إلا علي جاء فيه ، وقال الزهري : إنما أمر النبي (ص) عليا (ع) أن يقرأ براءة دون غيره لأن عادة العرب أن لا يتولى العهود إلا سيد القبيلة وزعيمها أو رجل من أهل بيته يقوم مقامه كأخ أو عم أو ابن عم فأجراهم على عادتهم ، قال : وقد ذكر أحمد في الفضائل بمعناه . (انتهى ما نقلناه من التذكرة ) .

وأما هذا في نظري غير تام ، لأنه لو كان كذلك لما بعث رسول الله (ص) أبا بكر أولا . بل كان من بادئ الأمر يبعث عمه العباس وهو ذو شيبة وكان يعد الشيخ ذا السن من بني هاشم ، وإنما الذي يظهر من هذا الأمر ، أن الله ورسوله (ص) أرادا أن يظهرا مقام الإمام علي(ع) ومنزلته ، وأنه سفير النبي (ص) ، والذي هو كفوٌ وأهل لينوب عنه (ص) .

نعم أرادا كشف هذه الحقيقة حتى يستنبط شيعة علي (ع) منها الرد القانع والجواب القاطع على كلامكم الزائف وقولكم بأن أبا بكر أحق بالخلافة من علي (ع) لأنه كان أسن منه .

وإذا كان النبي (ص) يبعث عليا (ع) بادئ الأمر ، ما كان يلفت النظر ولم يكن له هذا الصدى والانعكاس الذي حصل من عزل أبي بكر ونصب الإمام علي (ع) وذلك بأمر من جبرئيل عن الله عز وجل إذ قال : لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك .

فيحصل من هذا الخبر المتواتر أن نيابة رسول الله (ص) والقيام مقامه لا يرتبط بكبر السن أو حداثته ، وإنما يلزم فيه الكفاءات ، واللياقات التي كانت في الإمام علي (ع) ولم تكن في أبي بكر ، ولذا عزل النبي (ص) ـ بأمر الله سبحانه ـ أبا بكر ونصب الإمام علي لأداء تلك المهمة ، فهو المقدم عند الله ورسوله (ص) على أبي بكر وغيره .

السيد عبدالحي : لقد ورد في بعض الأخبار عن أبي هريرة بأن عليا كرم الله وجهه التحق بأبي بكر بأمر النبي (ص) ، وذهبا معا إلى مكة فعلي بلغ الآيات النازلة في أول سورة البراءة ، وأبو بكر علم الناس مناسك الحج ، فكلاهما متساويان في التبليغ .

قلت : هذا الخبر من وضع البكريين وأكاذيبهم وهو غير مشهور ويعارضه الخبر المتواتر المسلم عليه وهو عزل أبي بكر بأمر الله سبحانه ونصب الإمام علي (ع) مكانه وتبليغه الآيات بوحده . ومن الواضح لزوم التمسك بالخبر المروي في الصحاح والمسانيد والمجمع عليه بين الرواة والمحدثين ، وطرح الخبر الضعيف المعارض .

والنتيجة الحاصلة من هذا الخبر أن السن غير دخيل في نيابة رسول الله (ص) وخلافته ، بل اتفاق العقلاء والنبلاء بلزوم العلم والتقوى في الإمام الذي يتعين لقيادة الأمة .

ولهذا قدم الله ورسوله (ص) عليا (ع) إذ كان أعلم الصحابة حتى قال رسول الله (ص) في حقه : علي باب علمي ومبين لأمتي ما أرسلت به من بعدي(1) . فخصه دون غيره بهذه الفضيلة العالية والمنقبة السامية .

النبي( ص) بعث عليا سفيرا إلى اليمن

ولقد نقل كبار علمائكم وأعلامكم خبر إرسال النبي (ص) عليا (ع) إلى اليمن ليقضي بين أهلها ويرشدهم ، وان النسائي وهو أحد أصحاب الصحاح عندكم ، روى في الخصائص العلوية ست روايات بإسناده إلى الإمام علي (ع) بطرق مختلفة مضمونها أنه (ع) قال : بعثني النبي (ص) إلى اليمن فقلت : إنك تبعثني وأنا شاب ، إلى قوم هم أسن مني ، فكيف أقضي بينهم ؟ فقال (ص) : إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك ـ أي على الحق ـ(2).

ورواه العلامة الراغب الاصبهاني في محاضرات الأدباء ، فيظهر من الخبر أن السن لا يكون ملحوظا عند الله ورسوله (ص) في مثل هذه الأمور يعني الحكم والقضاء بين الناس ، وإنما الملحوظ العلم والعدالة والكفاءات الأخرى مثل الورع والنص من رسول الله (ص) الذي ينطق عن الله سبحانه .

علي عليه السلام هادي الأمة بعد النبي ( ص )

وقد نص القرآن الحكيم في ذلك لعلي (ع) وصرح به النبي (ص) لما نزلت الآية الكريمة :

( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد )(3).

فقال (ص) : أنا المنذر وعلي الهاد ، وفي رواية خاطب عليا (ع) وقال (ص) : أنا المنذر وأنت الهادي وبك يهتدي المهتدون ، هكذا رواه جمع من أعلامكم ومفسريكم منهم الثعلبي في تفسيره كشف البيان ، ومحمد بن جرير الطبري في تفسيره ، والعلامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / باب 62 مسندا عن تاريخ ابن عساكر ، والشيخ سلمان القندوزي الحنفي في ينابيع المودة / آخر الباب السادس والعشرين / رواه عن الثعلبي والحمويني والحاكم الحسكاني وابن صباغ المالكي ، والعلامة الهمداني في مودة القربى ، والخوارزمي في المناقب عن ابن عباس وعن الإمام علي (ع) وعن أبي بريدة السلمي روايات عديدة وبطرق شتى رووا باختلاف في الألفاظ وبمعنى واحد ، وهو أن رسول الله (ص) قال : أنا المنذر ، وخاطبا عليا فقال : وأنت الهادي وبك يهتدي المهتدون بعدي .

ولو كان هذا النص يرد في شان أي واحد من الأصحاب ،لكنا نتبعه ونتمسك به ، كما تبعنا عليا(ع) وتمسكنا به لوجود هذا النص الجلي وأمثاله في حق علي (ع) نطق بها النبي الكريم (ص)(4).



(1) أيها القارئ الكريم هذا الحديث مشهور عند المحدثين والعلماء ولذا لم يذكر المؤلف مصدرا له وأرسله إرسال المسلمات ، ولكني أذكر بعض مصادره ليطمئن قلبك ، فأقول : رواه العلامة القندوزي في الينابيع صفحة 279 ، طبع المكتبة الحيدرية ، أخرجه في ضمن المناقب السبعين في فضائل أهل البيت فقال : الحديث التاسع والعشرون ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله (ص) علي باب علمي ومبين لأمتي ما أرسلت به من بعدي ، حبه إيمان وبغضه نفاق والنظر إليه رأفة ومودته عبادة ، قال : رواه صاحب الفردوس . . وهو الديلمي في فردوس الأخبار واخرجه العلامة الهمداني الشافعي في كتابه مودة القربى في أواخر المودة السابعة قال : أبو ذر رفعة : علي باب علمي ومبين لأمتي ما أرسلت به من بعدي ، حبه إيمان وبغضه نفاق والنظر إليه رأفة وعبادة ، قال : رواه أبو نعيم الحافظ بإسناده ونقله المتقي الهندي في كنز العمال : ج6 / 156 وقال : أخرجه الديلمي عن أبي ذر .

أقول : واعلم أن علماء المسلمين اتفقوا بأن عليا (ع) كان أعلم الناس بعد رسول الله (ص) وذلك لما روى عنه (ص) عن طريق سلمان (رض) قال : أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب : أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال : ج6 / 156 وقال أخرجه الديلمي ، والمناوي أيضا أخرجه في كنوز الحقائق : ص 18 ، ونقله القندوزي أيضا في الينابيع / الباب الرابع عشر في غزارة علمه ، نقله عن الموفق بن أحمد بسنده عن سلمان رضي الله عنه . وذكره ضمن المناقب السبعين في فضائل أهل البيت . . . "الحديث السادس والعشرون" عن سلمان . وذكره أيضا العلامة الهمداني في كتابه مودة القربى / في المودة الخامسة ، والسابعة عن سلمان أيضا .

وروى المتقي في كنز العمال : ج6/ 156 عن النبي (ص) أنه قال : علي بن أبي طالب أعلم الناس بالله والناس ، قال : أخرجه أبو نعيم الحافظ .

ونقل العلامة القندوزي في ينابيع المودة / الباب الرابع عشر في غزارة علمه : عن محمد بن علي الحكيم الترمذي في شرح الرسالة الموسومة بالفتح المبين قال ابن عباس(رض) وهو إمام المفسرين : العلم عشرة أجزاء لعلي تسعة أجزاء وللناس العشر الباقي وهو أعلمهم به . . . الخ ثم قال الترمذي ولهذا كانت الصحابة (رض) يرجعون إليه في أحكام الكتاب ويأخذون عنه الفتاوي كما قال عمر بن الخطاب في عدة مواطن : لولا علي لهلك عمر . وقال (ص) : أعلم أمتي علي بن أبي طالب .

وقال القندوزي في الباب : أخرج ابن المغازلي بسنده عن أبي الصباح عن ابن عباس (رض) قال: قال رسول الله (ص) : لما صرت بين يدي ربي كلمني وناجاني ، فما علمت شيئا إلا علمته عليا فهو باب علمي. ونقله في الباب أيضا عن الموفق بن أحمد الخوارزمي بنفس الإسناد بتفصيل أكثر.

وروى القندوزي في الباب أيضا فقال : وعن الكلبي قال ابن عباس : علم النبي (ص) من علم الله وعلم علي من علم النبي (ص) وعلمي من علم علي ، وما علمي وعلم الصحابة في علم علي إلا كقطرة في سبعة أبحر ، ـ أقول : ومما يزيد في أهمية الكلام أن قائله ملقب بحر الأمة ـ ونقل القندوزي في الباب أيضا فقال : إن ابن المغازلي وموفق الخوارزمي أخرجا بسنديهما عن علقمة عن ابن مسعود(رض) قال : كنت عند النبي (ص) فسئل عن علم علي . فقال : قسمت الحكمة عشرة أجزاء فأعطي علي تسعة أجزاء والناس جزءا واحدا وهو أعلم به منه .

ـ أقول : ولا يخفى أن خبر تقسيم العلم والحكمة إلى عشرة أجزاء ..الخ مشهور عند ابن عباس أيضا وقد نقل القندوزي بعض مصادره في الباب المذكور ـ .

وروى العلامة الهمداني في كتابه مودة القربى / المودة الثالثة عشر عن عكرمة عن ابن عباس (رض) قال : قال رسول الله (ص) لعبدالرحمن بن عوف : يا عبدالرحمن إنكم أصحابي ، وعلي بن أبي طالب أخي ومني وأنا من علي فهو باب علمي ووصيي .

وروى أيضا في / المودة الثالثة : عن هاشم بن البريد قال ابن مسعود : قرأت سبعين سورة على رسول الله (ص) وقرأت البقية على أعلم هذه الأمة بعد نبينا (ص) علي بن أبي طالب .

وأخرج الإمام أحمد في المسند : ج5 / 26 ، في حديث طويل قال النبي (ص) لفاطمة : أ وما ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلما وأكثرهم علما وأعظمهم حلما . وذكره المتقي في كنزالعمال : ج6/135وقال : أخرجه أحمد بن حنبل والطبراني ، وذكره أيضا الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد : ج9 /101 و 114 ، وقال : رواه أحمد والطبراني برجال وثقوا .

وجاء في رواية أسد الغابة : ج5 / 520 والمتقي في الكنز : ج6/ 396 أن النبي (ص) قال : يا فاطمة فوالله لقد أنكحتك أكثرهم علما وأفضلهم حلما وأولهم سلما . قال المتقي : أخرجه أبن جرير وصححه ، والدولابي في الذرية الطاهرة .

وفي الكنز أيضا : ج6/ 153 ، قال (ص) : أما ترضين أني زوجتك أول المسلمين إسلاما وأعلمهم علما . . . الخ قال : أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ، وأخرجه الطبراني والخطيب عن ابن عباس .

وفي الكنز أيضا : ج6 / 153 ، قال (ص) : زوجتك خير أهلي ، أعلمهم علما وأفضلهم حلما وأولهم سلما ، قال أخرجه الخطيب ـ البغدادي ـ في المتفق والمفترق عن بريدة . وفي الكنز أيضا ، عن أبي إسحاق قال : إن عليا (ع) لما تزوج فاطمة قال لها النبي (ص) : لقد زوجتكه وإنه لأول أصحابي سلما وأكثرهم علما وأعظمهم حلما ، قال : أخرجه الطبراني ، ورواه الحافظ الهيثمي أيضا في مجمعه : ج9 / 101 وفي مجمع الزوائد أيضا : ج9 / 113 ، روى عن سلمان (رض) قال : قلت : يا رسول الله إن لكل نبي وصيا ، فمن وصيك؟

فسكت عني . فلما كان بعد رآني فقال (ص) : يا سلمان ، فأسرعت إليه، قلت : لبيك . قال : تعلم من وصي موسى ؟

قال : نعم يوشع بن نون . قال (ص) : لم؟ قلت : لأنه كان أعلمهم يومئذ .

قال (ص) : فإن وصيي وموضع سري وخير من أترك بعدي وينجز عدتي ويقضي ديني ، علي بن أبي طالب . قال : رواه الطبراني . (أقول) لا يخفى أن جواب النبي (ص) لسلمان : فإن وصيي وموضع سري ...الخ . تفريع على تعليل سلمان وصاية يوشع بن نون لموسى بن عمران بأنه كان أعلمهم يومئذ ، فالتفريع معناه أن عليا (ع) أيضا وصيي لأنه أعلمهم .

وروى ابن الأثير في أسد الغابة : ج6 / 22 ، عن يحي بن معين بسنده عن عبد الملك ابن سليمان قال : قلت لعطاء : أكان في أصحاب محمد (ص) أعلم من علي (ع)؟

قال : لا والله لا أعلم .

وذكره ابن عبد البر في الإستيعاب : ج2 / 462 والمناوي في فيض القدير : ج3 / 46 في الشرح، والمحب الطبري في الرياض النضرة : ج2 / 194 وقال : أخرجه القلعي ، وفي الصواعق المحرقة : الفصل الثالث في ثناء الصحابة والسلف عليه ـ عليه السلام ـ قال : وأخرج ابن سعد عن سعيد بن المسيب قال : لم يكن أحد من الصحابة يقول سلوني إلا علي ، وقد اشتهر عنه(ع) : سلوني قبل أن تفقدوني .

أقول : فانصفوا (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) ؟ " المترجم "

(2) لقد روى هذا الخبر جمع من أعلام العامة منهم : أحمد في المسند : ج1 / 83 ، ط الميمنة بمصر ، والعلامة ابن سعد في الطبقات : ج2 / 337 طبع دار الصارف بمصر ، والعلامة أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء : ج4 ص 381 ط السعادة بمصر ، وقال : رواه أبو معاوية ، وجرير ، وابن نمير، ويحي بن سعيد عن الأعمش . وأخرجه القاضي أبو بكر بن وكيع في أخبار القضاء : ج1 / 84 ط مصر ، والعلامة البيهقي في السنن الكبرى : ج10 / 86 ، ط حيدر آباد الدكن ، والعلامة أبو اليقظان في شرف النبي ، والمحب الطبري في الرياض النضرة : ج2 ص 198 ط محمد أمين الخانجي بمصر ، وفي كتابه الآخر ذخائر العقبى : 83 ط مكتبة القدسي بمصر ، والراغب الإصفهاني في محاضرات الأدباء : ج4 ص 477 ط مكتبة الحياة بيروت ، والعلامة الأمرتسري في أرجح المطالب : ص 39 و 480 ط لاهور وأخرجه في ص 119 وقال : أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة والبزار وأبو يعلي وابن حبان والحاكم ، باختلاف يسير . وأخرجه الحافظ الطيالسي في مسنده ص 19 ط حيدر آباد الدكن ، والعلامة ابن كثير في البداية والنهاية : ج5 / 107 ط السعادة بمصر ، والعلامة أبو الحسن النباهي المالكي في قضاة الأندلس ص 23 ط دار الكاتب بالقاهرة ، والعلامة عبد الغني الدمشقي في ذخائر المواريث : ج3 / 14 ، والعلامة الشيباني في تيسير الوصول : ج2 / 216 ، وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين ، والعلامة الزرندي في نظم درر السمطين : ص 127 ط مطبعة القضاء والعلامة محمد بن طولون الدمشقي في الشذورات الذهبية : ص 119 ط بيروت ، والعلامة المتقي في منتخب كنز العمال المطبوع بهامش المسند : ج5 / 36 ط الميمنة والعلامة الشيخ عمر بن علي الجندي في طبقات الفقهاء : ص16 ط مصر، والعلامة ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج2 / 236 طبع القاهرة والعلامة البستوي الحنفي في محاضرة الأوائل : ص 62 ط الاستانة ، والعلامة الكنجي في كتاب كفاية الطالب ، خص الباب الخامس عشر بهذا الخبر ورواه بسنده ثم قال : هذا حديث حسن المتن والسند.

أقول : هذا ما توصلت إليه من المصادر المعتبرة والكتب المنتشرة ، وربما توجد مصادر أخرى ولكن فيما ذكرت كفاية لإثبات الحق والواقع . " المترجم "

(3) سورة الرعد ، الآية 8 .

(4) أقول : روى الحاكم الحسكاني في كتابه شواهد التنزيل : ج1 / 293 إلى 303 ، ط الأعلمي بيروت، روى من تسع عشرة طريقا ـ أي من رقم ـ 398 إلى 416 ـ بأن المنذر في الآية الكريمة : إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) هو سيد المرسلين محمد (ص) ، والهادي هو علي بن أبي طالب (ع) .

وروى غير من ذكرهم المؤلف الكريم من أعلام العامة جمع منهم : شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين في الباب 28 / تحت الرقم 123 والعسقلاني في لسان الميزان : ج2 / 199 ، والسيوطي في الدر المنثور في تفسير ذيل الآية الكريمة وقال : أخرجه ابن مردوية وأبو نعيم في المعرفة ، والديلمي وابن عساكر، وابن النجار، وأخرجه المتقي في كنز العمال : ج6 ص 157 عن الديلمي وعن ابن عباس ، ورواه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد : ج7 / 41 وقال : رواه عبدالله بن أحمد والطبراني في الصغير والأوسط ، ورجال المسند ثقات . ورواه الحاكم النسابوري في المستدرك : ج3 / 129 وقال : هذا حديث صحيح الإسناد .

واعلم أن هناك مصادر أخرى من العامة ، ولكن فيما ذكرنا كفاية لمن أراد الهداية . " المترجم

imported_إمامي is offline   Reply With Quote
Old 28-09-2007, 07:44 PM   #17
معلومات العضو
مناري صديق
 
رقم العضوية : 366
Join Date : Apr 2006
عدد المواضيع : 22
عدد الردود : 296
مجموع المشاركات : 318
النقاط : 50
آعجبنيً: 0
تلقي آعجاب 0 مرة في 0 مشاركة
SMS المزيد ....
My-MMS المزيد ....
imported_إمامي عضو
Default

عملية الانقلاب على الرسول (ص) ليس صدفة






المحامي الأردني

أحمد حسين يعقوب

مرض رسول الله ليس مفاجأة، لقد اعلن رسول الله مرارا وتكرارا بانه سيمرض فى ذلك العام، ويموت فى مرضه لانه قد خير فاختار ما عند اللّه، فقال للناس فى حجه الوداع لعلى: لا ألقاكم بعد عامى هذا، وقال للناس فى غديرخم: يوشك ان ادعى فاجيب..

لقد قعد رسول الله على فراش المرض، فى بيت عائشه ام المومنين، واحيط الناس علما بان الرسول سيموت من مرضه هذا، كل شى‏ء واضح تماما، اكمل اللّه الدين واتم النعمه، ولقد جرت العاده ان تجتمع الاسره عند مريضها، وان تستمع اليه، فيلخص لها الموقف.

وجرت العاده ان تجتمع عليه القوم عند زعيمهم اذا مرض مرض الموت ليلخص لهم الموقف وليعبروا له عن ارتباطهم به، وعن تقديرهم لجهده المميز الذى بذله طوال فتره قيادته لهم، هذا امر طبيعى قد الفته البشريه كلها، وحدث ويحدث مع كل ارباب الاسر وزعماء العالم فكيف بسيد ولد آدم محمد رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، وهو قائد الدعوه وقائد الدوله، العارف بماضيه وحاضره ومستقبله المشفق على امته الرووف الرحيم بها؟! فهو الاولى بتلخيص الموقف، واصدار توجيهاته النهائيه بالوقت الذى يراه مناسبا، ولم لا فمحمد سيبقى رسميا رسول الله ومتمتعا بحقوق الرساله حتى يلفظ آخر انفاسه الطاهره، ويبقى قائدا للدوله واماما ووليا للامه ومتمتعا بكافه صلاحياته حتى اللحظه التى تصعد فيها روحه الطاهره الى بارئها عز وجل!!.

ثم ان رسول الله كان يقعد على فراش مملوك له، وداخل بيته المملوك له لا فى بيوت الناس، ومن حق المريض اى مريض على الاطلاق ان يقول ما يشاء!! ومن حق صاحب البيت اى صاحب بيت انه يقول داخل بيته ما يشاء، هذا حق طبيعى للانسان تعارفت عليه البشريه واحترمته على مختلف الوانها ومعتقداتها، ومحمد كسيد ولد آدم وكانسان هو الاولى بممارسه هذا الحق!! ثم ان محمد رسول الله على صله دائمه باللّه تعالى، وعلى ارتباط عميق بالوحى والملائكه تنزل وتصعد فى كل لحظه، واهل السماء فى شغل شاغل لتغطيه حدث موته وهو يعى وعيا تاما ما يدور حوله، ومتاثر بحفاوه اهل السماء به!! ثم ان محمدا بهذا الوقت يخطط ويعبى‏ء ويشرف على تسيير جيش اسامه للاصطدام مع احدى القوتين الاعظم فى العالم آنذاك!! ومن كانت حاله كحاله النبى هذه، لا يمكن ان يكون قاصرا، ولا يمكن ان يكون بحاجه الى توجيهات رعاع العرب، وليس مجنونا، او فاقدا للسيطره على نفسه، ولا هاجرا او يهجر، كما زعم عمربن الخطاب، والانقلابيون الذين اقتحموا عليه الغرفه المقدسه!!



الرسول يضرب موعدا لكتابه توجيهاته النهائيه:

من الموكد ان رسول الله، قد حدد موعدا لكتابه توجيهاته النهائيه، وتلخيصه للموقف، ومن الموكد انه قد طلب حضور عدد من اهل ثقته ومن خواصه ليشهدوا كتابه توجيهاته، حتى يكونوا عونا لولى الامر من بعده، وحجه على خصمه، فمحمد ليس رجلا عاديا، انما هو خيره اللّه من خلقه، ورسول الله، وولى الامه، وقائد دولتها، فمن غير الممكن عقلا ان لا يستحضر احدا عند كتابه توجيهاته النهائيه.



من الذى اخبر عمر بن الخطاب عن هذا الموعد:

طالما ان الرسول قد حدد الموعد داخل بيته، ولم يعلم به الا اهل بيت النبوه وزوجات الرسول فكيف عرف عمر بن الخطاب بهذا الموعد المحدد حتى جاء اليه ومعه حشد هائل من انصاره ومن قاده التحالف ليحولوا بين رسول الله وبين كتابه توجيهاته النهائيه؟ ومن الذى اخبر عمر عن مضمون التوجيهات النهائيه حتى عرفها تماما وحشد حشده، اعترف عمر بن الخطاب فى ما بعد قائلا: (لقد اراد رسول الله فى مرضه ان يصرح باسم على بن ابى طالب فمنعته)(1).

مما يعنى: ان عمر عرف وقت كتابه التوجيهات النهائيه، ومضمون هذه التوجيهات من مصدر ما داخل بيت الرسول!! عندئذ كانت مع عمر المده الكافيه ليجمع قاده التحالف، ويخبرهم بالموعد وبالمضمون معا ويتفق واياهم على خطه للحيلوله بين الرسول وبين كتابه ما اراد.

فمن هو هذا المصدر من بيت الرسول الذى انبا عمر بموعد كتابه التوجيهات النهائيه وبمضمون هذه التوجيهات؟



المصدر الذى اخبر عمر بالموعد:

هذا المصدر او المخبر يكره على بن ابى طالب بالضروره، ويعارض خلافه على للنبى، وتربطه بعمر وبابى بكر علاقه قويه جدا ومميزه!! ومن المستحيل استحاله مطلقه ان يكون من اهل بيت النبوه، اذن لا بد ان يكون احد الخدم، او احدى زوجات الرسول، والخدم لا يجروون اطلاقا على مثل هذا العمل الخطير، فيبقى الاحتمال الموكد ان احدى زوجات الرسول قد اطلعت عمر على وقت كتابه التوجيهات وعلى مضمون هذه التوجيهات لانها سمعت الرسول يتكلم بذلك مع على بن ابى طالب.

وبهذه الحاله تقفز الى الذهن حفصه زوجه الرسول وابنه عمر بن الخطاب، وتقفز عائشه زوجه الرسول وابنه ابو بكر، قال الواقدى فى مغازيه: ان ابا بكر وعمر لا يفترقان، وان عائشه وحفصه ابنتاهما كانتا معا.

ربما كانتا معا قد اخبرتا عمر، او كانت احداهما قد اخبرت عمر عن موعد كتابه التوجيهات النهائيه وعن مضمون هذه التوجيهات.

وقد اخبرنا اللّه تعالى عن تظاهر زوجتين من زوجات الرسول عليه فقال (وان تظاهرا عليه فان اللّه هو مولاه)(2)..

وقال عمر بن الخطاب فى ما بعد ان اللتين تظاهرتا على الرسول هما حفصه وعائشه، هكذا اخرج البخارى فى تفسير هذه الايه(3)، وان اللّه سبحانه وتعالى طلب منهما ان تتوبا الى اللّه، والتوبه لا تطلب الا من المذنب(4).

واتلو ما انزل اللّه تعالى: (ان تتوبا الى اللّه فقد صغت قلوبكما)(5)..

قالت عائشه للنبى يوما: (انت الذى تزعم انك رسول الله)(6)، ولهما ضرب اللّه مثلا امراه نوح وامراه لوط(7).

كل هذا يرجح ان تكون احداهما قد اخبرت عمر بموعد كتابه التوجيهات النهائيه وبمضمون هذه التوجيهات.

ولكن من منهما؟ لنتابع استقراءنا للنصوص: روى البخارى فى صحيحه (كتاب الجهاد والسير) باب ما جاء فى ازواج الرسول عن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب قال: (قام النبى صلى اللّه عليه وآله وسلم خطيبا فاشار نحو مسكن عائشه فقال: (ها هنا الفتنه، ها هنا الفتنه، ها هنا الفتنه -ثلاثا- من حيث يطلع قرن الشيطان) راجع صحيح بخارى مطابع الشعب ج‏4 ص‏100!! وفى لفظ آخر خرج رسول الله من بيت عائشه فقال: (راس الكفر من ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان)(8).

فاذا اخذنا بعين الاعتبار ان الرسول كان مريضا فى بيت عائشه وان المواجهه بين الرسول وبين عمر بن الخطاب تمت فى بيت عائشه قرب الاحتمال ان تكون عائشه زوج النبى هى التى اخبرت عمر بن الخطاب عن موعد كتابه التوجيهات النهائيه، وعن مضمون هذه التوجيهات!! وعلى اثرها استعد عمر وحشد عددا كبيرا من اعوانه فكسروا خاطر النبى الشريف وحاولوا بينه وبين كتابه ما اراد.

ومن جهه اخرى، فان عائشه ام المومنين كانت تكره الامام على وتحقد عليه ولا تطيق ولا تحتمل ان تلفظ حتى اسمه بدليل:

أ - عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن مسعود عن عائشه قالت: لما ثقل رسول الله واشتد به وجعه..

فخرج بين رجلين تخط رجلاه الارض بين ابن عباس (تعنى الفضل) وبين رجل آخر قال عبيد اللّه فاخبرت عبد اللّه بن عباس بالذى قالت عائشه فقال لى عبد اللّه بن عباس هل تدرى من الرجل الاخر الذى لم تسم عائشه؟ قال: قلت لا.

قال: ابن عباس هو على بن ابى طالب ثم قال: ان عائشه لا تطيب لها نفسا بخير)(9).

ب- عن عطاء بن يسار قال: جاء رجل فوقع فى على وفى عمار عند عائشه فقالت عائشه: (اما على فلست قائله لك فيه شى‏ء واما عمار فقد سمعت رسول الله يقول فيه (لا يخير بين امرين الا اختار ارشدهما)(10).

ج- وفى ما بعد خرجت على الامام على، وحاربته ونبحتها كلاب الحواب، بدعوى المطالبه بدم عثمان مع انها هى التى افتت بقتله(11).

ومع ان عائشه قد خسرت حربها، ووقعت اسيره بعد ان ثارتها فتنه عمياء الا ان الامام على اكرمها واعادها معززه مكرمه لما قتل عثمان كانت تتصور ان الناس سيبايعون ابن عمها طلحه قال البلاذرى فى انساب الاشراف(12): (كانت عائشه فى مكه حين بلغها قتل عثمان، ولم تكن تشك فى ان طلحه هو صاحب الامر فقالت بعدا (لنعثل) اى لعثمان وسحقا، ايه ذا الاصبع ابا شبل ايه يا ابن عم لكانى انظر الى اصبعه وهو يبايع)، تعنى بذلك ابن عمها طلحه.

ولما علمت ان طلحه لم يبايع، وان الناس قد اجتمعوا على على بن ابى طالب صعقت فقالت (واللّه، ليت ان هذه انطبقت على هذه) اى انطبقت السماء على الارض ثم قالت ردونى ردونى وقادت فتنتها العمياء بالتعاون مع طلحه والزبير اكثر المولبين على عثمان للمطالبه بدم عثمان(13)!! د ومع ان الامام على اكرمها واعادها معززه الى بيتها التى خرجت منه وقد امرت ان تقر فيه الا انه لما بلغها موت الامام على (سجدت للّه شكرا)(14).

فقد قيل تبت وعلى غمضا فلم سجدت الشكر لما قبعا راجع النص والاجتهاد للامام العاملى ص‏457.

هذه طبيعه مشاعر ام المومنين نحو على بن ابى طالب، فمن الطبيعى ان تتحالف مع اى كان لصرف الامر عنه، ومن الطبيعى ان تخبر عمر وابا بكر عن موعد كتابه التوجيهات النبويه النهائيه وعن مضمون هذه التوجيهات وان تشترك معهما باتخاذ كل ما يلزم للحيلوله بين الامام على وحقه الشرعى بالقياده من بعد النبى، وهى تعلم علم اليقين ان على هو صاحب الامر شرعا من بعد النبى.

ه- ولكن كيف تحب من قتل اولاد عمها فى بدر، انها تكره على وتكره ذريته.

فعندما ارادوا دفن ابن النبى الحسن‏بن على بجانب جده رسول الله، ركبت عائشه بغلا، واستعونت بنى اميه ليحولوا بين الحسن وبين ان يدفن بجانب جده، راجع ترجمه الحسن من مقاتل الطالبيين، وجاءها القاسم‏بن محمدبن ابى بكر وقال لها (يا عمه ما غسلنا رووسنا من يوم الجمل الاحمر اتريدين ان يقال (يوم البغله الشهباء) ولولا حكمه الحسن لاثارتها ثانيه فتنه عمياء)(15).

فعلت كل هذا وقد اذنت ان يدفن ابيها، وعمر بن الخطاب مع ان الدار لرسول الله لا لها، ولها منها 9ر1 الثمن فقط وفى ذلك يقول القائل: فتجملت تبغلت ولو عشت تفيلت فلك التسع من الثمن وبالكل تملكت و- والسيده التى تفعل كل هذا يهون عليها ان تخبر عمر بن الخطاب وقاده التحالف عن موعد كتابه التوجيهات النبويه النهائيه وعن مضمون هذه التوجيهات.

ز- والمكانه التى تمتعت بها عائشه فى عهدى ابى بكر وعمر، تجعلنا نجزم بانها هى التى اخبرتهما بموعد ومضمون التوجيهات النبويه الالهيه، حتى اعدا العده، وحالا بين الرسول وبين كتابه ما اراد، وكسرا خاطره الشريف.

فلا احد من المسلمين والمسلمات كان ياخذ عطاء اكثر من عائشه، وحفصه فلكل واحده منهما اثنى عشر الفا فهما مميزتان على نساء الرسول اللواتى اعطيت لكل واحده منهن عشره آلاف.

وكلمه عائشه عند عمر كانت امرا، انظر الى قوله: (ومن تامرنى ان استخلف) ذلك انه لما طعن عمر ارسل ابنه عبد اللّه بن عمر ليستاذن عائشه فيدفن فى بيت الرسول الى جانبه وجانب ابى بكر، فقالت عائشه حبا وكرامه، ثم قالت لعبداللّه بن عمر (يا بنى ابلغ عمر سلامى وقل له لا تدع امه محمد بلا راع، استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملا، فانى اخشى عليهم الفتنه! عندئذ قال عمر: ومن تامرنى ان استخلف)(16)!! فلو امرته ام المومنين ان يستخلف اعرابيا من الباديه لفعل، فهو مدين لها بمنصب الخلافه، فلو لم تخبره بموعد ومضمون التوجيهات النبويه النهائيه لسار الامر سيرا طبيعيا ولما اختلف اثنان فى ما بعد.

والخلاصه وعلى ضوء ما ذكرنا: فان عائشه ام المومنين هى المصدر او المخبر الذى اخبر عمر بن الخطاب وقاده التحالف بموعد كتابه التوجيهات النبويه النهائيه وبمضمون هذه التوجيهات، مما اعط‏ى عمر الوقت والفرصه ليجمع قاده التحالف ويقتحم بهم بيت رسول الله فيحولوا بينه وبين كتابه ما اراد.



الاعلان عن وجود انقلاب وعن وجود قاعده شعبيه تدعم هذا الانقلاب:

منذ اعلان النبوه والرساله، وبطون قريش بحركه دائمه لا يعتدلها، ولا يستقيم لها حال، وهمها الاعظم صرف شرف النبوه عن محمد الهاشمى، والحيلوله بين العرب وبين الاعتراف بهذه النبوه، لا كراهيه بالدين الجديد، فليس فى الدين الجديد ما تعافه النفس البشريه، ولكن حسدا لبنى هاشم، وبعد مقاومه ضاريه، وحرب ضروس دامتا 21 عاما قتل الهاشميون خلالهما خيره ابناء بطون قريش، صارت البطون تحقد على محمد والهاشميين لانهم قتله الاحبه وهكذا جمعت البطون مع الحسد لبنى هاشم الحقد عليهم، وفوجئت البطون بجيش جرار قوامه عشره آلاف مقاتل يغزوها فى عقر دارها بقياده محمد والهاشميين، فاستسلمت، وتلفظت بالشهادتين، ولكن الحسد والحقد على بنى هاشم كانا قداستقرا فى نفوس ابناء البطون نهائيا.

ولم ينقب الرسول الكريم عما فى نفوس البطون بل اكتفى بالظاهر لان البواطن اختصاص الهى، وفتح النبى صفحه جديده، وقالت البطون انها قد نسيت الماضى، واسفت عليه وانها تفتح صفحه جديده ايضا.

وكان فتح مكه فرصه لالتقاء ابناء قبيله قريش، المهاجر منهم والطليق، وفرصه لتذكر الاحبه الذين قتلت اكثريتهم على يد الهاشميين وبسبب محمد، وكانت فرصه لتذكر الصيغه السياسيه القائمه على اقتسام مناصب الشرف بين البطون، وعلى التوازن والتعادل فى ما بينها.

وركز النبى تركيزا خاصا على منصب القياده من بعده على اعتبار انه النظام الواقعى الامثل الذى يبقى جموع المسلمين داخل اطار الشرعيه والمشروعيه، وبامر من ربه قدم الرسول على‏بن ابى طالب كاول امام وقائد للامه من بعده.



المواجهه فى الموعد المحدد وسببها المباشر:

حضر الذين اصطفاهم النبى ليكتب امامهم التوجيهات النهائيه وليلخص امامهم الموقف، وفجاه حضر عمر بن الخطاب ومعه قاده التحالف وعدد كبير من اعوانه، الذين اتفق معهم عمر على خطه تحول بين النبى وبين كتابه ما اراد.

وحضور اعوان عمر لم يكن بالحسبان،!! كيف يفعل النبى امام هذه المفاجاه؟ هل يلغى الموعد، ويضرب موعدا جديدا، او يمضى قدما الى حيث امره اللّه؟، لقد اختار النبى الحل الاخير فقال: (قربوا اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا)، وفى روايه ثانيه: (ائتونى بكتاب اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا، وفى روايه ثالثه (ائتونى بالكتف والدواه او اللوح والدواه اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا، وفى روايه اخرى (ائتونى بكتاب اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ابدا)، وفى روايه خامسه (ائتونى اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا)، وفى روايه سادسه قال (ائتونى بكتف اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ابدا)، وفى روايه سابعه قال الرسول (هلم اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده).

هذا ما قال الرسول حسب كل الروايات، وهذا سبب المواجهه المباشر بين الرسول وعمر بن الخطاب وحزبه.



هل هذا السبب يوجب المواجهه مع الرسول؟

انظر مليا الى هذه الروايات السبع التى اسندت للرسول: هل فيها خطا؟ هل فيها غلط!! هل فيها اساءه لاحد!! من يرفض التامين ضد الضلاله، ولماذا، ولمصلحه من هذا الرفض؟ ثم ان الرسول فى بيته، ومن حق الانسان ان يقول داخل بيته ما يشاء، ثم ان الرسول مسلم ومن حق المسلم ان يوصى، والذين يسمعونه احرار فى ما بعد باعمال اقواله او اهمالها ثم ان الرسول ما زال رسولا وقائدا للدوله وسيبقى حتى تصعد روحه الطاهره الى بارئها متمتعا بصلاحياته كرئيس.

انه وبكل المعايير العقليه والانسانيه والدينيه لا يوجد ما يبرر مواجهه الرسول بسبب قوله (هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ابدا) بل ان المومن الصادق يستجيب للّه ولرسوله، ويفرح بهذا العرض الذى يحصن الامه ضد الضلاله ابدا!!!



قائد التحالف عمر بن الخطاب يتصدى للنبى:

ما ان اتم رسول الله جملته: (قربوا اكتب لكم كتابا..) حتى تصدى له عمر بن الخطاب وقال متجاهلا النبى وموجها كلامه للحاضرين (ان النبى يهجر وعندكم القرآن حسبنا كتاب اللّه)(17).



قاده التحالف يرددون خلف عمر:

وما ان اتم عمر كلامه حتى قال اعوانه بصوت واحد متجاهلين وجود الرسول وموجهين كلامهم للحضور: (هجر رسول الله، ان رسول الله يهجر، ما شانه اهجر؟ استفهموه؟، ماله اهجر؟ استفتموه؟ وردد اتباع عمر مع كل جمله من الجمل الاربعه قافيه (القول ما قال عمر) متجاهلين بالكامل وجود الرسول.



الحضور من غير حزب عمر:

صعق الحضور من غير حزب عمر من هول ما سمعوا فقالوا: قربوا يكتب لكم الرسول، ويرد عمر عليهم متجاهلا وجود النبى: (ان النبى يهجر، وعندنا كتاب اللّه حسبنا كتاب اللّه)، -وعلى الفور- يضج اتباعه بالقافيه: القول ما قال عمر ان النبى يهجر، ماله استفهموه اهجر؟ ما شانه اهجر!!



النسوه يتدخلن فى الامر:

قال ابن سعد فى طبقاته(18): (لما مرض الرسول قال: (ائتونى بصحيفه ودواه اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا، قالت النسوه: الا تسمعون رسول الله قربوا..

فقال عمر: انكن صويحبات يوسف، فقال الرسول: (دعوهن فانهن خير منكم) يبدو ان النساء المتجمعات فى بيت رسول الله بمناسبه مرضه سمعن اللغط والمشاده بين عمر واتباعه من جهه، الذين يحاولون بكل ما اوتوا من قوه ان يحولوا بين الرسول وبين كتابه ما اراد وبين المومنين الصادقين الحاضرين الذين استجابوا للّه وللرسول، فعندئذ تجمعن امام الباب او من وراء الستر، وتعجبن مما يفعل عمر وحزبه فقلن..

عندئذ نهرهن عمر وقال انتن صويحبات يوسف فرد الرسول عليه ذلك الرد الموجع.



نتيجه تصرفات عمر وحزبه:

كثر اللغط، وكثر اللغو، وكثر الاختلاف، وارتفعت الاصوات، وتنازع الفريقان، فريق عمر، والفريق الذى يويد الرسول وسمعت النساء بما جرى وهتفن: الا تسمعون رسول الله وصاح عمر وحزبه بالنساء ورد الرسول على عمر وحزبه ردا موجعا، وصارت الكتابه بهذا الجو مستحيله، لان عمر وحزبه كانوا على استعداد لفعل اى شى‏ء يحول بين الرسول وبين كتابه ما اراد، وقد ادرك الرسول ذلك وراى الكثره التى جلبها لهذه الغايه.



الرسول يحسم الموقف وينصرف الجميع:

راى رسول الله كثره حزب عمر، واصرارهم على فعل اى شى‏ء للحيلوله دون الرسول ودون كتابه ما اراد، فلو اصر الرسول على كتابه ما اراد، لاصر عمر وحزبه على اثبات هجر رسول الله، مع ما يجره هذا الاتهام من عواقب مدمره للتشكيك بكل ما قاله الرسول، وبما ان اللغط والاختلاف، وارتفاع الاصوات عند النبى قد كثر، وحدثت مشاده كادت تودى للتنازع، بل وبدا التنازع فعلا، لذلك راى رسول الله ان يصرف النظر عن كتابه توجيهاته النهائيه، وتلخيصه للموقف، وحسم موضوع هذا التجمع، فعندما وصل الامر بالنساء لانتقاد تصرفات عمر، ورد عمر وحزبه على النساء متهمين اياهن (بانهن صويحبات يوسف)، تكلم رسول الله واجاب عمر وحزبه (بانهن خير منكم)(19)، وقال الرسول: (دعونى فالذى انا فيه خير مما تدعونى اليه)، او (ذرونى فالذى انا فيه خير مما تدعونى اليه)، او قال: (قوموا عنى ولا ينبغى عندى التنازع)، او قال: (قوموا عنى).

وهذا ما تمناه عمر وحزبه، فبعدما نجح عمر وحزبه بالحيلوله دون رسول الله وكتابه ما اراد، فقد تحققت الغايه من اقتحامهم لبيت الرسول، ولم يعد ما يوجب البقاء(20).



لماذا استمات عمر وحزبه ليحولوا بين الرسول وكتابه ما اراد؟

لقد اعترف عمر فى ما بعد، بانه وحزبه لم يحولوا بين الرسول وبين كتابه ما اراد لان المرض قد اشتد به، او لان القرآن وحده يكفى كما زعموا يومها، انما صدوا النبى عن كتابه ما اراد حتى لا يجعلوا الامر لعلى‏بن ابى طالب(21)!!



1 - شرح النهج لعلامه المعتزله بن ابى الحديد ج 3ص ،105وكتابنا النظام السياسى فى الاسلام ص‏142.

2 - سوره التحريم آيه 4.

3 - صحيح البخارى 3/136، 3/137.

4 - الكشاف ،4/566وتفسير الرازى ،8/332والدر المنثور للسيوط‏ى ،6/239، 342وتفسير القرطبى ،18/177، 188وفتح الغدير للشوكانى ،5/250وتفسير ابن كثير 4/387، 388.

5 - سوره التحريم آيه 4.

6 - آداب النكاح من الاحياء 2/35لمحمد الغزالى، وذكره فى مكاشفه القلوب باب 94ص‏237.

7 - تفسير القرطبى ،18/202وفتح القدير للشوكانى 5/255.

8 - صحيح مسلم كتاب الفتن باب الفتنه من المشرق 2/560، 18/31 33بشرح النووى.

9 - الطبقات الكبرى لابن سعد 2/29بسند صحيح ط ليدن، 2/232طبعه دار صادر بيروت، وصحيح البخارى باب مرض النبى ووفاته 5/139 140طبعه دار الفكر (ولكن البخارى حذف لا تطيب لها نفسا بخير)، وراجع السيره الحلبيه 3/334.

10 - مسند الامام احمد بن حنبل 6/113.

11 - تاريخ اليعقوبى ،2/152وشرح النهج تحقيق ابى الفضل ،6/215،216وتذكره الخواص ص ،61، 64وتاريخ الطبرى ،4/407والكامل لابن الاثير /3ر206.

12 - انساب الاشراف ص‏217.

13 - الغدير للعلامه الامينى ج 9ص ،2والنص والاجتهاد للامام العاملى ص‏436، 437.

14 - مقاتل الطالبيين لابى فرج الاصفهانى ص ،43وكتاب الجمل للشيخ المفيد 83 84.

15 - مروج الذهب للمسعودى، والنص والاجتهاد للامام العاملى 457 ، 458.

16 - على سبيل المثال الامامه والسياسه لابن قتيبه الدينورى 1/22.

17 - تذكره الخواص للسبط بن الجوزى الحنفى ص ،62وسر العالمين وكشف ما فى الدارين لابى حامد الغزالى ص‏21.

18 - الطبقات لابن سعد 2/243 ، 244.

19 - طبقات ابن سعد 2/243 ، 244.

20 - صحيح البخارى كتاب المرض باب قول المريض قوموا عنى ،7/9وصحيح مسلم فى آخر كتاب الوصيه ،5/75وصحيح مسلم بشرح النووى ،11/95ومسند الامام احمد ،4/356ح ،2992وصحيح بخارى ،4/31وصحيح مسلم ،2/16ومسند احمد ،3/286و ،1/355وتاريخ الطبرى ،2/192والكامل لابن الاثير ،2/320وتذكره الخواص للسبط بن الجوزى ص ،62وسر العالميين وكشف ما فى الدارين لابى حامد الغزالى ص‏21.

21 - شرح النهج لعلامه المعتزله ابن ابى الحديد 3/114سطر 27الطبعه الاولى مصر وبيروت، 2/79سطر 3بتحقيق ابو الفضل، 3/802طبعه مكتبه الحياه، 3/167طبعه دار الفكر، كتابنا نظريه عداله الصحابه

imported_إمامي is offline   Reply With Quote
Old 28-09-2007, 07:45 PM   #18
معلومات العضو
مناري صديق
 
رقم العضوية : 366
Join Date : Apr 2006
عدد المواضيع : 22
عدد الردود : 296
مجموع المشاركات : 318
النقاط : 50
آعجبنيً: 0
تلقي آعجاب 0 مرة في 0 مشاركة
SMS المزيد ....
My-MMS المزيد ....
imported_إمامي عضو
Default

مؤتمر السقيفة الانقلابي ومواقف المعارضة الإسلامية








يعتقد بعض العوام من أهل السنة بأن معارضة ما، لم تحدث لمقررات مؤتمر السقيفة الذي عقدته سنة إحدى عشر للهجرة في سقيفة بني ساعدة بالمدينة المنورة، زمرة من الصحابة الذين شملتهم آية (انقلبتم على أعقابكم)، تاركين جثمان الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) بلا تجهيز ولا دفن، لانتخاب الخليفة الأول.

ولعل الكثير من هؤلاء لا يزال يظن بأن عملية تنصيب أبي بكر التي تمخض عنها ذلك المؤتمر، إنما تمت بحضور المسلمين كلهم أو بعض ممن يسمون بأهل الحل والعقد على أقل تقدير. أو لعله فهم أو فُهّم بأن الأمر قد تم بطريق التصويت والانتخاب الحر، أو إجماع أهل الرأي مثلا..

ولذلك فهو يحتج على من يناقش بهذا الموضوع أو يطرح فيه رأيا، على اعتبار أنه أمر مفروغ منه مرتفع عن المناقشة بل مسلمة من المسلمات. وهذا من أفحش الجهل وأقبحه، لأن الواقع التاريخي يكشف وبكل جلاء هزال أطروحة شرعية الخلافة التي أقرها مؤتمر السقيفة التآمري وهو لازال منذ عُقد إلى يومنا هذا، يواجه الأسئلة المحرجة التي لا يستطيع أحد الإجابة عليها خروجا من المأزق، ولا يزال يخوض المواجهات مع معارضيه من أصحاب الفكر الحر والعقيدة السليمة الخالية من التعصب، القائمة على أساس الحق والصدق مع الله والنفس والتاريخ.

على أننا هنا نحاول استقراء وتحليل بعض مواقف المعارضة التاريخية التي جابهت اجتماع السقيفة التآمري، منذ يومه الأول، ليعيد النظر ويحسن التقويم من أراد بلوغ الحقيقة وكشف حجاب التعتيم عن وجهها، فلم يعد له مسوغ باتهام الآخرين بالمروق عن قوس الإسلام إذا ما أراد مناقشة في مسألة هي من أعقد وأهم المسائل التي عاشت نتائجها الأمة الإسلامية بمرارة ما أقساها!!


1- المعارضة الأنصارية:

في بداية الأمر, ظهرت المعارضة الأنصارية قوية متماسكة. لكنها سرعان ما انهارت تحت وطأة الصراعات الخزرجية الداخلية, والخزرجية الأوسية. وكان رأس هذه المعارضة الأمير الخزرجي سعد بن عبادة. فمن هو سعد؟ وماذا كانت مواقفه من البيعة؟ وماذا كانت مواقف جماعة الحكم منه؟!

جاء في (الاصابة): سعد بن عبادة, (سيد الخزرج, شهد العقبة, واختلف في شهوده بدرا, فأثبته البخاري, وقال ابن سعد, كان يتهيأ للخروج فنهس فأقام, وقال النبي (صلى الله عليه وآله): لقد كان حريصا عليها.

قال ابن سعد: وكان يكتب بالعربية, ويحسن العلوم والرمي, فكان يقال له الكامل, وكان مشهورا بالجود هو وأبوه وجده وولده, وكان لهم أطم ينادى عليه كل يوم, وكانت جفنة سعد تدور مع النبي (صلى الله عليه وآله) في بيوت أزواجه.

عن ابن عباس: كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في المواطن كلها رايتان, مع علي راية المهاجرين, ومع سعد بن عبادة راية الأنصار.

وعن قيس بن سعد: زارنا النبي (صلى الله عليه وآله) في منزلنا, فقال: السلام عليكم ورحمة الله... ثم رفع يده, فقال: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة.

ومن حديث جابر, قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): جزى الله عنا الأنصار خيرا لا سيما عبد الله بن عمرو بن حرام وسعد بن عبادة.

روى ابن أبي الدنيا عن طريق ابن سيرين, فقال: كان أهل الصفة إذا أمسوا انطلق الرجل بالواحد, والرجل بالاثنين, والرجل بالجماعة, فأما سعد بن عبادة فكان ينطلق بالثمانين.

وروى الدار قطني في كتاب الأسخياء, عن طريق هشام بن عروة عن أبيه, قال: كان منادي سعد ينادي على أطمه: من يريد شحما ولحما فليأت سعدا؛ وكان سعد يقول: اللهم هب لي مجدا, لا مجد إلا بفعال, ولا فعال إلا بمال, اللهم إنه لا يصلحني إلا القليل ولا أصلح عليه).

كانت راية الأنصار بيده يوم الفتح. وكان النبي استخلفه مرة في السنة الثانية عشرة للهجرة خمس عشرة ليلة, مدة غيبته عن المدينة.

رفض سعد مبايعة أبي بكر. فتركوه(أياما ثم بعث إليه أن أقبل فبايع, فقد بايع الناس وبايع قومك فقال: أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبل وأخضب سنان رمحي, وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي, وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي فلا أفعل. وأيم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم ما حسابي).

فلما أتي أبو بكر بذلك, قال عمر: لا تدعه حتى يبايع.

فقال له بشير بن سعد: إنه قد لج وأبي, وليس بمبايعكم حتى يقتل, وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته, فاتركوه فليس تركه بضارّكم, إنما هو برجل واحد.

فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد, واستنصحه لما بدا لهم منه, فكان سعد لا يصلي بصلاتهم, ولا يجتمع معهم, ولا يحج ولا يفيض معهم بإفاضتهم. فلم يزل كذلك حتى توفي أبو بكر وولي عمر.

ولما ولي عمر الخلافة, لقيه في بعض طرق المدينة, فقال له: إيه يا سعد؟!

فقال له: إيه يا عمر؟!

فقال له عمر: أنت صاحب المقالة؟

قال سعد: نعم! أنا ذلك! وقد أفضى إليك هذا الأمر! كان والله صاحبك أحب إلينا منك, وقد أصبحت والله كارها لجوارك!

فقال عمر: من كره جوار جار تحول عنه!

فقال سعد: ما أنا غير مستسر بذلك, وأنا متحول إلى جوار من هو خير منك!

فلم يلبث قليلا حتى خرج إلى الشام في أول خلافة عمر.

وفي الشام, التي كانت وقتئذ تحت حكم عمر, وجد سعد مقتولا. وقد اتفق كثير من كبار المؤرخين الإسلاميين على أن الجن قتلته).

لكن(البلاذري) يرفض رواية (الجن) السابقة, فيقول: إن سعد بن عبادة لم يبايع أبا بكر وخرج إلى الشام, فبعث عمر رجلا, وقال: ادعه إلى البيعة واختل له, فإن أبي فاستعن بالله عليه!

فقدم الرجل الشام, فوجد سعدا في حائط بحوارين [إحدى قرى الشام], فدعاه إلى البيعة, فقال: لا أبايع قرشيا أبدا!

قال: فإني قاتلك!

قال: وإن قاتلتني؟

قال: أ فخارج أنت مما دخلت فيه الأمة؟!

قال: أما من البيعة فإني خارج!

فرماه بسهم, فقتله!).

وفي(تبصرة العوام), قيل إنهم(أرسلوا محمد بن مسلمة الأنصاري فرماه بسهم, وإن خالدا[ابن الوليد] كان في الشام يومذاك, فأعانه على ذلك).

المعارض الأنصاري الشهير الآخر, كان الحباب بن المنذر وهو (خزرجي), قال ابن سعد: (شهد بدرا. وقصته في بدر معروفة. فقد قال للنبي: يا رسول الله, أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتعداه أم هو الرأي والحرب؟

فقال: بل هو الرأي والحرب.

فقال الحباب: كلا ليس هذا بمنزل. فقبل منه النبي (صلى الله عليه وآله)).

وإذا كان سعد بن عبادة قد دفع حياته ثمنا لمعارضته, فإن الحباب بن المنذر اختار أن يسالم, فاستسلم للضغوط, وبايع.


2- المعارضة الهاشمية:

كان بنو هاشم منشغلين (وحدهم تقريبا) بغسل النبي وتجهيزه حين كان الصراع على أشده حول خلافة أبي بكر بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة. وبعد مبايعة أبي بكر,(أقبلت الجماعة التي بايعته تزفه إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله), فصعد على المنبر فبايعه الناس حتى أمسى, وشغلوا عن دفن رسول الله حتى كانت ليلة الثلاثاء).

(سمع العباس وعلي التكبير في المسجد ولم يفرغوا من غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقال علي: ما هذا؟

قال العباس: ما رؤي مثل هذا قط! أما قلت لك؟).

(وجاء البراء بن عازب فضرب الباب على بني هاشم, وقال: يا معشر بني هاشم! بويع أبو بكر!

فقال بعضهم لبعض: ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب عنه ونحن أولى بمحمد!

فقال العباس: فعلوها ورب الكعبة!

وكان عامة المهاجرين وجل الأنصار لا يشكون أن عليا هو صاحب الأمر بعد رسول الله).

(غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر, منهم علي بن أبي طالب والزبير[بن العوام]و فدخلا بيت فاطمة ومعهما السلاح): لقد (اجتمعوا على أن يبايعوا عليا).

(بلغ أبا بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة, وقال له: إن أبوا فقاتلهم). أما عن علي, فقد قال أبو بكر لعمرائتني به بأعنف العنف).

(انطلق عمر وخالد بن الوليد إلى بيت فاطمة),(حتى هجموا على الدار),(فخرج عليهم الزبير مصلتا بالسيف, فعثر, فسقط السيف من يده, فوثبوا عليه, فأخذوه). وكان الزبير, يقول: (لا أحد أولى بهذا الأمر من علي بن أبي طالب). وفي رواية أخرى, سأل عمر الزبيرما هذا السيف؟

قال: أعددته لأبايع عليا! وكان في البيت ناس كثير منهم المقداد وجمهور من الهاشميين, فاخترط عمر السيف وضرب به صخرة في البيت فكسره, ثم أخرجوا الزبير إلى خالد ومن معه, وكان معه جمع كثير, أرسلهم أبو بكر ردءا لعمر وخالد).

ويقول اليعقوبي, أنهم (هجموا على الدار, وخرج علي ومعه السيف, فلقيتهم فاطمة, فقالت: يا ابن الخطاب! أ جئت لتحرق دارنا؟!

قال: نعم! أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة).

وفي رواية أخرى أن فاطمة تلقفت عمر (على الباب, فقالت فاطمة: يا بن الخطاب! أتراك محرقا علي بابي؟! قال: نعم!).

ويذكر عروة بن الزبير أن (أرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لتحريقهم إذا هم أبوا البيعة في ما سلف).

وأخيرا(دخلوا الدار, فخرجت فاطمة, فقالت: والله لتخرجن أو لأكشفن شعري ولأعجن إلى الله! فخرجوا وخرج من كان في الدار).

في واقع الأمر, كان تهديد عمر عليا بالإحراق وسيلة لإجباره على المبايعة. فقد قال عمر لعلي: (والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم).

لكن عليا لم يرضخ للتهديد. فعاد, عمر, ليقول: (قم فبايع! فتلكأ[علي] واحتبس. فأخذ بيده, وقال: قم! فأبي. فحملوه, ودفعوه إلى خالد كما دفعوا الزبير؛ وساقهما عمر ومن معه من الرجال سوقا عنيفا, واجتمعت الناس ينظرون, وامتلأت شوارع المدينة بالرجال؛ فلما رأت فاطمة ما صنع عمر صرخت وولولت, واجتمع معها نساء كثيرات من الهاشميات وغيرهن, فخرجت إلى باب حجرتها, ونادت: يا أبا بكر! ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله لا أكلم عمر حتى ألقى الله).


دور العباس:

بدا التحالف الهاشمي وكأنه يشكل عقبة فعلية في وجه خلافة أبي بكر, فما كان من الخليفة إلا أن راح يستفسر عن وسيلة يكسر بها هذا التحالف. هنا, قال له المغيرة بن شعبة: (الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب فتجعل له في هذا الأمر نصيبا يكون له ولعقبه من بعده فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب وتكون لكما[أبو بكر وعمر] حجة على علي إذا مال معكم).

فانطلق أبو بكر وعمر والمغيرة حتى دخلوا على العباس ليلا, فقال له أبو بكر: أن الناس (اختاروني عليهم واليا؛ وما أنفك يبلغني عن طاعن بقول الخلاف على عامة المسلمين يتخذكم لجأ؛ ولقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في الأمر نصيبا يكون لك ويكون لمن بعدك من عقبك! على رسلكم يا بني هاشم! فان رسول الله منا ومنكم).

مقابل محاولة الرشوة الاسترضائية السابقة, قال عمر بحزم, ضمن إطار لعبة الحمائم والصقور: (إنا لم نأتكم لحاجة إليكم, ولكن كرها أن يكون الطعن في ما أجمع عليه المسلمون منكم فيتفاقم الخطب بكم وبهم, فانظروا لأنفسكم).

أجاب العباس: (أن كنت برسول الله طلبت, فحقنا أخذت, وان كنت بالمؤمنين أخذت, فنحن منهم. ما أبعد قولك من أنهم طعنوا عليك من قولك انهم اختاروك ومالوا إليك؛ وما أبعد تسميتك خليفة رسول الله من قولك خلى على الناس أمورهم ليختاروا فاختاروك. فأما ما قلت أنك تجعله لي, فإن كان حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم فيه[أو: فإن يكن حقا لك فلا حاجة لنا فيه], وإن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض, وعلى رسلك! فإن رسول الله من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها). فخرجوا من عنده.


دور فاطمة الزهراء (عليها السلام):

ما كاد ينتهي هجوم الحكم على بيت فاطمة بنت النبي ومحاولتهم إحراقه, حتى تفجرت أزمات جديدة, ساهمت في تعميق الهوة بين الزهراء والحكم. ولعب أبو بكر الدور الأبرز في خلق تلك الهوة, عن طريق خلق مصاعب أمام أطراف التحالف الهاشمي لدفعهم في النهاية إلى مبايعته.

فعلى سبيل المثال, اختار أبو بكر, بعد وفاة النبي, أن يسقط سهم الرسول وسهم بني هاشم من الخمس. وكان النبي يخص ذاته بسهم من الخمس, ويخص أقاربه من بني هاشم بسهم آخر منه, ولم يعهد بتغيير ذلك حتى توفي. اعتمادا على الآية الكريمةاعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى).

مثال آخر هو فدك. وفدك أرض كانت ملكا للنبي. (ولما مات رسول الله(صلى الله عليه وآله), ادعت فاطمة (عليها السلام) أنه كان ينحلها فدكا؛ فقال يجوز أن أحكم لك! فشهدت لها أم أيمن ومولى لرسول الله, فطلب منها أبو بكر الشاهد الذي يجوز قبول شهادته في الشرع, فلم يكن).

أما المولى الذي تهيب الرازي عن ذكر اسمه, فهو علي بن أبي طالب(عليه السلام).

مثال ثالث: مطالبة فاطمة بحصتها من خيبر وإرثها مما أفاء الله على الخليفة في المدينة. فرفض أبو بكر ذلك محتجا بحديث نبوي يقول إن الأنبياء لا يورثون, فما تركوه صدقة. لكن الزهراء احتجت عليه بآية قرآنية تقول عن لسان زكريا في حديثه عن ابنه يحيى: (يرثني ويرث من آل يعقوب).

اجتمعت أمور كثيرة, أثارت سخط الزهراء, فجاءت إلى أبي بكر وعمر, وقالت: (نشدتكما الله, ألم تسمعا رسول الله (صلى الله عليه وآله), يقول: رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي, فمن أحب فاطمة فقد أرضاني ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟

قالوا: نعم! سمعناه من رسول الله!

قالت: فإني أشهد الله وملائكة أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني, ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه).

يبدو أن توالي النكبات على ابنة النبي سارع في وفاتها, فلم تعش بعد أبيها غير ستة أشهر, قضتها مخاصمة لأبي بكر, فلم تكلمه حتى ماتت, دفنها زوجها علي ليلا وصلى عليها, ولم يؤذن بها أبا بكر.


مواقف بني هاشم:

كانت مواقف بني هاشم عموم تنم عن قناعتهم الراسخة بأن الخلافة لعلي, وأن أبا بكر أخذها منه عنوة. فكانت الزهراء, تقول على سبيل المثال: (ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة؟ ألا ذلك الخسران المبين ما الذي نقموا من أبي الحسن؟ استبدلوا والله الذناب بالقوادم والعجز بالكاهل؟ ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يعلمون).

أما ابن عباس فكان يرى أن النبي, أثناء مرضه الأخير, أراد أن يصرح باسم علي خليفة له من بعده, لكن عمر منعه عن ذلك. ويبدو هذا واضحا في قول ابن عباس لعمر: (كان[النبي] يربع في أمره وقتا, ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه[علي] فمنعته من ذلك).

كذلك كان عقبة بن أبي لهب يطالب بالخلافة لابن عمه, علي بن أبي طالب.

لهذا لا نستغرب إذا وجدنا الحسن بن علي, يقول لأبي بكر, وهو على منبر النبي: (انزل عن مجلس أبي!). فيرد أبو بكر: (صدقت والله! انه لمجلس أبيك).


علي بن أبي طالب: الثابت والمتحولات:

كان علي بن أبي طالب يؤمن بأحقيته في الخلافة, دون غيره, يستند في ذلك على نصوص نبوية عديدة, تبرز دون لبس, أن النبي اختاره خليفة له ووصيا. من تلك النصوص الشهيرة؛ نص يوم الإنذار في دار أبي طالب, حين دعا النبي عشيرته الأقربين, كما طلب إليهوأنذر عشيرتك الأقربين). وانتهى بأن أخذ بيد علي, وكان صبيا صغيرا, وقال: (هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم, فاسمعوا له وأطيعوا). ومن وجهة نظر دينية, يحتل هذا النص مكانة خاصة, بسبب سن علي آنذاك وأعمار أولئك الذين يوجه النبي كلامه إليهم.

كذلك تذكر مصادر عديدة, أن النبي, قال لعليلا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي).

من هنا, كان رفض علي الواضح لخلافة أبي بكر. فحين جاءوا إليه, وقالوا (له بايع! قال: أنا أحق بهذا الأمر منكم, لا أبايعك وأنتم أولى بالبيعة لي؛ أخذتم هذا الأمر من الأنصار, واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله, فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الأمارة, وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار, فانصفونا أن كنتم تخالفون الله من أنفسكم, واعرفوا لنا الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم, وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون.

قال عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع):

يبدو أن عليا كان يفهم سبب إصرار عمر على المبايعة, فقد قال علي لعمرأحلب حلبا لك شطره, والله ما حرصك على إمارته إلا ليؤثرك غدا). وفي نص آخر: (أحلب يا عمر حلبا لك شطره؛ أشدد له اليوم ليرد عليك غدا. لا والله لا أقبل قولك ولا أتابعه!

فقال له أبو بكر[بأسلوبه اللين]: فإن لم تبايعني لم أكرهك.

فقال له أبو عبيدة: يا أبا الحسن! إنك حدث السن وهؤلاء مشيخة قومك, ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور, ولا أرى أبا بكر ألا أقوى على هذا الأمر منك وأشد احتمالا واضطلاعا به؛ فسلم له هذا الأمر وارض به؛ فإنك إن تعش ويطل عمرك فأنت لهذا الأمر لخليق وعليه حقيق في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك.

فقال علي: يا معشر المهاجرين! لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم! نحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم. فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا عن الحق بعدا.

فقال بشير بن سعد: لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار يا علي قبل بيعتهم لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان, ولكنهم قد بايعوا.

وانصرف علي إلى منزله ولم يبايع).

لكن يبدو أن الرياح كانت تسير بعكس ما يشتهي علي. وتخبرنا بعض المصادر, مثلا, أن جماعة اجتمعت (إلى علي بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة, فقال لهم: اغدوا علي محلقين الرؤوس. فلم يغد إلا ثلاثة نفر.

كذلك يخبرنا مرجع آخر, أن عليا كان (يحمل فاطمة على حمار,[ويسير] بها إلى بيوت الأنصار يسألهم النصرة, وتسألهم فاطمة الانتصار له, فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله! قد مضت بيعتنا لهذا الرجل, ولو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به.

فقال علي: أ فكنت أترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ميتا لم أجهزه وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه؟!

فقالت فاطمة: ما صنع أبو حسن إلا ما كان ينبغي له, ولقد صنعوا ما الله حسيبهم عليه.

لعب أسلوب الترغيب(مثال العباس) والترهيب (مثال سعد بن عبادة), الذي استخدمته جماعة الحكم, دوره الأبرز في تقاعس الناس عن نصرة علي- أسلوب استمر طويلا بعد استقرار الحكم لأبي بكر في المدينة, فعلى سبيل المثال: رفض خالد بن سعيد بن العاص مبايعة أبي بكر, وانحاز إلى علي. لكنه خضع بعد ذلك لضغط الظروف, وبايع. (وبعث أبو بكر الجنود إلى الشام وكان أول من استعمل على ربع منها خالد بن سعيد, فأخذ عمر يقول: أتؤمره وقد صنع ما صنع وقال ما قال؟! فلم يزل بأبي بكر حتى عزله, وأمر يزيد بن أبي سفيان).


مناقشة نصوص السقيفة:

قال عمر بن الخطاب: (كانت بيعة أبي بكر فلتة وقي الله شرها).- لماذا؟

لقد لاحظنا أولا أن أبا بكر وعمر بن الخطاب تثاقلا عن المضي في سرية أسامة بن زيد لشعورهما, على الأرجح, بدنو أجل النبي وخوفهما بالتالي من أن يتوفى النبي ويعين الخليفة في غيابهما.

من ناحية أخرى, أراد النبي, وقد رأى أن خطته بإنفاذ هؤلاء في سرية أسامة بن زيد لم تكتمل, أن يملي على المسلمين وصيته التي كانت ستتضمن حتما أشياء لن تعجب عمر بن الخطاب- كان أبو بكر غائبا- فاحتج عمر بقوله, إن النبي يهذو.

غاب بنو هاشم عن سقيفة ومجريات الأمور فيها لانشغالهم بغسل النبي وتجهيزه. لكن الأنصار, الذين لم ينتظروا حتى يدفن النبي ويكتمل حضور الجماعة الإسلامية الأولى, اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة للنبي منهم. وحين سمعت مراكز القوى القرشية بذلك, تدافعت إلى السقيفة كي تحبط مسعى الأنصار.

بدا الموقف الأنصاري ضعيفا منقسما منذ البداية الأولى. يضاف إلى ذلك الحس القبلي عند بعض الأنصار, الذي كان يقول, إن الأنصار, رغم أنهم هم الذين أعزوا الني وأصحابه وجاهدوا أعداءه حتى استقامت العرب, إلا أن قريش أهله وعشيرته, وهم الأحق بخلافته؛ لذلك أقترح في البداية أن يكون أمير أنصاري وأمير قرشي, فرد سعد بن عبادة: هذا أول الوهن.

مقابل ذلك, بدا الموقف القرشي, في غياب بني هاشم, متراصا خلف عمر بن الخطاب. وحين حضر القرشيون إلى السقيفة, احتج أبو بكر بأن قريش أولياء النبي وعشيرته وأحق الناس بالخلافة من بعده؛ وحاول استرضاء الأنصار, بالقول: نحن الأمراء وأنتم الوزراء؛ فوقف الحباب بن المنذر, وقد أضعف وضع سعد بن عبادة الصحي موقف الأنصار, ليحتج على القرشيين, بالقول, إن البلاد بلاد الأنصار, وطالب بإجلاء قريش عن المدينة. بعدها, جاء أول تنازل أنصاري والذي جر وراءه تنازلات كثيرة: منا أمير ومنكم أمير. لكن عمر رفض ذلك بحسم, محتجا أيضا بالحس القبلي ذاته: نحن أولياء النبي وعشيرته. فجاء رد الحباب العنيف: أجلوهم عن هذه البلاد, فبأسيافكم دان لهذا الدين من لم يكن يدين به.

لكن التنافس الأوسي الخزرجي من جهة, والتنافس الخزرجي من جهة أخرى, قضيا على أي أمل للأنصار في تسلم سدة الحكم. فقد كانت ذكرى حرب البعاث, التي لم يكن قد مضى عليها سنوات كثيرة, بين الأوس والخزرج, ماثلة ي البال. لذلك خاف الأوس من سلطة الخزرج؛ وخافوا أكثر من أنهم إذا دعموهم للوصول إلى سدة الحكم, أن لا يجعلوا لهم فيه نصيبا, وتكون لهم بذلك فضيلة. فوقف بالتالي زعيم الأوس, أسيد بن حضير, أبرز منافسي سعد بن عبادة وحساده, ليطالب بمبايعة أبي بكر, دون أن ننسى طبعا العلاقة المميزة التي كانت تربط أسيد بن حضير بأبي بكر وعمر. ومن ناحية أخرى, فقد بايع بشير بن سعد الخزرجي أبا بكر, حتى لا تذهب الخلافة إلى ابن عمه ومنافسه سعد بن عبادة. وعلل ذلك بقوله إنه يكره منافسة قوم (حقا جعله الله لهم)؛ رغم هذا, كان موقف بشير غير مستقر, يتذبذب بين تأييد أبي بكر والانتصار لعلي (عليه السلام).

أخيرا, كان لمجيء قبيلة (أسلم), التي (ملأت شوارع المدينة), وبايعت أبا بكر, أثره الحاسم في دعم موقف جماعة الحكم ضد الأطراف الأنصارية المعارضة.


الهاشميون:

بدا أن القرشيين- عدا بني هاشم- والأنصار كانوا منشغلين بصراعات الحكم إلى درجة أنهم نسوا غسل النبي وتجهيزه, رغم استمرار ذلك من الاثنين حتى عصر الثلاثاء. بل إن انشغال أبي بكر وعمر بأفراح التنصيب منعهما من حضور مراسم ودفن النبي.

لم يعلم بنو هاشم, وبينهم علي, بمجريات الأمور في السقيفة وما بعد, حتى تعالت أصوات الفرح بمبايعة أبي بكر في المسجد: كان بنو هاشم منشغلين بتجهيز النبي للدفن. وبعد استقرار البيعة لأبي بكر, حاولت جماعة الحكم, فرض الأمر على علي وبني هاشم بالقوة: لكنهم فشلوا. وكان لفاطمة الزهراء, ابنة النبي الوحيدة آنذاك, بما تشكل من ثقل معنوي كبير, أبرز الأثر في إفشال مخطط جماعة الحكم. لذلك, كانت محاولاتهم المتكررة للضغط على الزهراء (عليها السلام):

1- حرمان بني هاشم من الخمس, الذي كان سيتيح لهم فرصة الاستقلال المادي عن جماعة الحكم ويساعدهم بالتالي على الاستقلال الفكري العقائدي أيضا.

2- رفضهم إعطاء فاطمة حقها من الإرث في فدك؛ وقد فسر علي بن الفارقي المعتزلي الأمر كما يلي: (لو أعطاها اليوم فدكا بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا وادعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه ولم يمكنه حينئذ الاعتذار بشيء لأنه قد سجل على نفسه بأنها صادقة فيما تدعي كائنا ما كان, من غير الحاجة إلى بينة والى شهود). - هذا يقودنا إلى السؤال المشروع التالي: هل يعقل أن يطالب أبو بكر, فاطمة الزهراء, ابنة النبي وخديجة وزوجة علي وأم الحسن والحسين, بتقديم أدلة على صحة أقوالها أيا كانت؟ وإذا كانت فاطمة بحاجة إلى دلائل على صحة أقوالها, فمن هو ذا, في طول التاريخ الإسلامي وعرضه, الذي سنصدق أقواله دون دلائل قاطعة؟!

إن التناقضات تحتل صدر الصورة في النصوص المتعلقة بفاطمة الزهراء (عليها السلام) في كتب التراث. فقد نقلت تلك الكتب عن أبي بكر قوله, فيما يتعلق بالإرث النبوي, إن الأنبياء لا يورثون؛ ونسب هذا القول للنبي ذاته. مع ذلك فاحتجاج الزهراء بالقرآن الكريم: (يرثني ويرث من آل يعقوب), يفتح باب التناقض على مصراعيه: فإذا افترضنا أن المقصود بالإرث في الآية الكريمة هو الإرث المادي, فذلك يعني أن لفاطمة الحق الكامل في الإرث النبوي؛ وإذا كان المقصود بذلك الإرث المعنوي, لكان لها أيضا الحق الكامل في هذا الإرث المعنوي: الخلافة.

كذلك فإن رفض أبي بكر شهادة علي بن أبي طالب (عليه السلام) في قضية الميراث يتناقض تماما مع قول النبي عن علي, إن الحق معه, يدور حيثما دار.

أما التناقض الأبرز فيبدو صارخا في تضارب الأقوال التالية, الذي لا سبيل إلى حله:

نقل عن النبي قوله لابنته الزهراء وعنها: (الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك)؛ (فاطمة بضع مني يؤذيني ما آذاها ويريبني ما رابها)؛ (فاطمة بضعة مني يغضبني ما أغضبها. وقال النبهاني: وفي رواية فمن أغضبها أغضبني), (فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها).

من ناحية أخرى, جاء في أمهات الكتب الإسلامية أن فاطمة (وجدت على أبي بكر فهجرته فلم تكلمه حتى ماتت)؛ وجاء أيضا: ( غضبت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهجرت أبا بكر, فلم تزل مهاجرته حتى توفيت)؛ وأيضا: (غضبت فاطمة على أبي بكر فهجرته, فلم تكلمه حتى ماتت).

مقابل ذلك, تنسب تلك الكتب إلى النبي أقوالا, مثل: (من كره من أميره شيئا فليصبر, فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية)؛ (من رأى من إمامه شيئا فليصبر, فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات, مات ميتة جاهلية.. ليس أحد خرج من السلطان شبرا فمات عليه, إلا مات ميتة جاهلية).

يبقى السؤال: من كان الله ورسوله غاضبين عليه؛ ومن الذي مات ميتة جاهلية؟!!

imported_إمامي is offline   Reply With Quote
Old 28-09-2007, 07:45 PM   #19
معلومات العضو
مناري صديق
 
رقم العضوية : 366
Join Date : Apr 2006
عدد المواضيع : 22
عدد الردود : 296
مجموع المشاركات : 318
النقاط : 50
آعجبنيً: 0
تلقي آعجاب 0 مرة في 0 مشاركة
SMS المزيد ....
My-MMS المزيد ....
imported_إمامي عضو
Default

كعب الأحبار ومكيدة قتل عمر وأشياء أخرى*








ما يزال هنالك كتاب إسلاميون يؤكدون حتى الآن أن كعب الأحبار كان مسلما؛ ولا نريد بهذه المقالة رد هذه المسألة عليهم، ولكن سنحاول أولا معرفة ماذا يقول الإسرائيليون الحاليون عن كعب، ومن ثم لنستعرض وقائع كان له فيها دور أثبته المؤرخون من قبيل محاولته تغيير قبلة المسلمين إلى الصخرة، وتدبيره لمقتل عمر بن الخطاب، وأشياء أخرى.

تقول(الموسوعة اليهودية- النسخة الإنجليزية), عن كعب الأحبارإنه من جنوب جزيرة العرب والذي عاش زمن عمر بن الخطاب, الخليفة الثاني(634-644م), وعثمان بن عفان, الخليفة الثالث(644-656م). كان كعب ينحدر على الأرجح من الحميريين المتهودين. تحول إلى الإسلام أثناء حكم عمر. تشير صفة الأحبار(جمع حبر= عالم ديني يهودي غير مسلم) إلى أنه كان مصنفا بين العلماء. وبالفعل, فأقوال عديدة للحاخامين وكلمات من الأغاداه[الأدب الديني اليهودي غير التشريعي, مقابل الهالاخا التشريعية] مذكورة باسمه في الأدب الإسلامي, الأمر الذي نستنتج منه أنه كان يعرف الشرع الشفوي[التلمود]. كان كعب أحد أتباع عمر حين دخل الأخير القدس, وبناء على طلبه, حدد له المكان الذي كان الهيكل قائما عليه. وبحسب التقاليد, فقد حاول المسيحيون إخفاءه عن الفاتحين. وحين تم الكشف عن هذا الموقع, حاول كعب حث عمر على بناء المسجد(مسجد عمر) شمال الصخرة, بحيث تحول القبلة إليها بدلا عن مكة. لكن عمر رفض هذا الاقتراح, معتبرا أنه موحى بميول يهودية. ثم وبخ كعب بقسوة وجعل قبلة المسجد في مقدمة جبل الهيكل(جنوب الصخرة).

وينسب الجغرافي الهمذاني إلى كعب قولا يشهد على توقيرة للصخرة: (قال الله للصخرة: أنت عرشي ومنك صعدت إلى السماء...). وبحسب الطبري وابن الأثير, ظل كعب مع عمر حتى قتل. وقد حذر عمر قبل الهجوم عليه بأيام من أنه سيموت قريبا. وكان كعب حاضرا في بلاط الخليفة الثالث. وهناك كانت له بعض المشاحنات مع مسلم تقي, هو أبو ذر.يقول البلاذريإن عثمان سأل كعب ما إذا كان يسمح للحاكم بأن يأخذ نقودا من بيت مال المسلمين إذا كان بحاجة لذلك على أن يردها فيما بعد. ولم يجد كعب غضاضة في هذا العمل. فقال له أبو ذر عندئذ: أتعلمنا يابن اليهود؟).

روى الطبري والمسعودي حوادث مشابهة. وهذه الحوادث(إضافة إلى القصة المذكورة آنفا حول القبلة) تظهر أن موقف المؤرخين من كعب لم يكن متجانسا.ينظر إليه كأنموذج بدئي(للإنتهازية اليهودية).

أما(موسوعة الإسلام, النسخة الانجليزية), فتقول إن كعب الأحبار(جاء إلى المدينة أثناء خلافة عمر بن الخطاب, ثم رافقه إلى القدس عام 636م(الطبري 1/2408). وبعد تحوله[إلى الإسلام] صار على علاقة وطيدة بالخليفة, حيث تنبأ له بموته قبل ثلاثة أيام.

حاول معاوية جذبه إلى دمشق ليكون مستشارا له, لكن يبدو أنه انسحب إلى حمص حيث مات(طبري 3/2473).

إتهم عمر كعبا بالتهود حين تعامل مع جبل الهيكل في القدس كمكان مقدس(طبري 1/2408-2409).


ذلك ما قاله الإسرائيليون والمستشرقون المعاصرون عن كعب الأحبار: فما الذي يقوله الكتاب العرب المسلمون المعاصرون عنه؟

يقول أحمد أمين, على سبيل المثالكعب الأحبار, أو كعب بن ماتع, يهودي من اليمن, ومن أكبر من تسربت منهم أخبار اليهود إلى المدينة ثم إلى الشام, وقد أخذها عنه اثنان, هما أكبر من نشر علمه: ابن عباس- وهذا يعلل ما في تفسيره من الإسرائيليات- وأبو هريرة.. كل تعاليمه كانت شفوية, وما نقل عنه يدل على علمه الواسع بالثقافة اليهودية وأساطيرها. جاء في الطبقات الكبرى[7:79] حكاية عن رجل دخل المسجد فإذا عامر بن عبد الله بن عبد القيس جالسا إلى كتب وبينها سفر من أسفار التوراة وكعب يقرأ. وقد لاحظ بعض الباحثين أن بعض الثقاة كابن قتيبة والنووي لا يروي عنه أبدا.. ويروي ابن جرير أنه جاء إلى عمر بن الخطاب قبل مقتله بثلاثة أيام, وقال له: اعهد فإنك ميت في ثلاثةأيام.

قال: وما يدريك؟

قال: أجده في كتاب الله عز وجل في التوراة.

قال عمر: إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟!

قال: اللهم لا, ولكن أجد صفتك وحليتك وأنه قد فنى أجلك. وهذه القصة, إن صحت, دلت على وقوف كعب على مكيدة قتل عمر, ثم وضعها هو في هذه الصيغة الإسرائيلية.

ولسوف نتوقف هنا عند حدثين هامين في حياة كعب الأحبار الإسلامية: تصرفاته في القدس بعد ما فتحها العرب, ودوره في مقتل عمر. ثم نحلل الحدثين, ونطرح بعض الأسئلة.

روى الطبري أن عمر بن الخطاب, حين دخل القدس, قال أحد اليهود: (أتاك الفاروق في جندي المطيع, ويدركون لأهلك بثأرك من الروم). ويكمل الطبريلما شخص عمر إلى إيلياء[القدس], فدنا من باب المسجد, فقال: ارقبوا لي كعبا!

فلما انفرق به الباب, قال: لبيك اللهم لبيك, بما هو أحب إليك!

ثم قصد المحراب, محراب داود عليه السلام, وذلك ليلا فصلى فيه, ولم يلبث أن طلع الفجر, فأمر المؤذن بالإقامة, فتقدم وصلى بالناس, وقرأ بهم سورة(ص), وسجد فيها, ثم قام, وقرأ بهم في الثانية صدر(بني إسرائيل)[الإسراء], ثم ركع ثم انصرف, فقال: علي بكعب.

فأتي به, فقال[عمر]: أين ترى أن نجعل المصلى؟

فقال: إلى الصخرة!

فقال: ضاهيت والله اليهودية يا كعب, وقد رأيتك وخلعك نعليك!

فقال: أحببت أن أباشره بقدمي.

فقال: قد رأيتك, بل نجعل قبلته صدره, كما جعل رسول الله(صلى الله عليه وآله) قبلة مساجدنا صدورها, اذهب إليك, فإننا لم نؤمر بالصخرة, ولكن بالكعبة).

يعرض ابن كثير الموضوع ذاته بإضافات أخرى, فيقولإن عمر حين دخل بيت المقدس سأل كعب الأحبار عن مكان الصخرة, فقال: يا أمير المؤمنين؛ أذرع من وادي جهنم كذا وكذا ذراعا فهي ثم.

فذرعوا فوجدوها وقد اتخذها النصارى مزبلة, الغرض أنهم اتخذوا مكان قبلة اليهود مزبلة. استشار عمر كعبا أين يضع المسجد, فأشار عليه بأن يجعله وراء الصخرة فضربه في صدره, وقال: يابن أم كعب, ضارعت اليهود! وأمر ببنائه في مقدم بيت القدس).

يكمل الطبري, فيقولثم قام[عمر] من مصلاه إلى كناسة كانت الروم قد دفنت بها بيت المقدس في زمان بني اسرائيل؛ فلما سار إليهم أبرزوا بعضها, وتركوا سائرها, وقال: يا أيها الناس! اصنعوا كما أصنع!

وجثا في أصلها[...] فسمع التكبير خلفه, وكان يكره سوء الرِعة في كل شيء, فقال: ما هذا؟

فقال[بعضهم]: كبر كعب وكبر الناس بتكبيره!

فقال: علي به!

فأتي به, فقال[كعب]: يا أمير المؤمنين إنه قد تنبأ على ما صنعت الروم نبي منذ خمسمئة سنة!

فقال[عمر]: وكيف؟

فقال: إن الروم أغاروا على بني اسرائيل فأديلوا عليهم, فدفنوه, ثم أديلوا عليهم, فلم يفرغوا له حتى أغارت عليهم فارس فبغوا على بني اسرائيل, ثم أديلوا الروم عليهم إلى أن وليت, فبعث الله نبيا على الكناسة فقال: أبشري أوري شلم[القدس]! عليك الفاروق ينقيك مما فيك؛ وبعث إلى القسطنطينية نبي, فقال: يا قسطنطينية! ما فعل أهلك ببيتي! أخربوه وشبهوك كعرشي! وتأولوا علي! فقد قضيت أن أجعلك جلحاء[خالية من الشجر] يوما ما, لا يأتي إليك أحد).

فلنناقش ولنتمعن في:

1- لم يشارك كعب الأحبار في أي من معارك المسلمين, سوى ذهابه مع عمر بن الخطاب, لتسلم القدس(سلميا).

2- شك عمر الدائم بكعب الأحبار, باعتباره يهوديا: الطلب بمراقبة كعب بعد دخول القدس.

قوله لكعب: ضاهيت اليهودية.

قوله له أيضا: خلعت النعل, وهي عادة يهودية عند دخول مكان مقدس عندهم.

3- اكتفاء عمر بن الخطاب, وهو المعروف بالصرامة وبدرته الشهيرة, بتعنيف كعب شفويا, رغم محاولة الأخير تغيير قبلة المسلمين إلى القدس- هيكل سليمان.

4- تكبير كعب حين نظف عمر مكان الهيكل, وكان مسيحيون في القدس قد حولوه إلى مزبلة.

5- رغم شك عمر الواضح في تصرفات كعب اليهودية التي لا لبس فيها, فهو اختار أن يسأله عن موضع الصخرة و(يستشيره) في شأن بناء المسجد، مسجد عمر.

هنا لابد من السؤال: كيف استطاع كعب أن يكون له هذا الدور في عهد عمر, وهو الرجل الأقوى في زمانه؟.

لقد استطاع كعب, بذكائه الحاد وثقافته اليهودية العميقة, أن يلبي غرور عمر عن طريق اختلاق أحاديث عن أنبياء يهود تنبأوا بأن(فاروق سينقي أورى شلم مما هو فيها). لكن كل من له معرفة كافية بالشرعين اليهوديين, المكتوب والشفوي, تنفي تماما حكايا كعب المختلقة تلك.

مثلا: إرسال نبي إلى القدس ليخبرها بمجيء عمر!

تنبؤ نبي على ما صنعت الروم قبل خمسمئة سنة من وصول عمر إلى القدس!

إرسال نبي إلى القسطنطينية, ينذرها بأن الله سيجعلها جلحاء, الأمر الذي لم يحدث حتى الآن.

لقد استغل كعب جهل العرب بثقافات الآخرين، فكان يختلق من الأخبار والأحاديث, وينسبها إلى كتب اليهود المقدسة, دون أدنى دليل وكانوا يصدقونه, لأنه لا يوجد فيهم من اطلع, أو بشكل أدق, سمح له بالاطلاع, على تلك الكتب.

والغريب أن يهود الزمن الحالي, استغلوا هذا الجهل العربي الموروث, في واحدة من أهم حروبهم ضد العربالعرب لا يقرأون)- هكذا قال بثقة سياسي اسرائيلي راحل.

لابد أن نذكر أخيرا, أن ألد أعداء اليهود, كانوا: الرومان والفرس, ومعروف أن عمر بن الخطاب, الذي ارتبط بكعب بعلاقة(استشارية), هز عرشي هاتين الإمبراطوريتين: فهل يمكن أن نربط بين المسألتين, خاصة وأن الكثير من خفايا التاريخ الإسلامي ما تزال غامضة؟ ولماذا قرأ عمر في صلاته مقاطع من سورتي(ص) و(الإسراء) في بيت المقدس, على وجه التحديد؟!

من قتل عمر بن الخطاب؟

من المتعارف عليه عموما أن قاتل عمر هو أبو لؤلؤة المجوسي. لكن كبار المؤرخين الإسلاميين أخبرونا أن كعب الأحبار جاء إلى عمر بن الخطاب قبل مقتله بثلاثة أيام, وقال له: إعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام؛ أو: قد فني أجلك!

وعمر لا يحس وجعا ولا ألما. فقال عمر: وما يدريك؟

قال: أجده في كتاب الله عز وجل في التوراة!

قال عمر: إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟!

قال: اللهم لا! ولكن أجد صفتك وحليتك وأنه قد فني أجلك!

فلما كان من الغد, جاءه كعب, فقال: يا أمير المؤمنين! ذهب يوم وبقي يومان! ثم جاءه من غد الغد, فقال: ذهب يومان وبقي يوم وليلة؛ وهي لك إلى صبيحتها! فلما كان الصبح خرج عمر إلى الصلاة؛ وكان يوكل بالصفوف رجالا؛ فلما استوت جاء فكبر. ودخل أبو لؤلؤة في الناس, في يده خنجر له رأسان نصابه في وسطه, فضرب عمر ست ضربات, إحداهن تحت سرته, وهي التي قتلته.

وقال عمر قبيل وفاته:

توعدني كعب ثلاثا أعدها ولا شك أن القول ما قال لي كعب

فلنتأمل قليلا:

1- قال الكاتب أحمد أمين, إن كعبا كان يقف(على مكيدة قتل عمر, ثم وضعها في هذه الصيغة الإسرائيلية). لكن يبدو أن كعبا رتب المؤامرة بكاملها, بعدما انتهى عمر من تحرير فلسطين ومحيطها من الروم.

2- عودة كعب هنا أيضا إلى إرضاء غرور عمر, بقوله إنه موجود في(كتاب الله) التوراة؛ وتعجب- أو إعجاب- عمر من ذلك.

3- ثقة كعب المطلقة بذاته وبسعة نفوذه, بحيث يأتي إلى عمر يوميا ليؤكد له موعد قتله.

4- اختيار عمر(اللامبالاة) أمام تهديدات كعب, رغم أن أخبارا كثيرة أكدت شكوك عمر الدائمة بنوايا كعب.

5- الغريب أن يخرج كعب من مأساة قتل عمر كالشعرة من العجين؛ لكن الأغرب أن يكون(حاضرا) في بلاط عثمان, خاصة وأن الجميع كانوا يعرفون حكايته في مقتل عمر: فهل يمكن أن يساعدنا ذلك في فهم جو الفوضى الذي عم أثناء خلافة عثمان بن عفان؟!

للقارئ اللبيب أي يجيب على كل تساؤلاتنا.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ

* بتصرف عن كتاب نبيل فياضيوم انحدر الجمل من السقيفة) ط3 بيروت- ليماسول 1995م.

imported_إمامي is offline   Reply With Quote
Old 28-09-2007, 07:46 PM   #20
معلومات العضو
مناري صديق
 
رقم العضوية : 366
Join Date : Apr 2006
عدد المواضيع : 22
عدد الردود : 296
مجموع المشاركات : 318
النقاط : 50
آعجبنيً: 0
تلقي آعجاب 0 مرة في 0 مشاركة
SMS المزيد ....
My-MMS المزيد ....
imported_إمامي عضو
Default

التشيع والمذاهب الأخرى*






أخذ أئمة المذاهب جميعا أنفسهم عن أهل البيت وجعلوا ذلك فخرا لهم وسببا لنجاحهم. فأبو حنيفة(80هـ- 150هـ) أخذ بأقوال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) حتى جعلوا ذلك من مرجحات مذهبه على غيره من المذاهب لقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، وكان أبو حنيفة يفتخر بالأخذ عن الإمام الصادق(عليه السلام)، ويقول: (لولا السنتان لهلك النعمان) في إشارة منه لمدة تتلمذه عليه.

ومالك بن أنس(93هـ-179هـ) هو أيضا أحد تلاميذ الإمام الصادق وعنه أخذ الشافعي(150هـ-198هـ) الذي لا يروي إلا عن علي بن أبي طالب(عليه السلام)، ولذلك اتهموه بالتشيع فافتخر قائلا:

أنا الشيعي في ديني وأصـ ــلي بمكة ثم داري عسقلية

بأطيب مولد وأعز فخر وأحسن مذهب يسمو البرية

وكذلك الإمام أحمد بن حنبل(164هـ-241هـ)، كان يفضل الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) على الصحابة جميعا, وسئل يوما عن أفضل أصحاب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان, قيل: فعلي؟ قال: سألتموني عن أصحابه وعلي نفس محمد(صلى الله عليه وآله وسلم).. إلى غير ذلك مما يطول ذكره, على أننا نجد أهل المذاهب متفرقين فيما بينهم، كل يذهب إلى رجحان مذهبه وبطلان غيره, ويقيم كل فريق أدلته للغلبة والظهور على الآخر. في حين أنهم جميعهم قد أخذوا العلم عن الإمام الصادق(عليه السلام).

لكن أخذ الشيعة عن أهل البيت (عليهم السلام) مباشرة، إنما هو لدلالة الكتاب والسنة, ومن دون ضرورة للأخذ بأصول الدين وفروعه عن غيرهم. فهم سفينة النجاة وأمان الأمة, وباب رئيس من دخله كان من الآمنين, والعروة الوثقى التي لا انفصام لها, وأحد الثقلين لا يضل من تمسك بهما ولا يهتدي من ضل عن أحدهما.

وهنا لا بد من توضيح أمرهام، وهو أن كل المعارضات التي أجهد الساسة أنفسهم في تركيزها وآزرهم على ذلك جماعة من المرتزقة باعوا ضمائرهم بأبخس الأثمان إنما كانت بعيدة كل البعد عن الواقع, ولا نجد من أولئك المتشدقين بذم الشيعة والحط من كرامة أهل البيت(عليهم السلام) من أقام دليلا منطقيا يستطيع أن يثبت من خلاله ذلك الذم, وإنما هم متكسبون مهرجون, والدين منهم براء.




انتشار المذهب الجعفري:

إن المذهب الجعفري هو مذهب أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا, وهو أقدم المذاهب نشأة وأقواها عاملا. فقد تكون في عهد صاحب الرسالة(صلى الله عليه وآله وسلم) فهو أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام, يوم غرس دوحة شريعته الغراء جنبا إلى جنب, ولم يزل غارسها(صلى الله عليه وآله وسلم) يتعهدها بالسقي والعناية حتى نبتت ونمت في حياته, ثم أثمرت بعد وفاته, حيث استمر أل بيته وخلّص أصحابه بتعهدها. وقد قام كل منهم بما يجب عليه من رعايتها, وتحمل من نكبات واضطهاد في سبيل حفظها من تلك السلطات التي كانت تحاول القضاء عليها للقضاء على آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم). وقد وقفوا أمام تلك التيارات وقفة إخلاص وإيمان وثبات على مبدأ الحق, ولم يأبهوا يوما بسلطة أو سياسة.




معارضة (المنصور) و(الرشيد) للمذهب الجعفري:

كان المنصور يأمل بالإمام أبي حنيفة عندما رعاه بعنايته ونصره فقدمه على كثير من الفقهاء ليوجد منه شخصية علمية تقف أمام انتشار المذهب الجعفري.

ولكنه سرعان ما خاب أمله, وفشلت خطته. فهذا الإمام أبو حنيفة نفسه يصرح للملأ بأنه ما رأى أعلم من جعفر بن محمد(عليه السلام)، وأنه أعلم الأمة.

وسأله رجل يوما عن إنسان وقف ماله للإمام فمن يكون المستحق؟ فأجاب أبو حنيفة: المستحق هو جعفر الصادق لأنه الإمام الحق.

ثم جاء الرشيد وبذل كل ما في وسعه لتحويل أنظار الناس عن آل محمد فأظهر تعظيم مالك بن أنس, وكان يجلس بين يديه تأدبا يتعلم منه العلم, ويأمر خواصه وأولاده باحترامه.

ثم قرب إليه الشافعي ونظر إليه نظرة عطف وحنان لأنه قرشي وأرسله إلى مصر بصحبة الوالي وأمره بإكرامه واحترامه وأعطاه سهم ذي القربى. وعامل أهل البيت بالقسوة والشدة وتتبع أنصارهم, والقضاء على من اتهمه في موالاتهم, حتى أنه ثقل عليه أن يكون علي بن أبي طالب(عليه السلام) رابع الخلفاء فحاول أن ينفي ذلك ويعاقب من يثبته.

قال أبو معاوية: دخلت على هارون الرشيد فقال لي: يا أبا معاوية هممت بمن أثبت خلافة علي فعلت به وفعلت. قال أبو معاوية: يا أمير المؤمنين، قالت تيم: منا خليفة رسول الله. وقالت عدي: منا خليفة رسول الله. وقالت بنو أمية: منا خليفة الخلفاء, فأين حظكم يا بني هاشم من الخلافة؟ والله ما حظكم إلا ابن أبي طالب. وبهذا استطاع أبو معاوية أن يصرف الرشيد عن رأيه.

ومضى في سياسته العمياء التي لا تفرق بين الحق والباطل محاولا قلع بذرة حبهم التي زرعها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

ورغم تلك المحاولات الفاشلة بقي المذهب الجعفري ينتشر في العواصم ويتسع في الأقطار حتى كثر أتباعه وشاع بين الناس.

وانتشر المذهب الجعفري في جميع البلاد الإسلامية بقوة مقوماته من دون عوامل الترغيب أو استنادا إلى السلطة الحاكمة التي ساندت المذاهب الأخرى, وكان أول ظهور الشيعة في الحجاز, وهي أول أرض بذرت فيه بذرة التشيع. وفي القرن الرابع الهجري انتشر بصورة ظاهرة في المدينة المنورة.

كما انتشر التشيع في بلاد الشام وكان أبو ذر الغفاري(رضوان الله عليه) هو الذي نشر المذهب هناك, ولا يزال في قرية الصرفند بين صيدا وصور مقام معروف باسم أبي ذر اتخذ مسجدا معمورا. واليوم يوجد عدد كبير قد شغلوا مناصب مهمة في ادارة البلاد السورية, ومنهم العلماء والأطباء وكبار التجار, وتقام عندهم مآتم عاشوراء علنا في عاصمة الأمويين, ويحضرها الكثير من أهل السنة, والخطيب يصدح بمخازي معاوية وفضائح يزيد وجرائم بني أمية مستنبطا ذلك من التاريخ الصحيح.

جاء في خطط الشامفي دمشق يرجع عهدهم(الشيعة) إلى القرن الأول للهجرة, وفي أكناف حوران وهم مهاجرة جبل عامل وفي شمالي لبنان والمتن والبترون وهم مهاجرة بعلبك, ولا يقل عدد الشيعة في الشام من الإمامية عن مئتي ألف نسمة). أما جبل عامل فقد كان بدء التشيع فيه بفضل الجهود التي بذلها المجاهد في سبيل الله أبو ذر الغفاري(رضوان الله عليه), وانتشر بسبب دعوته. وكانت الحركة العلمية واسعة فيه وما زالت.

وللشيعة في جامعة النجف الأشرف جامعة غفيرة تخرج منها عدد كبير من العلماء وحملة دعوة الاصلاح. ومنهم المجتهدون المجاهدون في نصرة الدين وجمع كلمة المسلمين كالعلامة المجاهد السيد محمد باقر الصدر (رحمة الله عليه).

وفي كربلاء حيث مرقد الإمام الحسين(عليه السلام)، للشيعة مراكز علمية كبيرة ألقت ولفترات طويلة على بلاد المسلمين ظلالها ولا تزال، وقد برز من تلك المدينة المقدسة كثير من علماء الإسلام أمثال الميرزا مهدي الشيرازي، وولده العلامة المجاهد السيد محمد(رحمة الله عليهما).

وفي حمص قرى للشيعة خاصة, وفي المدينة نفسها جماعات ظاهرة ومستترة, وفي أعمال إدلب قرى الغوطة ونبل وفوعة وغيرها, وكلها شيعة وفيها إلى اليوم بنو زهرة نقباء الأشراف في مدينة حلب, وكل هؤلاء من بقايا زمن الحمدانيين، ومن فلول شيعة حلب يوم تشتت شملهم، يشير بذلك إلى الكارثة التي أصابت الشيعة عندما أفتى الشيخ نوح الحنفي بكفر الشيعة واستباحة دمائهم تابوا أم لم يتوبوا, فقتل بسبب هذه الفتوى أربعون ألفا من الشيعة ونهب أموالهم وأخرج الباقون إلى القرى.

وانتشر المذهب الجعفري في حلب بصورة ظاهرة وأصبح لهم قوة لا يستهان بها حيث استطاعوا منع سليمان بن عبد الجبار صاحب حلب عن بناء المدرسة الزجاجية وذلك حوالي سنة 517هـ.

ثم سرى التشيع في أفريقيا بانتشار عظيم إلى أن قاومته السلطة, يوم كان أمير أفريقيا المعز بن باديس, فإنه فتك بالشيعة فتكا ذريعا وذلك في عام 407هـ عندما أوقع بهم وقيعة كبرى.

وبرروا ذلك أنهم سبوا الشيخين وهي مادة كان يطبقها الولاة على من يريدون الفتك به من أي الفرق.

وذلك أن المعز بن باديس مر على جماعة من الشيعة في القيروان وقد سأل عنهم, فلما أحس الناس من المعز الميل عنهم انصرفت العامة من فورها إلى مجتمعات الشيعة, فقتلوا منهم خلقا كثيرا وتوجه الجند للنهب, وشجعهم عامل القيروان فقتل منهم خلق كثير وأحرقوا بالنار, ونهبت دورهم, وتتبعوهم في جميع أفريقيا, واجتمع جماعة منهم إلى قصر المنصور قرب القيروان فتحصنوا به, فحصرهم العامة وضيقوا عليهم, فاشتد عليهم الجوع فاقبلوا يخرجون والناس يقتلونهم حتى قتلوا عن آخرهم, ولجأ منهم جماعة إلى الجامع في المدينة فقتلوا كلهم.

وهذه إحدى النكبات الفظيعة التي لاقاها التشيع وقد ذاقوا مثلها ما هو أمر وأمر. ومع ذلك ومع هذه الاضطهادات, فإن التشيع اليوم انتشر في أفريقيا الوسطى والجنوبية بما يقارب العشرة ملايين نسمة.

وفي أندونيسيا ازداد عدد الشيعة فأصبح يقدر بثمانية ملايين نسمة وللعلويين هناك اليد الطولى في نشر المذهب الجعفري, وكان منهم العلامة السيد محمد عقيل صاحب المؤلفات القيمة كـ(النصائح الكافية) و(العتب الجميل) و(تقوية الإيمان) و(القول الفصل) وكان يقيم في سنغافورة. وكانت لهم أندية أدبية تربط أواصرهم.

أما في مصر فقد انتشر التشيع مع انتشار الإسلام بواسطة أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الذين شهدوا فتح مصر, وهم المقداد بن الأسود الكندي، وأبو ذر الغفاري, وأبو رافع, وأبو أيوب الأنصاري, فهؤلاء وأصحابهم كانوا دعاة التشيع وأنصاره.

ولما دخلها عمار بن ياسر أيام عثمان بن عفان دعا إلى التشيع وتمثلت الناس به حتى أصبحت البلاد كلها إلى جانب الإمام علي(عليه السلام) وأجمعوا على مقاومة عثمان.

وبعد عمار دخلها قيس بن سعد واليا فأكمل طريق عمار وركز دعائم التشيع أكثر فتعالت أسهمه وكثرت جنوده, لكن بدخول عمرو بن العاص, المعروف بدهائه ومكره, تأخرت حركة التشيع واستمرت على هذه الحال من الجمود إلى أن زال ملك الأمويين, فأظهر المصريون ما انطوت عليه قلوبهم من الولاء لعلي(عليه السلام) وتنفسوا الصعداء. ولا زال التشيع يظهر في مصر حينا ويختفي حينا آخر حسب العوامل التي تدعوا إلى إخفائه وظهوره, واليوم الذي يزور مصر يلاحظ ويرى أن المذهب الجعفري منتشر هناك وتعتنقه جماهير غفيرة.

وفي الهند ظهر التشيع وانتشر بسبب الروابط المتصلة بين العرب والهنود. وبمساعي المرشدين الذين دخلوا بلاد الهند من الشيعة اعتنق المذهب الجعفري جماعة كبيرة من الوثنيين, ومنهم جماعة كثيرة باقون إلى اليوم ولهم إمارات في جميع الأقطار الهندية, ولا يخلو بلد منهم, وهناك بلد تختص بهم وهي: لكنهور, المركز الوحيد للشيعة في الهند وعاصمة مملكة أوده الفانية ومنبع علمائها قديما, تعد اليوم من أكبر البلاد العلمية, وفيها مدارس عربية أهمها: الجامعة السلطانية, ومنها مدرسة الواعظين وهي تختص بالتبليغ. والمدرسة الناظمية التي اسسها العلامة أبو حسن كما أسس الجامعة السلطانية.

وفي لكنهور الشيء الكثير من آثار الشيعة كالمساجد والحسينيات ومن البلدان جانبور, تبن آباد, لاهور, بنجاب، مظفر أباد.

وفي تركيا ظهر المذهب الجعفري وانتشر بصورة مكشوفة فكثر أتباعه وتزايد مناصروه, لكن السلطان سليم المتوفى سنة 926هـ قاوم الشيعة وقتل منهم خلقا كثيرا.

يقول إبراهيم الطبيب الأول للجيش التركي: وكان السلطان سليم شديد التعصب على أهل الشيعة, ولا سيما أنه كان في تلك الأيام قد انتشرت في رعاياه تعاليم شيعية تنافي مذهب أهل السنة, وكان قد تمسك بها جماعة من الأهالي, فأمر السلطان سليم بقتل كل من يدخل في هذه الشيعة, فقتلوا نحو أربعين ألف رجل, وأخرج فتوى شيخ الإسلام بأنه يوافق على قتل الشيعة وإشهار الحرب ضدهم.

ومع هذا الاضطهاد فإننا نجد اليوم في تركيا عددا كثيرا منتشرين في أطراف البلاد.

وفي السعودية, القطيف وجوارها نجد جماعات شيعية وفي الاحساء وقاعدتها(هفوف), وكذلك في قطر, يوجد كثير من الشيعة, ولا يزال من الاحساء والقطيف في النجف الأشرف مهاجرون لتحصيل العلم الديني, علم أهل البيت(عليهم السلام)، ومنهم علماء مبرزون وأدباء معروفون لهم مكانتهم الأدبية.

وفي البحرين للتشيع مكانة, ولأهله قوة, وقد برز منهم علماء خدموا الامة الإسلامية, بمؤلفاتهم القيمة وآثارهم الجليلة, التي تعد في الواقع من أفضل التراث الشيعي, ولهم في النجف الأشرف الآن بعثات تتلقى العلوم الدينية ومنهم علماء وأدباء وشعراء قاموا بدور عظيم في خدمة المذهب الجعفري.

وفي الأفغان انتشر التشيع منذ زمن بعيد, ويقدر عددهم اليوم بعشرة ملايين, ويوجد منهم في النجف الأشرف الآن بعثات يقدر عددهم بنحو ثلاثة آلاف نسمة منهم من يدرس الفقه الجعفري, وقد برز منهم علماء مبرزون لهم مكانة علمية عالية.

وقبل نصف قرن تقريبا هاجر كثير من الشيعة السوريين ومن اللبنانيين(جبل عامل) لتحصيل العيش في أمريكا, فعملوا في التجارة والزراعة, وهم ذوو شأن وعزة يقيمون هناك شعائر الإسلام, فبنوا مساجد فخمة في الولايات المتحدة ويقدر عددهم بمليون نسمة.

كما دخل المذهب الجعفري إلى الصين منذ القرن الرابع. وفي البلاد الروسية كان للشيعة دور بارز حيث أقاموا الشعائر الدينية بحرية واسعة كبلاد بخارى والقوقاس. وكانوا قبل الحرب العالمية يتواردون بكثرة لزيارة المشاهد المقدسة ويفدون مهاجرين لطلب العلم, والى اليوم نجد جماعة منهم في النجف الأشرف.

أما العراق, وما أدراك ماالعراق, فقد انتشر فيه مذهب أهل البيت في الصدر الأول من عصر الإسلام, وقام بذلك أصحاب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) المجاهدون, في الكوفة, والمدائن, والبصرة. لكن الكوفة تميزت بصبغتها الإسلامية العلوية, وقام فيها رجال الدعوة في الدفاع عن أهل البيت(عليهم السلام), وتحملوا في عهد معاوية وابنه الطاغية المجرم يزيد الكثير من المصائب والبلاء, ويكفي مأساة كربلاء وقتل سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي(عليه السلام) ابن بنت رسول الله وأحد السبطين الكريمين.

وفي المدائن انتشر التشيع هناك على يد الصحابيين الجليلين سلمان المحمدي، وحذيفة بن اليمان, وكذلك الأمر في البصرة وغيرها من مدن العراق من الشمال إلى الجنوب حيث انتشر التشيع بصورة ظاهرة, والعراق اليوم معروف بتشيعه لأهل البيت(عليهم السلام) وولائه للعترة الطاهرة في معظم سكانه.

فالشيعة هم الأكثرية في العراق, قاوموا ظلم الأتراك بثورات متلاحقة سجلها لهم التاريخ بكل فخر, وقاوموا أيضا الاستعمار الانگليزي بكل ما لديهم من قوة, ما زالوا حتى اليوم يقاومون ويجاهدون.

وفي إيران كانت قم وحدها في القرن الأول شيعية وسار التشيع بخطى ثقيلة ثم انتشر في بلاد إيران بصورة تدريجية على مرّ الأدوار, حتى أصبحت ايران اليوم كلها شيعية حكومة وشعبا, وقامت بخدمة المذهب الجعفري ونشر مآثر أهل البيت(عليهم السلام) ومناصرة المحرومين في جميع البلدان الإسلامية, وفي اليمن يوجد عدد كبير من الشيعة نشروا التشيع في بقاع اليمن منذ صدر الإسلام.

هذه أهم الأصقاع التي تنبسط فيها منابت الشيعة الذين أحدثوا في جميع أصقاع العالم جاليات تعمل على نشر المذهب الجعفري وشرحه وبيان مضامينه وكانت لهم مواقف مشرفة في مقابلة الظالمين لا أثر فيها للغش والخداع, ولا يشوهها كسب الجوائز وطلب المناصب.

وما نلفت إليه عند المسلمين تأثرهم بآداب الإسلام وثقافته, وعنايتهم بالأفكار العميقة والمعاني الدقيقة, وتميزهم بالعواطف الثورية التي كانت سببا في استنهاض الأمة من كبوتها, وايقاظها من غفلتها.

ونقطة هامة أخرى يجدر الالتفات إليها وهي أن تاريخ الشيعة الغني جدا بالمآثر لم يدرس دراسة سليمة ترفع الستار الذي يكتنف مبادئهم وتطورهم, إذ أن المصادر التي يستمد منها الباحثون معلوماتهم عن الشيعة مضطربة ولا تصل بهم إلى الحقيقة, وسواء أكانت عن قصد أم عن غير قصد, لأنها مصادر محدودة لم تسلم من سيطرة التعصب الأعمى وتغليب الأهواء الخاصة والتحيز البغيض.

ولا ننسى في هذا المجال كتاب الفرق الذين سلكوا طريق الافتراء والتحامل, فلم يكتبوا للعلم بل كانت معظم كتاباتهم مجردة تجريدا واضحا عن كل ما له صلة بالحقيقة. وهذا ما يجب علينا بيانه وتوضيحه. كما يجب على طلابنا في دراساتهم وأبحاثهم أن يكشفوا الحقائق بكل جلاء ووضوح ويبينوها أمام الملأ العام بأسانيد علمية موضوعية.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

( * ) بتصرف عن كتاب(الإمام الصادق عطر النبوة ومنهج حياة) للدكتور حسين الحاج حسن. ط1 سنة1997م.

imported_إمامي is offline   Reply With Quote
Reply

Bookmarks

Thread Tools
Display Modes

Posting Rules
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is On
Smilies are On
[IMG] code is On
HTML code is Off

Forum Jump

Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية

All times are GMT +3. The time now is 01:56 PM.